رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 محرم 1426هـ - 9 مارس 2005
العدد 1668

مواجهة الإرهاب(5)
أسسنا ندوة "مستجدات الفكر الإسلامي" واليوم يؤخذ بعنوانها فقط!
د. الزميع: الأحداث الإرهابية لم تفاجئني لأنها نتيجة منهج.. وأصحاب الاختصاص غابوا عن المواجهة

 

 

·        الدعاء على اليهود والنصارى كان لظرف الحروب الصليبية أما اليوم فلا مبرر له

·         مشروع الزكاة أسقط بتحالف إسلامي ليبرالي وكان سيحقق جهدا تنمويا وبشفافية

·        أنا ضد تقييد أي عمل خيري إسلامي أو ليبرالي·· لكنني مع توحيد جهات الإشراف عليه

·        الفكر الإسلامي المعاصر لا علاقة له بالواقع وهو نتاج تحدي الاستعمار والأنظمة المستبدة

·       تجربتي في الأوقاف كسرت حواجز كثيرة ولكن أين هي اليوم؟

 

أجرى الحوار مظفر عبدالله:

تنشر "الطليعة" سلسلة من اللقاءات مع نخبة من القيادات الفكرية والعلمية لتسليط الضوء على بعض الجوانب الغائبة في تفسير ظهور السلوك الإرهابي ومظاهر الكراهية التي بدأت تنتشر بشكل كبير داخل مجتمعنا، وبعيدا عما تقدمه الأجهزة الرسمية من حلول جزئية ولحظية لتطمين المجتمع بأن ما يحدث ليس بظاهرة، وكذلك بعض الكتل والتجمعات السياسية التي جعلت من انتشار هذه الظاهرة فرصة لتصفية حسابات سياسية أو محاولة لإبعاد التهم عن بعضها·· بعيدا عن كل ذلك نقدم للقارئ هذه اللقاءات التي قد تفتح لنا جميعا آفـاقا جديدة للحل·

في هذه الحلقة، نستضيف الدكتور علي الزميع وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزير التخطيط الأسبق ضيفا خامسا في سلسلة لقاءات الطليعة حــول سـبل مواجهة الإرهاب وفيما يلي نص اللقاء:

 

فشل سياسات التنمية

 

· "الطليعة": مظاهر العنف والتطرف والغلو الديني والفكري التي توجت مؤخراً باشتباكات مسلحة في عدد من مناطق الكويت وراح ضحيتها عدد من الأبرياء·· هذا المشهد يدعونا إلى مناقشة موضوع خطط التنمية الوطنية في العقود الماضية في المجالات التعليمية والاجتماعية والسياسية وغيرها·· فهل يمكننا القول إن ما وصلنا إليه هو اختبار لتلك السياسات ؟

- بالمناسبة، الأحداث الأخيرة ـ كإجابة على سؤالك ـ لم تكن مفاجئة لي، بل سبق لي الكتابة حولها والتصريح العلني عنها والتنبؤ بها، لأن أي منهج لا يربط التنمية بمعالجة المشكلات الفكرية من الضروري أن يؤدي إلى مثل هذه النتيجة·· وكتجربة شخصية لي ـ لكوني كنت في التيار الإسلامي، ومازلت لا أتبرأ لكوني موجودا في إطاره العام ـ فقد كنت منذ الثمانينيات أتكلم وأكتب عن هذا الموضوع وأدرسه، حتى أنني جعلت موضوع رسالة الدكتوراه يتركز حول رصد التطور الفكري للحركات الإسلامية وتحليله على أسس علمية أكاديمية، وقد خلصت الرسالة إلى أنه خلال الخمسة والعشرين عاماً الأخيرة كان التطور التاريخي والفكري للحركات الإسلامية ـ على اختلاف أطيافها ومذاهبها ـ يسير باتجاه خاطئ، وينمو ويتطور في اتجاهات سلبية·· وكنت أتوقع أن هذه التيارات سوف تصطدم بالمجتمع وتصل إلى طريق مسدود· وهذا يقودنا إلى فهم ما حدث، فما شاهدناه مؤخراً في الكويت هو رأس جبل الجليد·· فالإشكالية ليست بما حدث، بل بتأثيرات ما حدث من نمو في هذا الفكر الإسلامي العام وما أوجده من معوقات كبيرة في المجتمع وفي مسيرة التنمية·

