رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 21 محرم 1426هـ - 2 مارس 2005
العدد 1667

نظرة الروائي كرم ملحم للموت و الحب والوطن

بقلم متري سليم بولس:

لكل روائي مبدع نظرة إلى الكون والحياة والمجتمع، نظرة يُعبّر عنها مباشرةً بواسطة مُداخلات تُبدي آراءه وعقيدته، أو بطريقة غير مباشرة إذ ينسُبها إلى شخصيات يُحمّلها وجهات نظرة، أو يَبثُّها في عبرة عامة تنجم عن القصة إجمالا·

وفي سعي إلى تلمُّس عقيدة كرم ملحم كرم من خلال بعض رواياته وأقاصيصه، أبدأ بباكورته "صرخة الألم" وقد أصدرَها في عام 1936، وذكر في التمهيد لها أنه عاش بنفسه أحداثها، قال: "هذه قصة تنبض كل كلمة فيها بالحقيقة·· وكل ما سمعتْ أذني ورأتْ عيني خطّ قلمي فما زدتُ على ما اتّفق لي حرفاً·· حسبي أن أكون استطعتُ التأريخ في مأساةٍ شاء القدرُ أن أكون أحدَ أبطالها··" (صرخة الألم، ص 5)·

طبعاً، ليس لنا أن نعتبر "صرخة الألم" سيرةً ذاتية، في رواية، أي عمل فني، تقوم على تجربة شخصية، ما يُتيح لنا أن نُقرّب شخصية البطل في شخصية المؤلف، ونعزو آراء الأول إلى الثاني·

وثمة رأي في "صرخة الألم" يُدلي به البطل المؤلف، ويتضمن نظرتَه إلى الأرض· إنها، وفق رأيه أمّ ومقبرة، أمّ تحضن الحياة ومقبرة تواريها، قال: "الأرض حية رقطاء، وأمّ حنون·· الأرض تُحيي ثم تُميت، لا يوشك المرءُ أن يدرج على سطْح هذه المتصدّقة البغيّ حتى تزل به القدمُ ويتدحرج إلى الرمْس والويل لمن تزل به القدم فالأرض فاتحة لابتلاعه شدقيها··" (صرخة الألم، ص 68)·

وهذا الرأي، وإنْ تعلّق بالأرض، هو في شمول دلالته موقف من الحياة والموت، ونلحظُ أن المؤلف يشدّد على ظاهرة الموت كخاتمة تقضي على حياة الإنسان·

إلا أن غلبة الموت على الحياة لم تَنته بالمؤلف إلى القول بالعبثية والاستسلام فقد جدّ يَبحثْ عن الطريقة الفضلى لمقارعة الموت، فإذا كان الموت قضاء على الحياة فإنّ موازنتَه لا تتمّ إلا بالخلود، قال: "·· أشعار هوميروس وفرجين والمتنبي ودانتيه وشكسبير وفكتور هوغو متينة دعائمها كدعائم الأرض، ولكن هذه الأرض أودتْ بهوميروس وفرجين والمتنبي ودانتيه وشكسبير وفيكتور هوغو وإنْ تكن عجزت عن آثارهم···" (صرخة الألم، ص 68 -69)·

إذا، إن الانتصار على إفناء الأرض لا بنائها لا يتحقق إلاّ بأعمال جليلة تؤمّن الخلود، ومن هذه الأعمال ما ينجزه القلمُ، قال:"·· هذه الأرض لا يسقيها المرارة غيرُ الخلود· فكل ما هو خالد يعضّ قلبَها·· فقد كوى مهجتها القلمُ يوم تعرّف به الإنسانُ إلى الكتابة·· فالكتابة من رموز الخلود··" (صرخة الألم، ص 69)·

وبذلك لا تعود الكتابةُ مجرّد تأليف رواية أو أقصوصة أو مقالة، أو إصدار مجلة على أهمية هذه الأعمال، فهي في عُمْقها وهدفها صراع ضدّ الفناء لإثبات الذات وتحقيق الخلود، وفي هذا ما يُفسّر انكباب كرم ملحم كرم على الكتابة ليل نهار· كان الرجلُ يقارعُ الموتَ ويسعى إلى خلوده·

