عبدالله محمد النيباري
تسعى الحكومة الى حسم موضوع تطوير حقول الشمال بالاستعانة بالشركات البترولية العالمية في هذه الدورة أي في الأشهر إن لم يكن في الأسابيع المقبلة، ويسود الشعور بأنها لن تواجه صعوبة كبيرة في تمرير المشروع بالنظر الى اختلاف تركيبة المجلس الحالي عن المجالس السابقة، خاصة فيما يتعلق بمدى اهتمام الأعضاء وجدية أكثريتهم على متابعته وقدرتهم على استيعاب تفاصيله، المشروع شائك ويتضمن أمورا قانونية وفنية واقتصادية ومالية في غاية التعقيد قضت اللجان السابقة جلسات طويلة ممتدة للتعرف على جوانب الموضوع، والسرعة التي تدفع بها الحكومة المشروع من الصعب أن تتيح الفرصة للأعضاء، وكثير منهم جدد للتعرف عليه واستيعاب تفاصيله والإحاطة بها في حدود الوقت القصير المتاح لهم·
أعادت الحكومة المشروع بعد أن غاب في أدراجها نحو العامين لكي تقدمه من جديد مرفقا ببعض الإجابات عن الأسئلة التي طرحت في الماضي خاصة فيما يتعلق بالجوانب المالية والاقتصادية أو ما يسمى بالنموذج المالي الاقتصادي وهو لب المشروع·
وقد انتهجت الحكومة أسلوبا جديدا في الترويج للمشروع وذلك بقيام فريق من القطاع النفطي بعقد اجتماعات مع المؤسسات التعليمية والبحثية والمؤسسات الأهلية (جمعيات النفع العام) تعرض فيها سمات المشروع وهي خطوة جيدة وإيجابية لاطلاع الرأي العام على جوانب المشروع بغرض إشراكهم في إبداء الرأي· كما طرحت بعض ملامح المشروع في الصحف المحلية إلا أنه حتى الآن لم تبرز الكثير من وجهات نظر المتخصصين فيما عدا ملاحظات قليلة منها تقرير "الشال" الذي أشار الى غموض النواحي المالية والاقتصادية·
وسأحاول في هذا المقال إثارة بعض النقاط التي قد تكون محل جدل ونقاش آملا أن يأخذ مداه الجدي لأننا بصدد أمر في غاية الأهمية لتعلقه باستغلال ثروة الكويت الوطنية الوحيدة وهي النفط باتفاقيات تمتد الى 20 سنة وربما 30 سنة وسأتطرق في عدد من المقالات للجوانب القانونية والفنية والمالية والاقتصادية مبتدئا هذه المقالة، بالجانب القانوني·
الجانب القانوني
ينص الدستور الكويتي في مادته (152) على أن أي عقد لاستغلال الثروة الوطنية يجب أن يكون بقانون أي أنه إذا أرادت الحكومة توقيع اتفاقية مع شركة أو شركات للاستثمار في استغلال الثروة النفطية عليها أن تقدم هذه الاتفاقية كمشروع قانون يعرض على المجلس لكي يبت فيه بالموافقة أو الرفض، وذلك يشمل أي تعديل في اتفاقية نافذة كما جرى في تعديل الاتفاقيات السارية في الستينيات والسبعينيات ولولا وجود هذا الإجراء لخسرت الكويت جزءا كبيرا من دخلها النفطي ومن مكاسبها فاتفاقية المشاركة المعروضة من الحكومة على مجلس 1971 كانت تقضي بحصول الكويت على 25% من النفط، حيث كان النفط المنتج آنذاك ملكا للشركات بنسبة 100%، وعندما عرضت على المجلس رفض المجلس نسبة الـ 25% وطالب بألا تقل عن 50% الى جانب شروط أخرى، فأعادت الحكومة التفاوض مع الشركات ورفعت النسبة الى 60% وعدلت شروطا أخرى متعلقة بتعويض الشركات عن الأصول الثابتة وبالأسعار وكان ذلك في عام 1974 مما اعتبر حدثا تاريخيا في العلاقات الاقتصادية وإنجازا يقدر لمجلس الأمة، وقد استفادت من تعديل الشروط الدول المنتجة الأخرى فقد حصلت على 60 % من نفطها المنتج بدلا من 25·% وترتب على هذا الإنجاز التاريخي أن تم استكمال السيطرة على الثروة النفطية بنسبة 100% بعد عام واحد وذلك بصدور قانون تأميم النفط في عام 1975· منهيا بذلك حقبة مهمة في التاريخ الاقتصادي للدول المنتجة للنفط ومنهيا هيمنة الدول العظمى وشركاتها على ثروات الشعوب واستغلالها، كما حقق خطوات مهمة على طريق الاستقلال الاقتصادي·
إذا النظر في اتفاقيات تتعلق باستغلال الثروة النفطية هو حق للمجلس وواجب عليه بنص الدستور لا يستطيع ولا يجوز التنازل عنه وإلا وقع في مخالفة دستورية·
إلا أن الحكومة لأسباب غير مفهومة حتى الآن تريد من المجلس أن يتنازل لها عن هذا الحق، ومشروع القانون المعروض على المجلس يطلب الموافقة على تفويض المجلس للحكومة بأن تتعاقد في اتفاقيات لاستغلال ثروتنا النفطية دون الرجوع الى المجلس·
