
· الكويتيون مسلمون والخلاف على الدنيا وليس على الدين·· و"التجمعات" أرى فيها "السياسي" أكثر من "الديني"
· تضخيم ما يسمى بـ "العصر الذهبي" للمسلمين أوقعنا في مشاكل
· بداية خطأ الدولة في مواجهة قوى التزمت التنازل لمطالبها
· الدولة فقدت أجندتها للإصلاح.. وما نراه رأس جبل الثلج
· مرجعنا مجلس الأمة والدستور.. ولا نحتاج الى فتاوى دينية في أمور الدنيا
· الإرهاب فكر لا علاقة له بالديمقراطية أو غنى المجتمعات
أجرى الحوار: مظفر عبدالله
تنشر "الطليعة" سلسلة من اللقاءات مع نخبة من القيادات الفكرية والعلمية لتسليط الضوء على بعض الجوانب الغائبة في تفسير ظهور السلوك الإرهابي ومظاهر الكراهية التي بدأت تنتشر بشكل كبير داخل مجتمعنا، وبعيدا عما تقدمه الأجهزة الرسمية من حلول جزئية ولحظية لتطمين المجتمع بأن ما يحدث ليس بظاهرة، وكذلك بعض الكتل والتجمعات السياسية التي جعلت من انتشار هذه الظاهرة فرصة لتصفية حسابات سياسية أو محاولة لإبعاد التهم عن بعضها·· بعيدا عن كل ذلك نقدم للقارئ هذه اللقاءات التي قد تفتح لنا جميعا آفاقا جديدة للحل·
في هذه الحلقة، نستضيف المفكر الكويتي د· محمد الرميحي أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكويت، أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب السابق، ورئيس تحرير مجلة "حوار العرب" الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي، وهي مجلة وليدة وحديثة الصدور، وهو كاتب في عدد من الصحف العربية وفيما يلي نص الحوار معه:
منابع التطرف
"الطليعة": ظاهرة الإرهاب والتطرف تكون قرينة عادة بالمجتمعات التي تتسم بالكبت السياسي وفقر شرائح واسعة من المجتمع، إلا أن هاتين الظاهرتين ليستا من سمات الوضع الكويتي فكيف تفسرون الحوادث الأخيرة على ضوء ما سبق؟
- المؤسف أنك إذا انطلقت من التحليل الخطأ تصل الى النتيجة الخاطئة، وأنا من أوائل الناس الذين كتبوا بأن القضية ليست قضية فقر أو مشاركة، وقد تستغرب أن أحد أساتذة الاجتماع في أمريكا قرأ مقالا لي حول هذه النظرة وكتب لي رسالة وقال بأنه يعتقد الرأي نفسه، هذا من الناحية الشخصية، أما من الناحية العلمية فإن الناس في حقيقة الأمر لا تثور تحت الضغط الأمني الشديد وإنما تستمر في البقاء على حالها، وهذا النوع من الأعمال لا يتم في طبقة فقيرة، قد يكون الجنود من الطبقة الفقيرة، لكن التخطيط والفهم يكون من جانب جماعات لديها وعي ما - قد يكون مشوها - بما يحيط بها، وأي شخص لديه وعي ما فهو ليس بشخص جاهل، وليس فقيرا لأن لديه الوقت وأدوات البحث ما يجعله يفهم ما يدور حوله·
الإرهاب يبدأ أولا، فكريا، وما نراه الآن هو رأس جبل الثلج، إنما الجبل مغطى تحت الماء وهو مجموعة الأفكار والسلوك والتصورات لدى جماعات واسعة لأن هناك خطأ ما كبيرا جدا في المجتمع، وهذا الخطأ في نظرهم يمكن أن يصلح بطريقة ما يريدونها·
الآن هناك أناس تعتقد أن الخطأ يمكن إصلاحه بالعودة الى ما يسمى بالأصول الإسلامية الدينية، فكيف نبع هذا النوع من التفكير؟ الحقيقة نحن جميعا مساهمون فيه، لأنه في مدارسنا بدءا من الكويت وحتى المغرب نقول لطلابنا ولسنوات كثيرة بأن هناك عصرا ذهبي للمسلمين وللعودة الى هذا العصر يجب أن نعود الى الأصول الفكرية والسلوكيات والمفاهيم التي كانت في ذلك الوقت، هذا الخطأ الفكري الضخم يقع فيه الجميع إلا من رحم ربي· والحقيقة أننا لم نقرأ تاريخنا قراءة صحيحة، وإذا قلت لي اليوم أين منهجيتنا، فلأننا نقول لطلابنا منذ الصغر أن هناك طريقا واحدا للتفكير، طريقا يأتي من الدولة أو المدرسة يأتي الى الطالب وبالتالي فلم نعوّد طلابنا على التفكير مرتين·