 واجه كرم ملحم كرم الموتَ والفناء بخلود القلم، وعاش في الحياة تجربة الحب والحب أنواع، فأي منها هو الغالب على نظرته إلى علاقة الرجل والمرأة في رواياته وأقاصيصه؟ إنه الحبُّ - الولَع، الحبُّ الذي يُسيطر على كيان المحبّ، ويستحوذ على جميع قواه قلبا وجسدا، فكرا وخيالا وروحا، هو الجوهر المحْيي، كنهُ الحياة، لبّها، ومطلقُها، قال مبدياً رأيه في الحب: "··كل عاطفة باردة مصيرها الموت كل حب فاتر نصيبُه الذكريات والاضمحلال فالعاطفة إنْ لم تكن متّقدة فلا تُرضي النفسُ ولا تهزّ القلبَ·· الحب إن لم يظطرم كالنار ليس حبا صادقا، إنْ لم تبطّنْهُ الغيرةُ فمن المحال أن يدوم··" (صرخة الألم، ص 82 - 83)·

وهذا الحب ذو سلطان، بل هو السلطان، على المحبين، حتى على الجبّارين والعتاة منهم، وإيمان المؤلف بسطوة الحب على المحبين حملهُ على العودة إلى تاريخ العرب ينْهبُ منه ما يوافق نظرته إلى الحب، قال في "بنى ذات الطيوب": "·· الحب حُكْم لا مردّ له· فيستأسد ويتنمّر ويأبى إلاّ أن يفرض بنوده كالمشيئة الغلاّبة لا تقرّ بهوادة وترتضي في رغائبها عُدولا أو تعديلا" (بنى ذات الطيوب، ص 104)·

وفي روايته "أمّ البنين" يصف سيطرة الحب على الخليفة البطّاش الوليد بن عبدالملك بقوله: "··الكلمة كلمتُه في الأرواح والأموال·· ولم يكن بالمتقاعد عن الاستئثار بالأرواح، وسيفه لا يستقر في غمده، ولا نصْلتُه تجف، وهي السابحة أبدا في صهاريج مترعة بالدماء والأشلاء، إلاّ أن هذا الجبّير القاسي الجَأش، لم يعدم غلالة من لين·· استولت عليها أمّ البنينْ·· حتى بات لديها سهل المقادة، مسلوب العزمة·· فهي وحدها ذاتُ نهيٍ عليه··" (أمّ البنين، ص 313)·

وهذا الحب مصدرُ سعادةٍِ لأنه ينطلق من عَمْق أعماق الإنسان، ويُحقق ذاته وتوق الحياة فيه إلى الحياة، ولكنه النار المحرقة وليس برداً على المحبين وسلاما، قال في ذلك: "·· الحب مع حلاوته لا يخلو من مرارة تطغى عليه ولا تُبقي من أطايبه غيرَ النزر الطفيف، الحب مع أناشيده العذبة لا يترنمّ مبتهجا فرحا غير ساعات قلائل، على حين تنقضي معظمُ أيامه على حسرة وخيبة وامتعاض··" (صرخة الألم، ص 86)·

وآلام الحب ملازمة للحب - الولَع في رأي المؤلف، فالوساوس ترافقه، والغيرة تواكبه، والتوتر يسمه، والسعي إلى امتلاك المحبوب يُرهقُه، ومصارعة الزمان القلّب، ومغالبة المكان المناوىء، ومجابهة الأقربين والأبعدين والمجتمع وتقاليده، هذه كلّها تضنيه وتشقيه وتكاد تطيحه، بل يكاد هو يُحطّم ذاته بذاته، قال: "·· ليس للحب الدفين، حين يستيقظ، علالة من تؤدة فيثور كأنه، يبرح في نشأته، وأنه يبلغ من السّورة ما يجنح به إلى التحطيم، والتهديم والحُمق، وإذا عجزَ عند فك قيده، وإدراك وطره، ارتدّ إلى نفسه يقوّض مناعتها··" (بنى ذات الطيوب، ص 257)·

وهذا الحب الفاجع هو الذي وصفه كرم ملحم كرم في رواياته التاريخية وحتى في أقاصيصه اللبنانية، فحبّ روضة لوضّاح في رواية "أم البنين" وحبّ مؤمنة لعبدالرحمن في "صقْر قريش"، وأرينب لعبد الله في "دمعة يزيد" ونس شاه للجزّار في "قهقهة الجزار"، وكريمة وفريد في "أشباح القرية" هو من الحب - الولع الحافل بالمآسي، والمُعبّر عن سعادة مأزومة مآلُها الموت في كثير من الأحيان·

