· في قصيدته الشهيرة "المخبر" انتقم السياب من الذين أحصوا عليه أنفاسه
· ملف السيّاب الأمني يدين أربعة عهود في تاريخ العراق الحديث
حسين محمد عجيلü
وأنا أقلّب صفحات ملف السيّاب الأمني، الذي عثر عليه أحد الأصدقاء في مدينة البصرة بعد سقوط النظام المباد في نيسان من العام 2003، تجمعت في ذهني لوهلة خاطفة صور ثلاثة مبدعين عراقيين سُجلت لهم الريادة في مجالات اشتغالهم الأدبي والفني، وتوفوا جميعا وهم على أعتاب العقد الرابع من أعمارهم: رائد القصة الفنية الحديثة محمود أحمد السيد (1901 - 1937)، والفنان التشكيلي الرائد جواد سليم (1920 - 1961)، وبدر شاكر السيّاب (1926 - 1964) الرائد المجدد في الشعر العربي الحديث، وبقدر تعلق الأمر بالسيّاب فإن موته المبكر هذا أصبح مفهوما لي أكثر من أي وقت مضى، بعد استغراقي في دراسة ملفه الأمني!
أربعة عهود في الميزان
يتكون الملف الذي بين يدي، والذي تدل القرائن على أنه غير كامل، من 43 صفحة حررها جميعا منتسبون في دوائر الأمن العراقي خلال أربعة عهود مرت بها البلاد، وإذا ما كانت القيادات السياسية في تلك العهود المتتالية "الملكي والقاسمي والعارفي والبعثي" قد تقاطعت في طروحاتها وبرامجها السياسية تقاطعا بيّنا، شمل الصعد السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية، فإن ما يدعو إلى العجب حقا هو ثبات وجهات نظر أجهزتها الأمنية المتتالية واتفاقها في معظم مفاصل عملها، فقد "استفاد" كل جهاز أمني ينتمي إلى عهد جديد من وثائق العهد المزال، وتبني سياسته نفسها في تضييق الخناق على كل من ثبت "تورطه" في التفكير بطريقة غير مدرجة على لائحة طرق التفكير المقبولة لدى مديرية الأمن العامة!
ملف السيّاب الأمني يفضح كل هذه العهود، ويكشف عن عوراتها بما لا يدع مجالا لأولئك الذين تهيّجهم ذكرياتهم الخاصة وحنين غامض لأيام مضت، للتغني "بحريات" مزعومة في بعض تلك العهود، محاولين العودة بنا إلى بدايات خدّج جمدت لحظاتها في تاريخ لا تتوقف حركته، ولعل أهم عامل يدفعهم إلى ذلك باعتقادي هو المقارنة بسنوات حكم صدام، بإجراء مقارنة كهذه سيكتسب كل نظام حكم سبق هذاالنظام المتفسخ فضائل جمة· ولكني أتساءل: هل تصح مقارنة المسببات بالنتائج؟ وهل ثمة ما هو أسوأ من نظام حكم صدام لكي يُتخذ معياراً لمقارنة غير منصفة؟ إن صعود العسكر إلى السلطة وتمسكهم بها بعد دخول الحكم الملكي خلال عقديه الأخيرين في طريقً مسدود كان النواة الجنينية التي تفتقت فيما بعد عن ظاهرة صدام الدكتاتورية، ومن المؤسف حقا أن سنوات تشكّل تلك النواة كانت المسرح الزمني لظهور السيّاب شاعرا مجددا سطع نجمه وانطفأ فجأة في أوان العطاء·
شهادة مشرفة
يبدأ الملف بوثيقة من صفحتين حررها سنة 1957 رجل أمن، يبدو من طريقة كتابته أنه كان قريبا من جمهرة الأدباء، كلّف بوضع ملخص لسيرة السيّاب استنادا إلى ما ورد في السجلات الرسمية لمديرية الأمن العامة آنذاك، والوثيقة تحتوي على جملة من الوقائع المؤرخة، ولكنها تبدأ بإشارة غير مؤرخة إلى انتماء السيّاب للحزب الشيوعي العراقي السري، وتنتهي بالإشارة إلى تاريخ نشر قصيدته الشهيرة "غريب على الخليج" المنشورة في مجلة الفنون العراقية الصادرة يوم 20 آذار 1957 كما جاء في الوثيقة، التي تعد بمثابة شهادة مشرفة لشاعر كتبها رجل أمن على نحو غير مقصود!