ثانيا نحن قمنا بتنقية كل الأفكار التي فيها حياة بشرية من عصر الخلفاء الراشدين الى يومنا هذا، نقيناها من كل السلبيات، وكذا فترة العباسيين والأمويين وبدأنا نضخ هذا الكلام من خلال التلفزيون والصحافة الى درجة أننا هيأنا القاعدة الواسعة لأن يخرج شبابنا ويبحثوا بالواقع المعاش، والواقع ليس بالضرورة أن يكون محليا بل قد يكون إقليميا (العراق، فلسطين) ويحاول هذا القطاع من الشباب أن يتمثل ذلك الماضي ويسقطه على الواقع الحالي، وهذه الفكرة غذاها في العصر الحديث شخصان أساسيان هما أبو الأعلى المودودي وسيد قطب· فالأول عاش ظروفا في الهند كان فيها مسلمون وغير مسلمين، وكان بينهم صراع - وهذا في الأربعينات من القرن المنصرم - حول ما سمي بالدولة الإسلامية في الباكستان، فبدأ يتحدث عن المجتمع الجاهلي أما سيد قطب فنتيجة لظروفه وخاصة في الفترة الأخيرة منها والمتعلقة بالسجن وظروف الإخوان المسلمين أيضا توجه الى هذا الفكر، لكن هذا وفكرة الإخوان المسلمين التي اعتبرها الفكرة الأم في هذا التيار الواسع (وحتى تيار الخميني فالدراسات الحديثة تقول إنه تأثر بفكر الإخوان المسلمين عن طريق الشيعة القادمين من جنوب لبنان الى النجف)، أنها تفصل المجتمع وتقول إن هناك فريق مسلمين وآخرين كفرة، "الإخوان المسلمين" في أثناء صراعهم مع الملك فاروق أيضا قاموا ببناء الجناح العسكري والذي استفاد منه جمال عبدالناصر في فترة من الفترات من خلال التحالف الذي تم بين حركة الضباط وحركة الإخوان المسلمين واستفاد الطرف الأول في التعبئة والحشد والتمويل وجلب الأسلحة من الطرف الثاني، وهذا معروف، وعندما تحلل العناصر التي كانت تشكل مجلس قيادة الثورة سوف تجد أن كثيرا من عناصره كانوا في وقت ما "إخوان مسلمين" بشكل أو بآخر·
فإذن الإشكالية أن الناس تبحث عن مخرج وتعتقد أن هذا المخرج هو في العودة الى تلك العصور الذهبية·
وعندما جئنا الى فترة حدة الصراع بعد حرب فيتنام وهزيمة الولايات المتحدة كانت الأخيرة تريد أن ترد الصفعة وجاءتها الفرصة من خلال الاحتلال السوفييتي لأفغانستان فقامت بتهيئة ما يسمونه بـ (المؤمنين) مسلمين ومسيحيين ضد (الكفرة)، وهناك كتاب مشبع بهذه الأفكار مؤلفه (آلن كلارك) وعنوانه (ضد كل الأعداء)، يشرح كيف قامت أمريكا بعمل تصور واسع لهزيمة السوفييت في أفغانستان واستخدمت في هذا الظرف مجموعة من القوى من بينها القوى الإسلامية التي ذهبت بوعيها البسيط الى تلك الحرب، وكان - حتى في الكويت - هناك حشد كبير مالي وفكري من خلال منابر المساجد وكانت ترسم صورة المجاهدين الأفغان بشكل وردي، بحيث لو اطلعت على الأدبيات المنشورة في مجلات وصحف وغيرها فكانت تقول إن جثث الأفغان لا تتعفن، وأنهم (أي الأفغان) يقولون عبارات معينة تسقط الطائرات! وهي بالطبع تسقط بفعل صواريخ (ستينغر) التي زودتهم بها أمريكا·