قضية ثالثة تتناول نظرةَ كرم ملحم كرم إلى التاريخ العربي والإسلام واللبناني أن نظرة المؤلّف إلى العَرب هي نظرة إكبار خصوصا ما يتعلّق منها ببعض الشمائل العربية كإكرام الضيف، وحماية المُستجير، وصَوْن الكرامة والشرف، إلاّ أننا نلحظ في روايته "صقْر قريش" نفورا من سَفْك الدماء بطشاً وظلماً وثأراً، كما نتبيّن في روايته "دمعة يزيد" امتعاضا من معاوية وابنه يزيد وابنته صفيّة بسبب عنفهم وريائهم، قال: "معاوية ويزيد وصفيّة، مثلث الدهاء ؟؟··" (دمعة يزيد، ص 153)·

وموقفه من الإسلام قائم على الإجلال وإبراز ما في الدين الإسلامي من فضائل، قال: "·· الإسلام بدّد من انتفاخ الفطرة، وفظاظة الغريزة، وأقام للسيطرة حدا، وللقوة الرعناء أمدا ذهبَ بالدعوى الجوفاء، أقرّ بحق الضعيف، فالتقوى والإيمان هما سلاح الدين الجديد، لا الرمح والسيف، وحَسب، وقد محا الدين الغطرسة، ومزّق غشاوة الجهالة"·

(بنى ذات الطيوب، ص 109)·

وبالنسبة إلى لبنان نلحظ أنّ في رؤية المؤلف اعتزازا بلبنان وإشادة بأبنائه الطامحين إلى الحرية والكرامة والاستقلال والكاتب يعتز بالجَبل اللبناني، ولكنه يتصدّى بما يشوّه تقاليدَه في عيوب، ويعرّف المدينة بأنها موطنُ خير وشر، وأن الجانح إلى الشر يلقى فيها هلاكه· إن المؤلف مُصلح وصاحب التزام، والتزامُه هو من النوع البصير لا من النوع المتعافي العيوب جهلا أو قصدا·

وموقفه الوطني قائم على الرّحابة الدينية، فالقارىء لا يشتمّ من رؤيته أي نزوع إلى الطائفية· قال يصف علاقة سعاد المسيحية وشادية المسلمة في مجموعته "أطياف من لبنان": "·· توقفت المودات وترددت سعاد·· إلى شادية·· وتناسى الجميع أن ثمة دينا فاصلا بل هم لم يجدوا في الدين غيرَ دعوة إلى السماح والتعافي··" (ص 167)·

وأقتبسُ من حوار بين سعاد وشادية: "قالت سعاد·· ما رأيك في النصرانية، وأنت تدينين بالإسلام؟ فنطقت بالآية الرؤوم: ولتجدن أقربهم مودة إلى الذين آمنوا الذين قالوا إن نصارى" "وأذاعت متحمّسة: "الله للجميع والأنبياء ألسنةُ الله ينطقون بآيات ويهدون الناس سبل الرشاد" (ص 169)·

وتطرق المؤلف إلى الشأن الديني، واصفا إياه في مزرعة الشوف، وهو منها، قال: "·· والمزرعة غير أنها لم تكن ذات لونين في الدين، فالنصارى والدروز على مودّة··" (ص 311)·

وإن مانزل بلبنان من إحن ومذابح طائفية سببُه الغرباء الذين تحكموا في لبنان وفي طليعتهم الأتراك، قال يصف مجازر 1860: وإذا لبنان يعتكر جوّه·· فالشقاق ثار فيهم، وعَرَفوا أنهم دروز ونصارى، وكانوا يجهلون انطباعهم على فواصل الدين، ولم يكن من مصلحة الدول أن يسعد لبنان بوحدة بنيه·· وغاصت الخناجر في الحناجر··" (ص 221 - 222)·

وعداء المؤلف لتركيا العثمانية سببه عداؤها للبنان والعرب، فهي دولة دخيلة عنصرية يهمّها الأتراك، وتُبيح دماء اللبنانيين والعرب للسفاكين والعُتاة الظالمين أمثال الجزار، قال في "قهقهة الجزار": "··لاحساب في الأرواح في البلدان الناطقة باللسان العربي·· فالأهلون عرب لا أتراك،و ومعظمهم حاقدون على الخليفة التركي·· فإذا أطاحتْهم الأسنةُ·· فلن تكون استانبول إلا راضية··" (قهقهة الجزار، ص 198)·

من الموت إلى الخلود المُستمد من مَجْد القلم، إلى جوهر الحياة القائم على الحب، إلى الوطن مَوْئلِ الحرية والعدْل والإنصاف، ينطلق أدبُ كرم ملحم كرم زادا للفكر، وركنا للحق، وعالما من عوالم الإبداع·

طباعة  

صفحات مجهولة من حياة بدر شاكر السياب تحفظها من دون قصد تقارير المخبرين ودوائر الأمن
غريب على.. أبواب الأمن العام!

 
أصداء