ونقرأ فيها: "·· واشترك في الاحتفال الذي نُظّم في مقهى الجواهري بمناسبة ذكرى عيد نوروز، وألقى خطبةً مجّد بها الملا مصطفى البارزاني وأعماله الوطنية، ثم سيق إلى المجلس العرفي العسكري بتاريخ 1/8/1948 وفق المادة 77 بدلالة المالة "90" من الأصول، وبنتيجة المرافعة قُرّر وضعه تحت مراقبة الشرطة لمدة سنة واحدة"·
ونقرأ: "وجاء بكتاب مدير شرطة لواء البصرة المرقم 914 والمؤرخ في 25/1/1953 بأنه هرب إلى إيران ومنها إلى الكويت وبتاريخ 1/5/1954 حضر إلى مقر الحزب الوطني الديمقراطي واشترك في اجتماع لمنتسبي المنطقتين الأولى والثانية حول تقرير مصير أعضاء الحزب وبيان وجهة نظر أعضائه حول موقفهم من الوزارة الحاضرة آنذاك في الانتخابات النيابية القائمة وعدمه (كذا)··"
مذكرات شاعر بقلم رجل أمن!
كتب رجل الأمن المجهول في موضع آخر من تقريريه، الذي حفظ جانبا كان مغيباً من تاريخ الشاعر الشهير: "ثم أخذ بعد ذلك وبأوقات مختلفة إلى مقر الحزب الوطني الديمقراطي، ثم ألف كتاب "كذا" بعنوان "الأسلحة والأطفال" ويتضمن قصيدة رمزية طويلة عن تجار الأسلحة التي تفتك بالبشرية ثم ورد عنه أنه أخذ يشتغل مع محمود الجندي بصفة محرر في جريدة الشعب وأصدر عدة كراسات ذات مفاهيم يسارية، وبتاريخ 24/9/1955 ورد عنه أنه أخذ يتردد بكثرة إلى النادي العسكري بصحبة المحامي عواد علي اللجن وعباس حسن جمعة المعروفين بميولهم "كذا" اليسارية، ثم طلب المدعي العام سوقه إلى محكمة الجزاء وفق المادة الحادية عشرة "كذا" من قانون المطابع لعدم ذكر اسم المطبعة التي قامت بطبع الجزاء وفق المادة الحادية عشرة "كذا" من قانون المطابع لعدم ذكر اسم المطبعة التي قامت بطبع الكتاب الذي ألّفه، ثم قرر حاكم تحقيق·· الشمالي توقيفه لغاية يوم 9/10/1955 وبعدها سيق إلى محكمة جزاء بغداد فحكمت عليه بغرامة قدرها أربعة دنانير بتاريخ 20/10/1955 وعند عدم الدفع حبسه "حبسا" بسيطا لمدة أسبوع فدفع الغرامة وأطلق سراحه)·
ويردف كاتب التقرير متوغلا في تفاصيل حياته اليومية: (وبتاريخ 25/9/1955 وردت معلومات أنه ذهب إلى الإعدادية المركزية لزيارة محاسبها كاظم جواد الذي أخذ يقرأ له قصيدة تضمنت "كذا" الدعوى "كذا" إلى السلام إلى "كذا" الشعوب·· وبعد الانتهاء من ذلك أخذا يتناقشان حول قصيدة لكاتب روسي ترجمها المومىء إليه بعنوان "قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث" وبتاريخ 27/1/1956 نشر في عدد جريدة الأخبار بعددها المرقم 4211 مقالا بعنوان "الامتحان الذي يمر به الشعراء بالعراق وحرية التفكير والنزعة الإنشائية لدى الأدباء" وبتاريخ 20/4/1956 وردت إليه رسالة من المدعو أيوب طه الطالب بكلية الحقوق في جامعة أنقرة ذكر له فيها الأحوال التي مرت به في العراق وحتى إخراجه منه وتطرق فيها عمّا "كذا" حدث في الأردن بعد طرد كلوب باشا)·
ويلاحظ هنا أن جواسيس الأمن ومخبريه كانوا يتلصصون حتى على الرسائل الخصوصية التي ترد الشاعر من أصدقاء له يعيشون في المنافي·
المخبر