وهذه الصورة هي التي جعلت كل هذا الحشد والتنظيم البشري والمالي يأتي من الخليج ومصر، وأمريكا كانت راعية لكل ذلك، بدليل أن الرئيس الأسبق رونالد ريغان استقبل مجموعة من المجاهدين وأجلسهم بجانبه وقال للصحافة إن هؤلاء بعماماتهم ولحاهم الطويلة يذكرونني بالآباء المؤسسين·
جاءت الثورة الإيرانية وأعطت هذا التيار دفعة وأملا بأن يقيم الدولة الإسلامية السنية بعد ذلك جاء التحالف السعودي المصري ممثلا في الظواهري وبن لادن، واستقطبوا بداية في السودان وظن حسن الترابي وقتها أنها ستكون قاعدة للإسلام السني، وعملوا ما يسمى بالجبهة الإسلامية القومية، طبعا السودان كان يستنزف من الداخل ولذا فلم يكن رافدا قويا لعملية المساندة لذلك المشروع، فجئنا الى حادث 11 سبتمبر وهو الحدث الذي أعتقد أنه موجه إلينا قبل أن يكون موجها الى الولايات المتحدة الأمريكية، لأن التصور البسيط الذي كان لدى القائمين على ذلك الحدث هو أنه من كان يقوم بإعاقة برنامجهم لإقامة الدولة الإسلامية هو الولايات المتحدة عن طريق مساندتها لإسرائيل، والثاني هو مساندتها للقوى الحاكمة في المنطقة العربية، وحتى نبدأ بمحاربة هذين الطرفين يجب أن نحارب الرأس·
كلفة الحشد بسيطة
وكل الدراسات تقول بأن عملية الحشد والتنظيم لا تكلف كثيرا، وقد تُفاجأ بأن عملية 11 سبتمبر كلفت حسب دراسات أمريكية نصف مليون دولار، وهو مبلغ زهيد لعمل ما قاموا به، كما أنك إذا وجدت أناسا اقتنعوا بأن موتهم سيؤدي بهم الى الجنة فإنك لا تستطيع بكل قواك الأمنية والعسكرية صد خطرهم، لكنك تستطيع فقط أن تقلل منه·
الحل الأمني.. قصير المدى
إذا الإشكالية الموجودة لدينا اليوم ليست سهلة والحل الأمني هو أسهل الحلول وأسرعها ولكنه ليس الحل على المدى المتوسط والبعيد، لأن أي مجموعة صغيرة في أي مجتمع تستطيع في الحقيقة أن ترهب المجتمع وتقعده عن أعمال كثيرة كالذهاب الى المدارس والأعمال والمستشفيات وتربك الوضع الاقتصادي، وتخلق أجواء تزدهر فيها الإشاعة·
الآن الدراسات الموجودة حول ما يسمى بالإسلام الراديكالي تقول إن هناك مجموعة من الدروس يجب أن يستفاد منها·
الدرس الأول يقول إن مجرد استرضاء الجماعات المتطرفة سوف يجعلهم يتقدمون للضغط، وهذه معادلة أساسية وهذا الاسترضاء يأتي من خلال تقديم تنازلات تكتيكية، فإذا كانت الموسيقى حرام إذا لا داعي لها، وإذا قامت المرأة المنقبة بقيادة السيارة رغم الخطورة الأمنية فلا بأس، وأن تعطل الأسواق في وقت معين فلا بأس، وهكذا تتنازل شيئا فشيئا عما يسمى بحقوق المجتمع المدني، وعندما تعطل هذه الحقوق فالناس تصبح أسيرة لهذا العطل ويجد الناس في ظل هذا الجو قابلية لتقمص الأدوار من خلال إطلاق اللحى وتقصير الثوب من أجل نيل مركز ما أو وظيفة مغرية في بنك أو جمعية تعاونية·
ومجرد أن يوافق المجتمع المدني على هذه التنازلات، وتترك أناسا معينين يقولون بأننا مسلمون والآخرون غير مسلمين فأنت وقعت في الخطأ الأكبر·
نحن نعلم أن مجتمعنا مجتمع مسلم، نعم نحن مختلفون ولكن مختلفون على الدنيا، والاختلاف حولها مباح·