إن هذه الإشكالية تنموية بالأساس، فالتنمية يجب أن تستند إلى قاعدة فكرية تنطلق من ثقافة المجتمع وتحث على تبني التغيير الذي هو ـ في الوقت ذاته ـ محتوى عملية التنمية، وبالتالي يجب أن يتم التعامل مع هذه المشكلات الفكرية على هذا الأساس·

لذلك، يجب أن نقف على حقيقة مفهوم التنمية··هل هي فتح مدارس ووزارة الإعلام ومصانع··· إلخ؟··· الإجابة، بالطبع لا، فالتنمية عبارة عن عمل جاد على مسارات متعددة يجب أن تسير بشكل متواز ومتكامل لتحقيق أهداف في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من المجالات،  وهذا عكس ما أراه في مجتمعنا، بمعنى·· أنك ترى أحياناً أهداف معينة تتضارب وتتناقض مع أهداف أخرى، وأنشطة ومشاريع تتضارب فيما بينها·· وبالتالي، فإشكاليتنا أن خطط التنمية في الكويت تكاد تكون فاقدة لأثرها الحقيقي، أو حتى يمكن القول إن بعضها سبب في تعقد بعض المشكلات والأزمات·· لذلك، نجد أن هدف وثقافة الإنسان الكويتي وما يراد منه ـ وحتى غير الكويتي الذي يعيش معنا ـ غير محدد بشكل واضح، بل أبعد من ذلك نجد إلى الآن أن هناك جدلا حول قضايا يفترض أنها قد حسمت كسقف الحريات، وحقوق الإنسان···· وغيرها·

 

· "الطليعة": هل السبب في ذلك غياب دور الدولة في رأيكم ؟

- الدولة هي المسؤول الرئيسي عن قيادة عمليات التخطيط للتنمية·· ولذلك فدورها أساسي في إنجاح هذا الجهد أو في حدوث مزيد من المشكلات، ويضاف إلى ذلك غياب دور فاعل للقوى السياسية والفكرية والمجتمع المدني ، لأن هذه القوى شريك أساسي في عملية التنمية·· لكن مع الأسف تمت إزاحتها وإفساح الطريق  أمام قوى سياسية أخرى ذات أغراض جزئية ونقابية صغيرة·

 

تجربة وزارة الأوقاف

 

· "الطليعة": كنت قد تقلدت مسؤولية وزارة الأوقاف منذ سنوات، وكانت لك تجربة تتعلق ب (ميثاق المسجد)، والندوة الفكرية السنوية، وتجربة الوقف··· فماذا حدث لهذه المشاريع بعد أن تركت الوزارة ؟

- قبل أن أخوض في تجربتي الشخصية، أريد أن أوضح أن الاهتمام بالجانب الفكري هو جزء أساسي من عملية التنمية، وبالتالي فلابد أن نتعامل مع الشؤون الدينية على عدة مسارات·· فهناك المرجعية الحكومية، والمرجعية الأهلية، وهناك مرجعيات دينية سياسية·

لكنني أريد أن أنطلق من شيء محدد وهو أن مسألتي الدين والإرهاب من المسائل العامة ومن حق كل مواطن الحديث حولهما، بل أبعد من ذلك أقول إنه حتى غير المسلم الذي يعيش بيننا معني بالموضوع، فلذلك من غير المقبول ما نراه من محاولة بعض الأطراف احتكار الحديث عن الدين أو مشكلة الإرهاب·

بالطبع رأينا جميعاً أصواتا تعالت·· تقول لماذا يتحدث الإسلاميون كثيراً عن الإصلاح وهم سبب البلاء ؟·· فأقول إن الدين شيء لصيق بمجتمعنا ·· فكلنا مسلمون، والتحدي الأساسي هو معالجة إشكاليات الخطاب والفكر الإسلامي سواء أكان ذلك فيما تتبناه الأجهزة الرسمية أم ما تطرحه المؤسسات المدنية، وعليه يجب أن ندعم كل جهد إصلاحي داخل الدائرة الإسلامية، والناس لن تقبل بتغيير هذا الفكر إلا إذا جاء من مرجعيات تتسم بنوع من المصداقية والثقة·· ومن ثم، فالحديث عن إسكات أي صوت إسلامي ـ يتناول ما سيحدث ـ هو في حد ذاته أمر خطير، وإذا ما أردنا أن نكمم الأفواه ـ ونضعهم جميعاً على اختلافهم في خانة واحدة ونواجههم ـ فإن ذلك في رأيي سيكون بداية لخلق فكرة ( طالبان ) كويتية·