ثم تسرد الوثيقة وقائع أخرى من هذا القبيل تدخل على كثرة المخبرين الذين كانوا يلاحقونه في كل مكان، لذلك فليس من المستغرب أن يخصّ السياب هؤلاء بقصيدة شهيرة بعنوان "المخبر" نُشرت في ديوانه "أنشودة المطر" ومثّلت واحدة من أروع قصائده الدالة على قدرته الفذة على سبر أغوار النفس البشرية، فبمهارة الشاعر الكبير استطاع السياب أن يرسم، بجمل بليغة مكثفة، الخطوط العميقة لشخصية المخبر بكل ما تنطوي عليه من تناقضات، هذه الشخصية التي انمسخت شروطها الإنسانية وتقرنت حواسها وهي تراقب فريستها بصمت ودأب وصبر، وتحاول الإيقاع بها في مصيدة المحظور السياسي لتشعر بانتصار زائف يغذي ذرائع بقائها "حيةً" على هامش الحياة· يبدأ السياب قصيدته بقوله على لسان هذا الأخير:
أنا من تشاء، أنا الحقير
صبّاغ أحذية الغزاة، وبائع الدم والضمير
···
أنا الغراب
يقتات من جثث الفراخ، أنا الدمار، أنا الخراب
شَفَةُ البغيّ أعفُّ من قلبي،··
ثم ينتقل السياب انتقالته البارعة بجملة استدراكية من النبرة الخطابية المباشرة إلى مقطع تسامى فيه إلى مرتبة عالية من الشعرية الخالصة، نادراً ما وصل إليها شاعر، معتمداً على مقدرته التصويرية الخلاقة:
لكن لي من مقلتيّ - إذا تتبعتا خطاك
وتقرتا قسمات وجهك وارتعاشَك - إبرتين،
ستنسجان لك الشراك
وحواشيَ الكفنِ الملطخ بالدماء، وجمرتين
تروّعان رؤاك إن لم تحرقاك
وتحول دونهما ودونك بين كفيّ الجريده
···
وتقول: أصبح لا يراني، بَيْدَ أن دمي يراك
إني أحسك في الهواء وفي عيون القارئين
الشاعر الطريد
تواجهنا أول وثيقة في العهد الجمهوري "الزاهر!" وهي برقية لا سلكية مؤرخة في 30/1/1961 موجهة من أمن البصرة إلى أمن الناصرية والعمارة بهذا القرار الصادم:
"قرر سيادة الحاكم العسكري العام تليفونياً القبض على المدعو بدر شاكر السيّاب رئيس ملاحظي مديرية "كذا" التجارة العامة سابقا، وقد علمنا أنه قادره "غادر!" بغداد قبل مدة عشرة أيام متوجهاً إلى البصرة للاشتغال بالميناء، يرجى تنفيذ القرار وإرساله إلينا مخفورا"، وتم تأكيدها ببرقية لاحقة، بُعث بها بعد يوم واحد وأضيفت إلى نهايتها هذه الجملة: "للتحري عنه ضمن منطقتكم والقبض عليه وإعلامنا"، وبعد أن قدّم السيّاب أوراقه إلى مصلحة الموانىء العراقية في البصرة وعُيّن بوظيفة رئيس ملاحظين بدائرة النقليات، ألقت القبض علىه شرطة مصلحة الموانىء بعد أن وردها كتاب معنوّن بـ: "حجز الشخص المدعو بدر شاكر السيّاب" مؤرخ في 14/2/1961 وجاء فيه: "قرر سيادة الحاكم العسكري·· القبض على المدعو بدر شاكر السيّاب وحجزه في معتقل القوة السيّارة خلق السدة الشرقية وذلك بناءً على مقتضيات المصلحة العامة ولمتطلبات الأمن·· نرجو إجراء التحريات الشديدة عنه وإلقاء القبض علىه وإرساله إلينا مخفوراً لإرساله إلى مديرية شرطة لواء بغداد"·
وفي وثيقة لمديرية أمن منطقة البصرة/القلم السري مرقمة بالعدد 1583 وبتاريخ 19/2/1961 نعرف أنه تم إلقاء القبض على الشاعر الطريد إذ جاء فيها: "يرجى الكفّ عن التحري وراء المحجوز المدعو بدر شاكر السيّاب بالنظر لإلقاء القبض عليه"·
وفي كتاب آخر سري ومستعجل صادر من مديرية شرطة مصلحة الموانىء العراقية العدد 1019 في 15/2/1961 نقرأ: "تم القبض على المحجوز المدعو بدر شاكر السيّاب وعليه نرسله إليكم صحبة كتابنا هذا يرجى إعلامنا بالوصول··"·
دعوني أسافر!