ويمكنك أن تلتقط مؤشرات تراجع المجتمع المدني من خلال كثير من المفاهيم، فمثلا أحد الكتاب سطر مقالا يعارض فيه ما تم من أحداث لكنه طالب بوجوب تطبيق حد الحرابة، وهذا النوع من المفاهيم عندما أتلقاه كمواطن يقلقني لأنك تترك الدستور والقانون الوضعي وترجع الى مفاهيم لم نتفق عليها في المجتمع حتى الآن، فهذا النوع من الكتابات - وهو ربما كتب بحسن نية - هو نتيجة لطبيعة تفكيره، نأتي لمثال آخر، أحد شيوخ الإسلام المعروفين وهو شخصية تظهر كثيرا في التلفزيون ويتحدث كثيرا، عندما صدمت جنوب شرق آسيا بالكارثة الأخيرة وقف على المنبر في دولة خليجية وقال بأن ما حدث من غضب الله، لأن هذه المناطق سياحية ترتكب فيها المعاصي والمنكرات، وربما هو لا يعرف أن هذه المنطقة في الفترة من 1990 وحتى 2000 أصيبت بـ 600 زلزال وبدرجات مختلفة، وهي منطقة تراكم زلازل، فهل كان لديه معرفة بذلك؟ وهل كان يعلم أن من مات هم من الفقراء وجزء منهم مسلمون؟ المثير أن يأتي ذات الرجل ومن خلال قناة فضائية في تلك الدولة لدعم حملة تبرعات لسكان تلك المنطقة، نحن إذا أمام معضلة، وهذا أمر أوعزه الى موضوع الثقافة والذي يأتي عن طريق التعليم العقلاني الذي يناقش الأمور بصفتها، لكن في مجتمعاتنا تجد أن التفكير المغاير هو السائد ونقوم نحن بحسن نية أو من دونها بتقديمه للناس، بمعنى عندما نصر في برامجنا التلفزيونية وصحفنا على أن نقدم ما يسمى بـ (تفسير الأحلام) فهذه مشكلة لأن هذا الأمر حكم عليه العلم منذ نظرية (فرويد) وتقدم كثيرا ولم تعد القصة أن رؤية شيء ما يعني أنك ستجد شيئا آخر مقابله·
إذا نحن أمام نقص في أجندة الدولة، وفي ماذا تريد لهذا المجتمع أن يكون، وعندما تفتقد الدولة التصور العام للمجتمع فستجد نوعا من الفراغ· والقانون الاجتماعي كما هو القانون الطبيعي لا يحب الفراغ، وعندما تتراجع الدولة عن القيادة سوف تجد من يأتي ليقود· اليوم أنت لا تستطيع أن تعيش في معزل فمنطقتنا مهمة جدا في العالم فيها ثلثا احتياط النفط الذي تحتاجه كل من أمريكا واليابان وأوروبا وبالتالي القضية ترتبط باقتصاد عالمي، وترك الأمور على عواهنها وتبسيطها يخل ليس بأمننا بل بأمن الآخرين وهؤلاء ليسوا على استعداد لترك الأمور على علاتها·
كيف ينظر إلينا الغرب؟
الآن كيف ينظر إلينا الغرب بعد 11 سبتمبر؟ هو بحاجة الى موضوعين رئيسيين: الأول تدفق النفط بأسعار دولية لأن الاقتصاد العالمي مبني على هذه السلعة، وبالنفط يريد أن يحقق أمنه هو وهذا هو الموضوع الثاني، وأمن الغرب لا يتحقق في إطار فشل التنمية عندنا نحن، وهذه قناعة توصل إليها الغرب، لأن هذا الفشل يسبب إزعاجا على صعيدين لهم، الأول: التدفق الواسع من الهجرة وخاصة الى أوروبا، وهي هجرة تضغط على المجتمعات الغربية بشكل شديد، وينبع من هذه الهجرة بشكل ما الإرهاب، وهو الازعاج الثاني فالغرب وصل الى قناعة أنه دون اعتدال ووضع برنامج لهذه المنطقة فلا يمكن تحقيق الهدفين الرئيسيين وهما: أسعار معقولة للنفط، والأمن، لهذا السبب يندفع الغرب اليوم بتوجهاته "الإصلاحية"، وهي طويلة المدى وفيها عصا وجزرة· وآخر حديث للرئيس بوش كان واضح المعالم، فالدول التي يريد منها الإصلاحات هي الدول ذات الثقل، وهي بعيدة عن الإصلاحات وهي مصدر قلق في آن·
رد الفعل هو رد الفعل
"الطليعة": ما تقييمك لردود فعل الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني لما حدث مؤخرا من حوادث إرهابية في الكويت؟