تجربتنا في وزارة الأوقاف اعتمدت على الحوار والحجة وتطوير الفكر الإسلامي باعتبار هذه الأمور كفيلة بالتصدي للمشكلات الفكرية·· وبالنسبة لسؤالك حول هذه التجربة، فقد كانت ذات شقين رئيسيين :

الشق الأول، يدور حول وجوب إصلاح وتطوير المرجعية الدينية والمدنية الإسلامية·· فبالنظر إلى تجربتي الشخصية مع التيار الإسلامي ـ التي أفخر بها ومازلت ـ وتجربتي الأكاديمية ـ التي كانت حول الحركات الإسلامية في الكويت في الثمانينات ـ أصبحت لدي قناعة بأنه يجب أن نقدم شيئاً جديداً في هذا الشأن·

ومنذ بدء التجربة الرسمية في الوزارة تبنينا إنشاء أجهزة رسمية تطرح الفكر الإسلامي التجديدي، وكنا ننأى بأنفسنا وبأجهزة الوزارة بأن نطرح أنفسنا كمرجعية للتجديد الإسلامي·· بل أوجدنا مساحة وطنية تضم كل القوى الإسلامية التقليدية مع الساعين لتجديد الفكر الإسلامي إضافة إلى شتى الاتجاهات المذهبية والليبرالية لمناقشة الإصلاح الديني، وتم تبني هذا الجهد من خلال ندوة (مستجدات الفكر الإسلامي والمستقبل) التي كانت تعقد سنوياً، كما تم توثيق نتائج هذه التجربة من منظور استراتيجي وتم رفعها إلى مجلس الوزراء الذي أقرها، وكان هدف كل هذه الحركة والأنشطة التصدي لمظاهر الغلو والتطرف والجمود·

كان ذلك في بداية التسعينيات، حيث كان الكل ينفي وجود الإرهاب، لكننا طرحناه كشيء نتنبأ به في للمستقبل·· كما قلنا في تلك الرؤية أن الفكر الإسلامي يجب أن تتم دراسته وبحثه إضافة إلى استشراف اتجاهاته في المستقبل، وبالتالي كانت فرضية تلك الندوة السنوية وجوب تطوير الفكر الإسلامي·

أما الشق الثاني لتجربتنا في وزارة الأوقاف، فكان يستهدف كسر الحواجز بين كافة الإطراف في الحوار حول قضايا تجديد الفكر الإسلامي·· حيث تمت دعوة أطراف كانت مغيبة عن مناقشة الفكر الديني بل كانت مرفوضة من البعض، وأنا أفخر بأننا أول من كسر هذا الحاجز وتمثل بأن نقاش الموضوع والخطاب الديني الإسلامي حوله تم تناوله بالحوار من خلال دعوة الليبراليين كالدكتور محمد الرميحي والدكتور أحمد الربعي وغيرهم·· كما دعي من الأطراف الإسلامية من يملك رؤية فكرية ذات طابع تجديدي، مثل : الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، والأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد والأستاذ فهمي هويدي وآخرين من مختلف الاتجاهات·

أما الحاجز الآخر الذي تم كسره فقد تمثل في دعوة المهتمين بالقضية الدينية من المذاهب والحركات المختلفة، فدعيت أطراف من الحركات الإسلامية كالإخوان المسلمين، والسلف، وحزب التحرير، وكذلك رجال دين ومفكرين شيعة من الكويت ولبنان وإيران·

كما تم كسر حاجز الجانب الاجتماعي من خلال دعوة المرأة للمشاركة في الحوار، فدعيت السيدة الفاضلة فاطمة حسين وأخريات·· وتم التعامل مع معظم القضايا الفكرية ابتداءً من السياسة إلى الاجتماع إلى شئون المرأة وغيرها·

