
· إمبراطورية تتوسع.. والمعركة طويلة.. بنصر مختلف!
· المتطرفون إيديولوجية سلفية بتقنية معاصرة
· بدأ بعضهم يسأل: ماذا نفعل هنا؟ وما قضية هذه الحرب؟
· أبي زيد يستخدم التاريخ ويطرح أسئلة على الماضي ليوسع تفكير جنود الإمبراطورية
· البعثيون سيتكيفون مع أمريكا والعالم على المدى الطويل
· استراتيجية لعزل المتطرفين.. وتقريب بقايا النظام السابق
ديفيد أغناطيوس - ديلي ستار - 3 يناير 2005
ربما يقود الجنرال "جون أبي زيد" أكثر القوى العسكرية فعالية في التاريخ فقوات قيادته المركزية تصطف في هلال الشرق الأوسط المثلوم، من مصر إلى باكستان، في استعراض طاغ لقوة الولايات المتحدة الأمريكية، ويتنقل الجنرال في أرجاء هذه المنطقة الواسعة مع أعضاء حكومته المصغرة المكونة من ضابط رفيع المستوى من وزارة الخارجية لمعالجة المسائل الدبلوماسية، وضابط من المخابرات المركزية الأمريكية ليشرف على النشاط الاستخباراتي، وعدد من الجنرالات وقادة الأساطيل للإشراف على العمليات والإمدادات، فإذا كان هنالك من وجود لإمبراطورية أمريكية معاصرة، فإن "أبي زيد" هو جنرالها الميداني·
في الآونة الأخيرة سافرت مع "أبي زيد" خلال زيارته للعراق ومناطق أخرى خاضعة لقيادته، وسمعته طيلة بضعة أيام وهو يناقش استراتيجية ما يدعوها "الحرب الطويلة" من أجل احتواء نزعة التطرف الإسلامي على مسرح عمليات القيادة المركزية المضطرب وتحدثنا عن الجبهة الراهنة في العراق، وعملية التغيير الطويلة في الشرق الأوسط، تلك التي ينظر إليها "أبي زيد" بوصفها التحدي الاستراتيجي الأول والأخير·
في أحد أحاديثه خاطب "أبي زيد" جمهورا من الحاضرين قائلا "إننا نسيطر عسكريا على الجو والبحر والأرض"، وكان بالمصطلحات التقليدية، محقا بلا جدال، فقد امتدت قوات القيادة المركزية من مقر قيادتها الضخمة في القاعدة الأمريكية الجوية الجديدة في قطر في كل اتجاه، فلديها باتجاه الغرب قاعدة الأسطول البحري الأمريكي الخامس في البحرين، وباتجاه الشمال، لديها حاملة الطائرات هاري ترومان ومهمة قواتها تسيير دوريات في الخليج الفارسي، وباتجاه الشرق لديها أكثر من سبعة عشر ألف جندي يعملون على إقرار وضع ما بعد الحرب في أفغانستان وباتجاه الجنوب، لديها ما يقارب الألف جندي يحافظون على تغطية القرن الإفريقي، وإلى الشمال الغربي يقع ميدان المعركة الدموية في العراق، حيث يقاتل ما يقارب 150,000 من جنود "أبي زيد" تمردا عنيدا·
ولكن مع كل هذه القدرة العسكرية الأمريكية، فإن الحرب الطويلة التي بدأت في الشرق الأوسط تفرض بعضا من الأسئلة الاستراتيجية الفظة، مثل، ما هي طبيعة العدو؟ وإذا كانت الولايات المتحدة بالغة القوة فلماذا تواجه مثل هذه الصعوبة في العراق؟ كيف سيبدو النصر، في العراق وفي أمكنة أخرى من العالم الإسلامي؟ وكم من الزمن سيستغرقه النزاع؟
أسبوع فيتنام
