
يعمل المركز الدولي للعدالة الانتقالية على مساعدة البلدان الساعية إلى محاسبة المسؤولين عن الفظائع الجماعية أو انتهاكات حقوق الإنسان· ويعمل المركز في مجتمعات خرجت لتوها من مرحلة الحكم القمعي أو الصراع المسلح، إلى جانب البلدان الأخرى التي لم تُحسم فيها بعد صور الظلم التاريخي والانتهاكات المنهجية.
وإسهاما من المركز الدولي للعدالة الانتقالية في وضع استراتيجيات للعدالة الانتقالية في العراق، أصدر المركز في مايو 2003 ورقة سياسات بعنوان "العدالة الانتقالية في العراق"، تتناول خيارات متنوعة في هذا الصدد، ومنها إقامة الدعاوى القضائية، وإجراءات تحري الحقائق، وعمليات فحص الموظفين· وأكد ذلك التقرير على حاجة العراقيين إلى تحديد سياساتهم بأنفسهم، وأوصى بتشكيل لجنة من الخبراء لإبداء النصح والمشورة بشأن القواعد القانونية والمؤسسية الملائمة لتحقيق العدالة·
ومنذ البداية، أدرك المركز أن التدابير الفعالة للعدالة الانتقالية يجب أن تعكس بصورة دقيقة احتياجات الشعب ومواقفه ومفاهيمه· وفي يوليو وأغسطس 2003، أجرى المركز، بالتعاون مع مركز حقوق الإنسان بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، مقابلات مستفيضة استغرقت ستة أسابيع في العراق مع مواطنين من كافة القطاعات والأصول العرقية والمناطق الجغرافية· واستنادا إلى مقابلات ولقاءات استغرقت مئات الساعات مع الأفراد ومجموعات المناقشة المركزة، أصدر المركز الدولي للعدالة الانتقالية تقرير "أصوات عراقية"، الذي يمثل أول دراسة مستفيضة من نوعها لوجهات نظر العراقيين عن العدالة الانتقالية· وكشف التقرير عن مطالبة قوية بالمحاسبة القضائية عن الانتهاكات التي ارتكبت في ظل النظام السابق· وطالب المشاركون العراقيون بإخضاع هذه العملية للسيطرة العراقية، لكنهم رحبوا بوجود المساعدة الدولية ضمانا لنزاهة المحاكمات وعدم انحيازها· كما كشف البحث عن حاجة ملحة إلى وجود برنامج شامل للتعويضات، وإلى زيادة حجم المعلومات المتاحة عن تجارب البلدان الأخرى في مجال عمليات تحري الحقائق وفحص الموظفين· وقد قدم المركز الدولي للعدالة الانتقالية نتائجه إلى الأمم المتحدة ودوائر صنع السياسات في مائدة مستديرة شاركت في رعايتها الأكاديمية الدولية للسلام في نيويورك·
خيارات العدالة الانتقالية
أنشأ مجلس الحكم العراقي المحكمة العراقية الخاصة في ديسمبر 2003 لمحاكمة الأشخاص المتهمين باقتراف انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في ظل النظام السابق· وتعزيزا لاستقلال المحكمة وضمانا لاتفاق إجراءاتها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، قدم المركز الدولي للعدالة الانتقالية أراءه فيما يتعلق بتشكيلها، وقواعدها الإجرائية، وطريقة مباشرة مهامها· وأعرب المركز بصفة خاصة عن قلقه من اعتماد المحكمة على الولايات المتحدة في التمويل والتدريب وإجراء التحقيقات وإستراتيجية رفع الدعاوى القضائية، ودعا إلى تنويع مصادر توفير المساعدة الدولية لها·
واستنادا إلى الترجمات العربية للبحوث الموسعة التي أجراها المركز عن برامج التعويضات حول العالم، قدم المركز أيضا لواضعي السياسات العراقيين معلومات وتحليلات تساعد على وضع إجراءات التعويض وتنفيذها· وفي وقت إعداد هذا التقرير، كانت المناقشات لا تزال جارية لعقد ورشة عمل بالمركز حول التعويضات، يحضرها فريق العمل الخاص المعين لدراسة هذا الموضوع، ورفع التوصيات بشأنه للحكومة الموقتة التي تولت زمام السلطة في يونيو 2004·
وفي فبراير 2004، أصدر المركز الدولي للعدالة الانتقالية تقريرا للإحاطة بعنوان "نحو إنشاء لجنة للحقيقة في العراق"، خلص فيه إلى ضرورة وضع عملية تحري الحقائق في العراق وتصميمها من خلال التوعية والمشاورة الصارمة التي يشارك فيها الجميع، وإلى ضرورة استقلالها الواضح عن الاعتبارات السياسية الخارجية· وفي أثناء مهمة البعثة التي أوفدت بعد ذلك إلى العراق، شدد المركز على ضرورة عدم تعيين اللجنة من جانب "سلطة الائتلاف الموقتة"·
وقد سعى المركز الدولي للعدالة الانتقالية بوجه عام إلى نشر المعلومات (باللغة العربية في كثير من الأحيان) بين صناع القرار العراقيين بشأن الإجراءات العديدة التي يمكن إتباعها لوضع آليات العدالة الانتقالية، مؤكدا على الحاجة إلى الشفافية ومشاركة كافة الفئات والمشاورة الشاملة· وبالإضافة إلى ذلك، شارك المركز في الدعوة لهذه القضايا، وقدم النصح والمشورة فيما يتعلق بالسياسات إلى أعضاء مجلس الحكم العراقي، والحكومة الموقتة، والوزارات، وإلى قطاعات المجتمع المدني العراقي بما في ذلك أعضاء النقابات المهنية، والمنظمات غير الحكومية، والأحزاب السياسية، وأجهزة الإعلام، وإلى "سلطة الائتلاف الموقتة"، وإلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وهيئات الأمم المتحدة ووكالاتها·