وللأسف عندما تمت العودة إلى تنظيم هذه الندوة قبل سنتين، رفع الشعار ذاته لكن المضامين أصبحت تبريرية، وكان ذلك بعد تجميد دام سبع سنوات تقريباً·· وأنا لا ألوم من تابع تفعيل الندوة بمضامين أخرى، لأن من لا يملك الرؤية لا يستطيع تحقيق الهدف المطلوب حتى لو توفرت النية الحسنة·

كان ذلك العمل على مسار المرجعية الرسمية في موضوع تجديد الفكر، ثم كانت هناك خطوات أخرى، فكان أول قرار إخلاء لجان الزكاة من المساجد، حيث كانت غرف المساجد تستخدم في هذا النشاط، وتم الاتفاق على ترتيب أماكن أخرى لهذه اللجان بالاتفاق مع وزارة الشؤون·

وفي السياق نفسه تم اللجوء إلى نشاط الإفتاء كآلية لمعالجة المشكلات والجمود الفكري وتصحيح ما يعتري الساحة من اتجاهات خاطئة·· مثل ما يتعلق باستخدام مكبرات الصوت في مساجد المناطق السكنية، وتهنئة غير المسلمين في مناسباتهم، ومسألة تفعيل دور المرأة، والديموقراطية والحريات··· وغير ذلك من المشكلات الفكرية التي تعتري ساحة المجتمع، فالفكر لا يمكن التصدي له إلا بالفكر والحوار·

"ميثاق المسجد" كان أحد أدبيات الوزارة التي تبين بوضوح دور المسجد والعاملين فيه، وكان ذلك محور التجربة الفكرية الإدارية·· أما في الجانب المدني، فقد رأينا أنه لا توجد مؤسسات مجتمع مدني إسلامية وبالتالي كانت القوى الإسلامية السياسية هي المستغلة لهذا النوع من المؤسسات، وأنا لا أعيب عليهم ذلك، لأن الطرف الرسمي والشعبي أهمل هذه المؤسسات·

وقد كان من أبرز المقترحات التي تسد فراغاً في هذه المجال مشروع قانون الزكاة، والذي للأسف أسقط بتحالف إسلامي ليبرالي، وحتى الحكومة لم تهتم به، وقد كانت فلسفة التشريع تتركز في أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، ومن الناحية الشرعية فإن الطرف المعني به هو الدولة من خلال السلطة التنفيذية بإشراف السلطة الشعبية، ولو قدر لهذا القانون النجاح والتطبيق لاستطعنا القيام بدور تنموي كبير، ولكننا ربطنا الناس بإدارة أمورهم الدينية وخاصة المالية بما يحقق ويعزز الدور التنموي لكل هذه الأنشطة، وكان من الممكن إنشاء مجلس أعلى يضم كافة المذاهب الإسلامية وكل هذا تحت إشراف الدولة·

 

· "الطليعة": هل يمكن القول بأن نجاح مثل هذا القانون كان كفيلاً بإبعاد الشك عن أموال التبرعات التي تذهب للجمعيات الخيرية على جوانب مختلفة ؟ وهل كان مبدأ الشفافية سيجد طريقاً لتوضيح مسار تلك الأموال من خلال رقابة ديوان المحاسبة؟

- بالتأكيد كان موضوع رقابة ديوان المحاسبة جزءا من المشروع، وبالمناسبة هذه الصيغة التي ذكرتها لم يكن الهدف منها إلغاء دور الجمعيات بل الموضوع الرئيسي الذي نريده هو الإشراف لأننا في النهاية نريد معرفة الكم التراكمي الذي تستطيع هذه الأموال أن تساهم به في عملية التنمية المستدامة·· وأنا أعتقد أن الفكر الإسلامي الجامد الذي نعيشه اليوم هو بسبب إهمال القيم التنموية في الدين وفي مقاصد الشريعة·

 

تجربة الأمانة العامة للأوقاف

 

