حاسبوا هؤلاء..!
د. نادر القنّة
أخفق "علي العرادة" في أول تجربة إخراجية له في تقديم عرض مسرحي تتحقق فيه الحدود الدنيا من شروط النقد الانطباعي، وإمكانات الفُرجة الفنية والجمالية·· فصار هو وعرضه درسا نموذجيا "للفُرجة ما بعد الفُرجة"، ولأن الضحيّة بلا أجنحة وبلا سند فقد بالغ البعض في نقده حينما حمّله ما لا يمكن تحمله، وكأنه المسؤول الوحيد - هنا - عن انهيار الحالة الثقافية، وعتمة المشهد المسرحي في البلاد·
بداية، أنا لا أدافع عن عرض مسرحي تنقصه أبجديات الصناعة وفنون الحرفة، ولا أبرىء "العرادة" من تحمل جانب من مسؤولياته الثقافية والفنية بوصفه مشتغلاً بحقل لا يقبل الهرطقات والخزعبلات، وإطلاق المزاجيات· ولكن قبل أن نحاسبه، ونهدده بألسنة النقد، وعبارات التجريح، والأحكام الجاهزة المعلبة، ونحمله ما لا يمكن تحمله· علينا أنْ نحاسب - أولا - وثانيا·· وعاشرا - صُنّاع الحالة التي سمحت بوجود مثل هذا العرض وغيره في ملتقى مسرحي يرفع شعار الإبداع، ويلوّح به نظريا من دون تطبيق·
إذن، المعادلة مقلوبة، فالملتقى في أساسه يفتقر إلى وجود ضوابط اشتراطية ومرجعيات واضحة للمشاركة تحدد الأشياء، وتسميها بأسمائها·
من هنا، علينا أن نحاسب "واضعي" الآلية التي يتبناها المهرجان في التعامل مع العروض المشاركة، وهي آلية أقل ما يمكن أن يقال عنها: إنها "مشاع" من دون ضوابط أو تحديد· تبحث عن "كم" من غير اهتمام "بالكيفية"، أو النوعية· علينا أن نحاسب العقلية التي تدير المهرجان وفق نظرية "المزاجية"، والتي عجزت خلال عامين من عمرها عن صياغة "هوية" واضحة لماهية المهرجان·
هل من المنطق في شيء أن نحاسب "العرادة" بمقاييس نقدية معينة، والمهرجان ذاته يفتقد إلى ذات المقاييس والاشتراطات والمرجعيات ذاتها؟ فمن باب أولى أن نحاسب هؤلاء قبل أن نحاسبه، فهم الذين فتحوا له باب المشاركة، واعتمدوا استمارته، وأجازوا نصه، وهيؤوا له مسرحا للاشتغال عليه، وأدرجوا اسمه ضمن جدول المهرجان، وأخضعوا عرضه للتحكيم، وهم الذين عقدوا له مؤتمرا صحافيا ليطلق وجهة نظره·· فبعد كل ذلك نترك هؤلاء - جميعا - ونحاسب مخرجا شابا لا يزال يتعثر في خطواته الأولى· إنها حقا مفارقة تحمل في داخلها قدرا كبيرا من السخرية المرة·
"علي العرادة" على إخفاقه بريء من القذف النقدي المتعمد، وبريء من كل التطاول على قدراته الفنية، وبريء من كل التهم المسندة إليه والتي تجاوزت الشفافية والموضوعية النقدية، ولكن هذه هي طبيعة الأشياء، فالنقد الانطباعي اللاذع يصب جام غضبه على البسطاء، والصغار، والمبتدئين، ويدير ظهره - عن عمد - للكبار لأنه لا يقوى على مواجهتهم بالحقائق·· ومن يدعي القدرة على المواجهة، عليه أن يحاسب المسؤول الحقيقي عن الإخفاقات من غير لف أو دوران، وأن يسمي الأشياء بأسمائها·
fonon@taleea.com