لقد بدأت تكاليف الحرب تنعكس على الوطن بالنسبة إلى أمريكا، فقد سلم الرئيس جورج دبليو بوش في 20 ديسمبر بأن متمردي العراق "لديهم تأثير" وأن جهود الولايات المتحدة في تدريب قوى الأمن العراقية لم تمتلك إلا نجاحا "مشوشاً" وفي اليوم التالي على هذا التسليم، أوقع انتحاري فوضى قاتلة في قاعة في الموصل بهجوم واحد من أكثر الهجمات عنفا منذ أن بدأت الحرب قبل 21 شهرا، ثم كان على وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بعد يوم واحد على الهجوم أن يدافع عن نفسه ضد الدعوات المطالبة باستقالته بسبب النكسات في العراق·
لقد كان هذا أسبوعا ركز الانتباه على قضايا حادة وملحة تذكر بحرب فيتنام قبل أكثر من 30 سنة، مثل، لماذا نحن في العراق؟ أي نوع من النزاع تقاتل فيه الولايات المتحدة هناك؟ كيف نفوز في هذا النزاع؟ يقدم أبي زيد "على هذه الأسئلة أجوبة هي أفضل مما سمعته من أي مسؤول في الحكومة الأمريكية، فإضافة إلى كونه القائد العسكري الأعلى في الشرق الأوسط، فهو يمتلك حسا عاطفيا وفكريا تجاه المنطقة فهو ينحدر من أصول عربية، إذ جاء أجداده إلى الولايات المتحدة من لبنان في سبعينات القرن التاسع عشر، وقد تعلّم الحديث بالعربية خلال مهمة له في الأردن قبل 25 سنة·
وشأنه شأن الكثير من أفضل ضباط الجيش الأمريكي، فهو قارىء جيد يحلّل القضايا المعاصرة على أرضية تاريخية·
يعتقد "أبي زيد" أن "الحرب الطويلة" ليست إلا في مراحلها الأولى ويقول بأنه سيصعب قياس النصر، لأن العدو لن يرفع الراية البيضاء ويستسلم في يوم واحد، وبدلا من ذلك سيكون النجاح عملية متدرجة للعالم الإسلامي، والذي سيجد تدريجيا طريقه الخاص للتكيف مع الاقتصاد العالمي والتنظيم السياسي المنفتح ويدفع بأن أعداد أمريكا في هذه "الحرب الطويلة" هم من يدعوهم باسم "السلفيين الجهاديين"، وهذا هو مصطلحه الذي يستخدمه لتعريف الأصوليين الإسلاميين الذين يستخدمون العنف تكتيكا في محاولة لإعادة خلق ما يتصورون أنه كان الحكومة الإسلامية النقية والكاملة في عصر النبي محمد الذي يسمى أحيانا "السلف"· أسامة بن لادن هو أكثر المتطرفين السلفيين شهرة، ولكن "أبي زيد" يحاجج بأن الحركة أوسع وأكثر انتشارا بكثير من "القاعدة" إنها شبكة فضفاضة تتكون من أفراد ذوي اتجاه فكري واحد يستخدمون تقنية القرن الحادي والعشرين لنشر رؤاهم لجنّة من القرن السابع الميلادي·
تشبيهات
إن الدعاة السلفيين يرون أنفسهم جزءا من طليعة رسالتها تثوير المسلمين الآخرين من أجل الإطاحة بزعائمهم، ويشبّه "أبي زيد" هؤلاء بـ "لينين" و"تروتسكي" والزعماء البلاشفة الآخرين·
وخلال اجتماع لخبراء السياسة الخارجية في واشنطن في أكتوبر الماضي، طرح سؤالا يسكن المخيلة: "ماذا كان يمكن أن تفعلوا في العام 1890 لو عرفتم بالخراب الذي يمكن أن تجلبه هذه الطليعة البلشفية؟" وحول نقطة أخرى، حث الحضور على التفكير بالعالم الإسلامي اليوم الذي تضربه موجات العنف، مثل تلك التي ضربت أوروبا في عام 1848 الثوري، وأن ما ينتاب العالم العربي من نوبات الفوضى والإرهاب المشابهة لتلك التي انتابت أوروبا قبل 150 سنة، هو جزء من عملية تغيير اجتماعي، ينهار فيه نظام قديم، ويصارع فيه نظام جديد من أجل أن يولد·