·  "الطليعة": ماذا عن تجربتكم في الأمانة العامة للأوقاف ؟

- أريد هنا أن أشير إلى أن هذه التجربة تعتبر من أبرز التجارب التي حدثت في مجال المعالجة الرسمية لموضوع التنمية، وتتركز فلسفتها باختصار في إنشاء صناديق لتمويل أنشطة خدمية تنموية في قطاعات الصحة والتعليم والثقافة ورعاية المعاقين والمساجد وغيرها، ويكون نصف إدارتها بالتعيين من جهات حكومية ذات علاقة، والنصف الآخر من المتطوعين المهتمين أو متخصصين·· وكان الهدف من هذه الصناديق إيجاد فكر مهتم بالقيام بأعمال تنموية ومجتمعية، وبالتالي كأنك في هذا وجهت رسالة لكل من يريد أن يرتبط بفكر سياسي إسلامي بأن هذا المجال ليس مجاله، لأن هدفنا غير مرتبط بالجانب السياسي·· ومع الأسف فلم تجد هذه التجربة تشجيعاً من الحكومة كما أنها حوربت من قبل الإسلاميين أنفسهم وكذلك الليبراليين كل بحسب تصوراته·

 

توحيد العمل الخيري

 

·  "الطليعة": طرحت صيغة المظلة الواحدة التي تجمع الجمعيات الدينية لغرض تحقيق مبدأ الرقابة والشفافية معاً مع عدم إلغاء أي طرف من الأطراف ضمن تلك المظلة، إلا أن تلك الجمعيات واجهت ذلك الطرح بالتجاهل وعدم الاكتراث·· فهل من المفيد أن يثار نقاش موسع داخل المجتمع حول ذلك ؟

- أنا أعتقد أن السؤال يجب أن يطرح بشكل عكسي، لأنه لا يمكن أن تطلب من إنسان أن يبادر بوضع قيود على نفسه، لكن السؤال الأهم في ذلك يجب أن يوجه إلى الجهة المنظمة·

 

·  "الطليعة": تعني الدولة ؟

- نعم أعني الدولة، لأننا في الأعوام 1991/1992/1993/1994 - وضمن تجربة وزارة الأوقاف وبيت الزكاة في ذلك الوقت - طرحنا مبدأ موثقا في المؤسسات الرسمية بأن يكون لكل لجنة مدقق مالي خارجي، وأن تمارس وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل دورها بالإشراف لأن مسؤوليتها جمعيات النفع العام·

أنا ضد تقييد العمل الخيري سواء كان إسلاميا أم ليبراليا، وضد توحيدها تحت مظلة واحدة، لكنني مع توحيد جهات الإشراف على العمل الخيري·· وللتشدد في هذا المجال نتيجته السلبية، لأنه سيولد تحركات تحت الأرض ويستفيد منها أناس يريدون العمل بعيداً عن الضوء·· لذلك، أقول إن تنظيم العمل الخيري طرح في وزارة الأوقاف منذ بداية التسعينات وحتى منتصفها، لكنه تم إهماله وأقفل ملفه ومشكلتنا أن ملفاتنا لا تفتح إلا وقت الأزمات·

 

مستوى النقاش

 

·  "الطليعة": برأيكم ما هي إشكالية الفكر الإسلامي المعاصر؟

 

- هنالك إشكالية تلازم الفكر الإسلامي في وقتنا المعاصر، لأن هذا الفكر نتاج مدارس فكرية واجهت تحديين مصيريين في وقت نشأتهما·· الأول، الاستعمار ومحاولة مسح هوية المجتمعات المحتلة·· والثاني، مواجهة بعض المجتمعات أنظمة حكم يسارية أو اشتراكية حاولت فرض أفكار تعادي الدين ومسحه من ذهنية الناس·