- كل ردود الأفعال هي ردود أفعال، وما نحتاجه هو خطة متكاملة تساهم فيها المدرسة والبيت ووسائل الإعلام والقيادات الفكرية الشجاعة، فإذا نظرت الى الكويت ومن خلال الإحصاءات المتوفرة لدينا أصبح المجتمع مجتمع عنف بمعنى التفسير الاجتماعي، نحن نخوض حرب شوارع من خلال قيادة السيارات وهذه ظاهرة تخيف الأجانب كثيرا ربما أكثر من الإرهاب حسب نتائج استبانة نشرت مؤخرا، طبعا يجب أن نتفق أن الذين يقومون بذلك هم قلة، لكن في ظل غياب تطبيق القانون يستمر هذا النوع من السلوكيات، كما أن لدينا إحصاءات تقول بأن تطبيق وتنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم ضعيف، ولدينا أرقام تقول بأن سجوننا فيها نزلاء أكبر من حجم السجن واستيعابه·
لذا أقول بأن الكويت لا ينقصها القانون لكن ينقصها تطبيق القانون·
في الخمسين سنة الماضية تضاعف عدد السكان 22 مرة وهذه الوتيرة لا تجدها في كثير من البلدان، وقسمت الكويت الى مناطق كان المفروض منها أن تقوم بالتساند والتعايش الاجتماعي في الضاحية والعمرية وغيرها، كما أراد المؤسسون الأوائل بمعنى أن تكون هناك مجالس أحياء وجمعيات تعاونية· الجمعيات التعاونية فكرتها جميلة جدا ولكن خربت من الداخل وأصبحت مكان تنافس وسرقات ولا يجرم فيها أحد·
تطبيق القانون يجعل الآخرين يشعرون بالمساواة وهذه قضية مهمة، وثانيا يكون رادعا اجتماعيا واضح المعالم للناس·
مفاتيح الإصلاح
الإشكالية الأخرى الموجودة هي الإشكالية السياسية والمفاتيح الإصلاحية في نظري واضحة، وأولها إصلاح قانون الانتخاب، لأن ما يحدث في الدوائر الصغيرة أنها تنتج أعضاء عينهم على الكرسي، والعضو يقوم بتقديم خدمات لإرضاء الناخبين وبالضغط على قوانين الدولة وتخويف الوزراء، والنائب مشاري العنجري له مقولة مشهورة وهي "النائب أسير الناخب والوزير أسير النائب"، وهذه معادلة واضحة المعالم فإلى متى نستمر في ذلك؟!·
نأتي الى موضوع المرأة، فهي جزء من المجتمع، فهل نقبل لهذه القوى غير المستنيرة أن تضغط علينا لإبعاد المرأة ونتحمل الضرر داخليا وخارجيا؟ نحن أمام مشكلة وبعض حلولها واضح المعالم، ونحتاج الى اتخاذ قرار، نحن لا تنقصنا كفاءات، والبلد فيه وضع اقتصادي مريح لكن هناك بعض المنغصات، وأنا حقيقة لا أقلق ممن يقوم بحمل السلاح لأن هؤلاء خارجون على القانون، لكنني أقلق على الدائرة الأوسع التي تقوم بالحشد والتمويل والتبرير، وأفكار من هذا النوع هي أفكار جاهزة، وكثير من قال منذ سنوات بأن الوضع في الكويت غير مريح، وقبولنا بممارسات فئة صغيرة من الناس تقول إنها مسلمة وأن الآخرين غير مسلمين· المجتمعات المدنية لا تقبل اليوم بأن تنظم أحزاب سياسية من منطلق ديني أو طائفي أو قبلي أو عائلي، وأي تجمع من هذا النوع هو خارج القانون·
خطر الفتوى الدينية
"الطليعة": موضوع الفتوى الدينية له إسهام وتأثير ربما فيما يحدث من تطرف وبث روح الكراهية بين فئات المجتمع، كيف ترون هذه القضية؟
- موضوع الفتوى، كتبت عنه مرات عدة· فالدولة المدنية لا تعتد بالفتوى الدينية، نحن كمجتمع كويتي تراضينا على أن تكون الفتوى من مجلس الأمة والقانون، وهذه هي الفتوى الحديثة·