وقد سبق أن قدم مشروع القانون هذا إبان تولي الشيخ سعود الناصر الصباح آنذاك وأحيل الى لجنة الشؤون التشريعية والقانونية وأصدرت اللجنة تقريرها بأن مشروع القانون يتناقض مع النص الدستوري كذلك طرح القانون للنقاش في ندوة عقدتها جمعية البحوث التخصصية في فندق الشيراتون شارك فيها عدد من المختصين أجمعوا بأن مشروع القانون يناقض الدستور، فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا إصرار الحكومة وتشبثها بالاستدارة على النص الدستوري لانتزاع تفويض من المجلس للتصرف منفردة في التعاقد على استغلال الثروة النفطية؟
والأمر الخطير في مشروع القانون هذا أنه لا يقتصر على حقول الشمال فقط وإنما هو قانون شامل لكل أراضي الكويت أي يسمح للحكومة بالتعاقد على استغلال كل الحقول والمكامن النفطية بما في ذلك حقل برقان العظيم ثاني أكبر حقل نفط في العالم، كذلك فإن القانون لا ينحصر أثره في الوقت الراهن وإنما هو ممتد يعطي الحكومة تفويضا في كل زمان في المستقبل، وفي أي وقت باعتبار أن القانون متى أقر سيبقى ساري المفعول الى أن يعدل أو يلغى·
حتى الآن لم تتقدم الحكومة بأي مبرر مقنع أو حجة وجيهة لضرورة هذا القانون·
ولو كان لدينا عشرات الحقول كما هي الحال في الكثير من البلدان النفطية قد يكون هنالك مبرر ما لتفويض الحكومة بدعوى أن مناقشة وإقرار عشرات الاتفاقيات قد لا يكون مناسبا من الناحية العملية، وحتى في هذه الحالة يصار الى صياغة نموذج اتفاقية محددة الشروط لا تتغير فيها إلا الأسماء والأرقام والتواريخ· ولكن في وضع الكويت التي لا تمتلك إلا عددا قليلا من الحقول والمكامن النفطية فما هو المبرر لعدم عرض اتفاقية لاستغلال الثروة النفطية على المجلس كما يقضي النص الدستوري، خاصة وأن هذه أول اتفاقية نفطية تعرض على مجلس الأمة منذ 1974 أي منذ أربعين سنة·
وإذا كانت الحكومة مقتنعة وواثقة بأن الاتفاقية تتضمن أفضل الشروط الممكن الحصول علىها وأنسب الصيّغ التي يمكن قبولها، لتطوير حقوق الشمال، فلماذا تخشى عرضها على مجلس الأمة؟!
وفي الحملة الترويجية التي يقوم بها فريق مؤسسة النفط يذكر بأن القانون يؤكد النواحي السيادية المتعلقة بملكية النفط والقرارات المتعلقة بحجم الإنتاج والتصرف في النفط المنتج، وكأنها أمور جديدة مبتكرة أضيفت الى القانون، في حين أن ذلك يعتبر من الأمور البديهية أكدت عليها أحكام الدستور وقانون استغلال الثروة النفطية وهي أمور استقر عليها العرف في العلاقات بين الدول المنتجة والشركات المستغلة والمستثمرة تمارسها جميع الدول كأمر بديهي استقرت الأوضاع عليه·
اتفاقية خدمات أم استثمار
وتصر الحكومة في البيانات المقدمة للمجلس بأن الاتفاقية هي اتفاقية خدمات تشغيلية وليست حق امتياز أو مشاركة وأن الشركات لا تحصل على كميات عينية وإنما تحصل على أجور نقدية مالية·
والمعروف أن اتفاقية الخدمات هي قيام الشركات بتقديم خدمات تشغيلية فنية استشارية مقابل أجور محددة وفق معادلات متفق عليها، وبموجب اتفاقية الخدمات التشغيلية لا تتحمل الشركات المصاريف الرأسمالية أو التشغيلية ولا تتقاضى أرباحا وهذا ليس هو واقع الحال في الاتفاقية المقترحة، فبموجبها ستتحمل الشركات المصاريف الرأسمالية والتشغيلية وتتقاضى أرباحا يحكمها حجم الإنتاج وقيمة تكاليف الإنتاج ولهذا فإن هذه الاتفاقية هي اتفاقية استثمار في استغلال الثروة النفطية وفقا لحكم الدستور ولا تنطبق عليها مواصفات اتفاقية الخدمات· وما إذا كانت الشركة تتقاضى نصيبها عينيا أو نقديا، ليست بذات أهمية كبيرة فهو خيار للطرفين مقيد بشروط فإذا كان نصيب الشركة مثلا 10% يكون هنالك معادلة إما أن يدفع عينا أو ما يعادله نقدا المهم هو نسبة ما يؤول للشركة من عائد عن كل برميل منتج وسوف نتناول هذا الجانب في مقال قادم، حيث نتناول الجوانب الفنية والمالية والاقتصادية·