وعندما انتهت الظروف الطارئة - وعادت المجتمعات العربية والإسلامية إلى الاسترخاء وشيوع الحرية الدينية والسياسية والفكرية - وجدنا أن الحركات الإسلامية استمرت على نفس منهاجها الفكري الناتج كرد فعل على تحديات الماضي ولم يأت من يجدد ويقول إن قضيتنا لم تعد الآن مسح هويتنا الإسلامية، فالآن تبرز قضايا وإشكاليات أخرى·· مثل قضايا التخلف والتنمية الاجتماعية والاقتصادية ككل·· وأبعد من ذلك، أقول وعلى المستوى الديني فقد ظهر فكر فيه العديد من الإشكاليات ومظاهر الغلو·· ففيه الكثير من الفهم الخاطئ لقواعد الإسلام، وعدم رؤية الواقع المعاصر على حقيقته، ورفع شعارات لا تملك أسباباً فعلية للتحول إلى واقع، وغير ذلك·· فمثلاً في مواجهة الآخر من غير المسلمين - خصوصاً الغرب - نجد فكراً بني على الفكر الذي ساد إبان الحروب الصليبية، وتدخل المساجد فتجد من هم في المنابر يختمون خطبهم بالدعاء على النصارى واليهود·· رغم أن هذا الدعاء ظهر أيام الحروب الصليبية التي جاءت فيها جحافل الصليبيين إلى الأراضي الإسلامية وكان ذلك الفكر والممارسة نوعاً من تحفيز الجماهير لمواجهة هذا العدو، أما اليوم فهذا المشهد انتهى خاصة في شقه السياسي والعسكري، وقد يكون هناك صراع ثقافي أو اقتصادي·

لذلك أنا أقول إن هناك اغترابا بالفكر الإسلامي عن واقعه الحالي، ولم يأت من يجدد لهذا الفكر، وحتى الحديث عن مساهمات محمد عبدالوهاب وابن تيمية والبنا وغيرهم فهؤلاء قد يكونون محقين فيما ذهبوا إليه في زمانهم، وقد يكون صحيحاً بالنسبة الى ظروفهم، ولو قدر لهم الوجود اليوم لربما رفضوا الفكر الذي وضعوه ورفضوا ممارسته في الواقع المعاصر·

 

البعض يظنون أن الدستور بدعة !!

 

ولعلنا نرى الآن على الساحة من يعيش حالة اغتراب، ولا يرى في المجتمع ما ينتمي إليه، وقد يصل به الأمر مثلاً إلى الاعتقاد بأن الدستور بدعة، وينخرطون في معارك مع المؤسسات الرسمية أو مع تيارات أخرى·· على الجانب الآخر نجد أن هناك قوى أخرى تتهم من يريد أن يفتح باب تطوير الفكر الإسلامي بأنه يريد أن يخلق نفوذا للإسلاميين·· وبالتالي فدعاة تجديد الفكر الإسلامي الحقيقيين في وقتنا الحاضر واقعون بين مطرقة وسندان الفريقين مجتمعين : التيار الإسلامي المتشدد، والتيار الليبرالي المتشدد·

 

الحكومة والإرهاب

 

·  "الطليعة": كيف تقيم الخطوات الحكومية التي أعقبت حدوث المواجهات المسلحة في عدد من مناطق الكويت؟

- كل ما تم أعتبره عمليات إصلاح جزئية لم تصل إلى صلب الموضوع، وحتى المعالجات الإعلامية والتربوية أخشى ما أخشاه أن تكون سطحية·· فليس صعباً أن تشكل لجنة أو أن تجمع سلاحا، ولكن هناك مسألة أكبر تتلخص في أن هناك فكرا معيقا لعملية التنمية واللحمة الوطنية لا يمكن أن تنطلق في مسيرتك من دون معالجته·· وبالمناسبة، فالعلاج ليس فقط مسؤولية الحكومة لكنها مسؤولية الإسلاميين والليبراليين وأي قوى أخرى فاعلة ومخلصة في المجتمع·

وأتمنى على الجميع أن لا يستغل الفرصة لتحقيق مكاسب سياسية ونقابية، فنحن اليوم أمام مسألة استقرار مجتمع وأمام عملية جدل حول بناء حركة تنمية، وأعتقد أن أفضل إيجابية فيما حدث هو الصدمة التي جعلت الجميع يقبل بمبدأ المناقشة والتحاور والقبول بأن هناك خطأ ما·· لأنه في السابق كانت هذه الأمور أسيرة التهوين والتجاهل أو إعاقة أي جهد لنقاشها، لكن الآن الفرصة متاحة لأخذ إجراءات استراتيجية لإحداث تقييم فعلي وعلمي ومدروس من قبل أصحاب الاختصاص في الفكر الاجتماعي والقانوني والسياسي والشرعي، بعيداً عن المصالح الضيقة·