الفتوى الدينية رأي رجل، وهي عرضة للتناقض طبقا لظروف معينة، لذا فإن القاعدة الرئيسة التي استند عليها الجهاد في مصر وكتبها منتصر الزيات في كتابه الأخير مستندة على نص قصير جدا لشخص عاش قبل قرون عدة في اليمن، فكيف يمكن أن تعتمد على أناس عاشوا في زمن معين وعلى طريقة معينة؟ ثم كيف يمكن أن تعتمد على شخص يسيّر حياتك وهو يفهم في موضوع صغير لكنه لا يفهم في أمور كثيرة؟ ومن المهم أن نقرأ هذه الجزئية في كتاب الزيات الذي يعطينا في التكتيك وصفا كلاسيكيا في "الإرهاب الفكري" الذي يبدأ به كل إرهاب فيقول الزيات في كتابه المهم ما نصه: "استنادا الى تلميح من كتاب (فكر الجهاد للإمام الشوكاني) فإن طريق الدعوة الإسلامية يمر بمراحل عدة: مرحلة الدعوة باللسان والثانية زجر المتلقين بشيء من التخويف والثالثة تكون باليد أي بالعنف، وهذا ما كنا نمارسه بالفعل بفصل الطلبة عن الطالبات وبمنع حفلات الموسيقى والتمثيل والمسرح" (انتهى كلام الزيات)·
في الجزائر اعتقد الرئيس الأسبق أبو مدين أن (الفرنسة) يجب أن تتوازن لأسباب سياسة مع الثقافة الإسلامية فأنشأ جامعة (ابن باديس) الإسلامية وبدأ يأتي بشيوخ كالقرضاوي والغزالي وعلى مدى عشر سنوات كونوا مجموعة صغيرة وهي مجموعة التسعة وبدأت تعمل على قضية الجهاد، وهذا جزء من المأساة التي حدثت بعد ذلك، وأما الجزء الآخر - ويجب أن نكون محقين - فهو المتعلق بالجوانب السياسية والاقتصادية وهو ما أشعل الأمر لاحقا، يضاف الى ذلك أسباب تتعلق بمن عادوا من أفغانستان من الجزائريين، لذا فإن انسحاب الدولة الحديثة من مسؤولياتها في وضع أجندة واقعية للمجتمع تقوم على المساواة وتطبيق القانون وعلى أن المواطنين متساوون، هو أساس المعضلة·
الحوار
"الطليعة": هل ترى أهمية لتقوية جهد يصب في إقامة حوار ما مع هذه الفئة التي تمارس الإرهاب؟
- أعتقد أن الحوار الرئيس يجب أن يتم بين الجماعات السياسية، فيجب عليها أن تتواجد وتتصارح، وعلى التيار الإسلامي أن يجيب عن أسئلة مهمة ومن أهمها: هل يريدون دولة ثيوقراطية للكويت أم دولة حديثة يختفي فيها الظلم؟ وهل الخلاف على الدنيا أم على الدين؟ فنحن كلنا مسلمون·
يجب على القوى السياسية الوطنية أن تقوم بوضع برنامج وطني توضح فيه ما يريدون من هذا البلد، نحن نشتكي مر الشكوى من انخفاض مستوى التعليم، لدينا نفط وقدرات بشرية فإذا أفسدت فيهما فماذا بقي لك·· لا شيء·
أين جهد المفكرين؟
"الطليعة": يوجد الكثيرون من أمثالك من الأساتذة الجامعيين والمفكرين في الكويت، لكن نرى أنكم مغيبون عن ما يحدث في الكثير من الأحداث المحلية المهمة والمفصلية ليس الإرهاب من أهمها·· فأين أنتم؟
- أنا لدي مقالات تنشر في 5 أو 6 صحف مختلفة، وكتبت مؤخرا مقالا في الرأي العام بعنوان (إحنا غير)، ومقالات كثيرة عن الإرهاب في صحيفة الحياة·
"الطليعة": لو طلب منك المشاركة في إدارة حوار علني حول آفة الإرهاب والتطرف في الكويت فهل أنت مستعد للمشاركة فيه؟
- النقطة الأولى: الحوار موضوع مهم جدا، لكن الحوار يدخله البعض على أساس أن يقنعني يوجهه نظره وليس للوصول الى قاعدة مشتركة·
النقطة الثانية: إن النص الديني يخضع لعملية انتقاء، ومن قديم الزمان قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مقولة شهيرة وهي "إن القرآن حمّال أوجه"، ثالثا، إن القرآن مقدس لكن تفسيره غير مقدس، إذاً أنت أمام مجموعة من القضايا التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عندما نريد البدء في عملية الحوار، كما أن تسييس الدين أصبح أكل عيش، فالبعض أصبح تمسكه الظاهري بالدين طريقا للوصول الى مركز كبير·
أنا أعتقد أن مبادرة الدولة في قيادة الحوار مهمة جدا اليوم·