وثمة مخاطبات في وثائق لاحقة بين دائرة أمن البصرة ومديرية الأمن العامة في بغداد تداولتا فيها الرأي حول طلب الشاعر الموافقة على سفره إلى إيطاليا لحضور مؤتمر الأدب العربي المعاصر المقام هناك، ومخاطبات أخرى تتعلق بطلب الموافقة على سفره إلى لبنان لطبع أحد دواوينه، والملاحظ هنا أن هذه الوثائق مثبت فيها أن ولادة السياب كانت في عام 1927 خلافا للسائد في مراجع دراسته، على أن هذا التاريخ لم يأت بشيء جديد، فالتاريخ الدقيق لولادة السياب سيظل مجهولا، لأنه ببساطة غير مدّون·
وهناك وثيقة غريبة مؤخرة كتبها "أحدهم" بلغة ركيكة تحت عنوان "نشأته" جاء فيها: "ولد المدعو في لواء البصرة قرية جاكور "كذا" سنة 1927 من أبوين عراقيين، أدخل المدرسة الابتدائية باب سليمان والمحمودية في أبي الخصيب وثم "كذا" المتوسطة والثانوية في ثانوية العشار للبنين ثم دخل دار المعلمين العالية وتخرج عام 1948 وعيّن مدرس "كذا" في لواء الرمادي وفصل من التعليم لأنه شيوعي "كذا" وثم يعيد "كذا" بعد الثورة المباركة إلى الوظيفة، وفصل بعد تمرد الشوّاف لأنه نبذ الشيوعية ثم اعترض على فصله فتقرر إلغاء الفصل وأعيد إلى وظيفته في مديرية·· والتصوير العامة ثم استقال لغرض التعين "كذا" في مديرية الموانىء العامة"·
ويلاحظ فيها أنه فصل من عمله مرة لكونه شيوعياً وأخرى لأنه نبذ الشيوعية! لتكتيكات سياسية أدركها الشاعر، ويبدو أنه اعترض على تهافتنا عارفا أن هدفها مضايقته ومحاربته في رزقه لخنق الصوت المتفجر في روحه·
وهناك وثيقة أخرى مؤرخة في 22/11/1962 فيها إشارة إلى طلب السياب السماح له بالسفر خار العراق لغرض إكمال دراسته على نفقة وزارة المالية، وحددتْ وثيقة أخرى، مؤرخة في 24/11/1962 صادرة عن مديرية أمن منطقة البصرة/القلم السري، جهة السفر وهي المملكة المتحدة ولبنان لغرض إكمال دراسته على نفقة وزارة المواصلات هذه المرة·
يُعرض أمامي!
وبعد انقلاب 8 شباط/فبراير 1963 انتقل السيّاب إلى مرحلة جديدة من المعاناة فقد تقرر فصله من عمله لمدة ثلاث سنوات، لم يقدّر له أن يعيش إلا أقل من نصفها، بقرار مؤرخ في 3/4/1963 وقّعه وزير المواصلات "المقدم الركن!" عبدالستار عبداللطيف، وكان اسم السيّاب، الذي كان يتقاضى راتباً مقداره 54 دينارا، الاسم الأول في قائمة تضم أيضا 67 موظفا·
لكن تبقى أكثر فصول هذه الوثائق إيلاماً وقسوة تلك المكتوبة في الأيام الأخيرة التي قضاها السيّاب في العراق قبل مغادرته إلى الأبد، وقد طلب السيّاب الذي توطن مرض السل في كل خلايا جسده النحيل أن يُسمح له بالسفر خارج البلاد للمعالجة، ونقرأ تهميشاً في أسفل وثيقة كتب فيها رجل أمن بتاريخ 16/5/1964: "حيث إنه مصاب بشلل وحالته خطيرة تتطلب العلاج خارج العراق··" وفوقها كان قد كتب "رجل!" الأمن نفسه بحروف بارزة هذه العبارة: "يحضر أمامي"!! وآخر وثيقة في الملف "قبل وفاة السياب" كانت صادرة بالعدد 6865 وبتاريخ 27/5/1964 عن مديرية أمن منطقة البصرة، وهي تتضمن الإشارة إلى أن مدير الأمن العام قد وافق أخيرا على سفر الشاعر إلى خارج العراق للمعالجة، وكان هذا آخر عهد للسيّاب بوطنه قبل أن يعود إليه جثة هامدة، فيدفن في البصرة بمقبرة الحسن البصري بعد رحلة علاج لم يقيّض لها النجاح في لندن وباريس والكويت، حيث لفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى الأميري بالكويت العاصمة يوم 24/12/1664 لتخسر الثقافة العربية واحدا من أبرز شعرائها في القرن العشرين·
الملف لم يُقفل!
ولكن لم يُقفل ملف السيّاب بموته، لأن دوائر الأمن عندما تتسلم الإنسان من لحظة ولادته ولا تتركه حتى بعد وفاته، فقد كانت آخر ورقتين في الملف من حصة مديرية الأمن العامة في المعهد البعثي "الثاني والأخير" إذا أرسلت مديرية أمن البصرة أوراق هذا الملف إلى مديرية الأمن العامة بكتاب مرقم بالعدد 10369 ومؤرخ في 18/3/1979 بناء على طلب الأخير ولأهداف غير معروفة، وبعد ثلاثة أشهر أعيد الملف إلى أمن البصرة بكتاب مرقم بالعدد 90660 ومؤرخ في 19/6/1979 وكلا هذين الكتابين أشير فيهما إلى السياب بالقول: الشاعر المتوفى بدر شاكر السياب!
ü كاتب وباحث عراقي