 

جغرافية التطرف

 

·  "الطليعة": هناك دعوة طرحها بعض المفكرين الكويتيين تتعلق بضرورة الانتباه إلى ما يسمى بجغرافية التطرف.. بمعنى إيجاد تفسير تنامي الفكر المتطرف في مناطق بعينها في الكويت·· فهل لهذه الدعوة أهمية في هذا المجال؟

- من دون شك مهمة، فصحيح أن المشكلة مشكلة فكر لا علاقة له بجغرافيا بالمكان·· لكن الواقع ينبئ بأن هناك معطيات تغذي مثل هذا الفكر·· ورغم ما حدث في الكويت فإن التوجه المضاد كان صارخاً ورافضاً لهذا الفكر، وحتى من نعتبرهم أنهم كانوا التربة الخصبة لهم نجدهم انضموا للتيار الرافض·· أما عن مسألة جغرافية التطرف فأعتبرها وجهة نظر مقبولة وتستحق البحث لأن هناك فئات تعاني من العوز والمستوى الاقتصادي الضعيف، لكنني مازلت أقول بأن الفكر هو المحرك الأساسي في الموضوع ·

يجب علينا أن ننتبه إلى قضايا لم يعد من السهل تجاهلها، وهناك مسائل العدالة الاجتماعية وسيادة القانون على الجميع، وقضية المناطق الخارجية ومستوى التنمية العمرانية فيها أمر مبالغ فيه لكن الإشكالية تكمن في سياسة الإسكان التي تساعد على تركيز فئات معينة في بعض المناطق، والأصل أن تكون برامج الإسكان أداة للتنمية وخصوصاً في مجال الاندماج الاجتماعي على عكس ما تسعى إليه بعض المصالح الانتخابية من الانعزال الاجتماعي، والذي للأسف شكل أرضية لمشكلات وأزمات مثل التي نعاني منها الآن·

 

العوامل الخارجية

 

·  "الطليعة": هناك من يرى بأن الاضطرابات التي تشهدها الدول العربية - كالعراق وفلسطين - تؤثر بشكل كبير على نمو موجات التطرف والغلو والعنف في المجتمعات العربية والإسلامية·· فهل ترون ذلك؟

- طبيعي أن يحدث ذلك الترابط، لأن ما يجري في البلدين اللذين ذكرتهما يولد إحباطاً لدى شرائح المجتمع على اختلاف أطيافها السياسية، والإحباط يولد في أصحاب الفكر على اختلاف مشاربهم مشاعر غاضبة·· انظر إلى قيادات التوجه القومي والوطني والعروبي في الستينيات والسبعينات، تجد الإحباط في فكرهم الداخلي نتيجة لفشل داخلي ولعوامل خارجية، الأمر الذي دفع بهم إلى الدخول في عمليات خطف الطائرات، ومهاجمة دورة الألعاب الأولمبية، والاغتيالات، والارتباط بمنظمات إرهابية عالمية·

هذا كله عنف ناتج عن الإحباط، وبالمناسبة لم يكن أحد يشك في عروبة هؤلاء·· لكن نتيجة هذا الضغط حدث ما حدث، وأعتقد أن من اتهمهم في ذلك الوقت دون دراسة الخلفيات يصبح تقييمه قاصراً، والتجربة ذاتها اليوم دخلها الإسلاميون·

ونقطة أخرى أقولها للإسلاميين بالنسبة الى القضايا الخارجية وهي أن هذه القضايا ليس بيدنا مفاتيح معالجتها كما هو في حالة نموذج فلسطين أو الشيشان، ولكن يبدنا أن نخلق أرضاً خصبة تنشئ مجتمعاً يعي كيف يعالج الأمور من خلال التعامل مع المعطيات الخارجية بما يتفق ومصالحه ويقلل من آثارها السلبية على الأوضاع المحلية إلى أقل حد ممكن·

طباعة  

ديوان المحاسبة
عين على المال العام

 
حكومة إلكترونية
 
لماذا تأخر افتتاح مبنى جمعية قرطبة؟