تشبيهات أبي زيد التاريخية تساعدنا كثيرا، لأنها توسع مدى تفكيرنا، فالناس يميلون إلى رؤية المشاكل الراهنة بوصفها فريدة وطاغية، وهو ما يصدق على حالة أمريكا في سنوات المعاناة التي أعقبت 11 سبتمبر 2001، ولكن عبر عدسات منظور تاريخي طويل، فإن المشاكل المعاصرة يمكن رؤيتها بشكل أفضل·
ومن هذا المنظور سيبدو الجهادي السعودي الثري بن لادن شبيها إلى حدما بأمير القرن التاسع عشر الفوضوي "بيتر كروبوتكين" الذي أراد على الطريقة نفسها استخدام العنف الثوري من أجل تطهير ما رأى أنه نظام فاسد، وعلى لوحة التغيير التاريخي الواسعة هذه، نجد أن الأفق الزمني لا يعد بالسنوات بل بالعقود·
صراع آخر
لم يستخرج أبي زيد أي دروس من هذا التاريخ، ولكن بضعة استنتاجات تبدو واضحة: إذا كانت الولايات المتحدة تحارب طليعة إيديولوجية تماثل الطليعة البلشفية التي لن يستسلم زعماؤها أويفاوضوا أبدا، فعليها إذن إما أن تقبض عليهم أو تقتلهم، وهذا يعني نزاعا قذرا ومتطاولا يختبر فيه كل جانب إرادة وقوة الجانب الآخر· هذه ليست من نوع الحروب التي تجيد خوضها النظم الديمقراطية عادة، ولكنك تسمع بين فريق مستشاري "أبي زيد" جملة تتكرر مرة بعد أخرى: "يجب أن يموت الكثير من الأشخاص الرديئين"·
ومع ذلك، ولأن ميدان المعركة هو المجتمع ذاته، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع التفكير بالصراع بمصطلحات عسكرية بحتة، وربما كان أفراد قوات القيادة المركزية (1000 جندي) الذين يحفرون الآبار ويقومون بمهمات إعمار أخرى في القرن الإفريقي، نموذجا للنجاح أفضل من 150,000 جندي يتمترسون في العراق· ولأنها حرب تحول وانتقال، يمكن مقارنتها بالمئة عام الأوروبية من التحديث في القرن التاسع عشر، فإن على الولايات المتحدة أن تكون صبورة في المقام الأول·
ويحاجج "أبي زيد" بأن هذا العدو خطر بخاصة لأنه مزج إيديولوجية، سلفية ذات أصول قديمة بأحدث الأدوات التقنية المعاصرة· يقول "إن للعدو صلات نسيجية فعلية، لم نرها من قبل في جماعات حرب العصابات، إنه يستخدم شبكة الإنترنت ويمرر عبرها التقنيات والتكتيكات والإجراءات والتعليمات"· ويعد "الجهاديين" أذكياء في استخدام وسائط الإعلام العالمية لنشر رسالتهم بين اتباعهم وترهيب المخالفين لهم على حد سواء، وبالفعل فإن وسائط الإعلام هي أفضل أسلحتهم·
خلق الهلع
إن الطليعة السلفية تنشد النصر عبر ما يدعوه "أبي زيد"، "أسلحة التأثير الجماهيري" (هجمات 11 سبتمبر، والهجمات الانتحارية في بغداد، وقطع الرؤوس البشع في الفلوجة) التي تستهدف زعزعة الولايات المتحدة وحلفائها بوساطة وسائط الإعلام· ويجادل "أبي زيد"، "بأن لا شيء نخشاه من هذا العدو، باستثناء قدرته على خلق الهلع، هذا العدو مثل الماء ذلك الذي يتسرب في المسارب غير المحمية، فهو سيمضي إلى المكان الذي يستطيع أن يستخدم فيه سلاح تأثير جماهيري، ويكسب نصرا إعلاميا"·
وفي ضوء أهمية جبهة الوسائط الإعلامية فإن لدى "أبي زيد" خيبة أمل لأن الصحافيين العرب لم يقدموا صورة نقدية أبلغ عن الحياة في أماكن سيطر عليها المتمردون الإسلاميون، مثل الفلوجة، إنه مقتنع بأنه لو استطاع العرب العاديون رؤية قسوة وقمع هؤلاء الجهاديين ذوي الأسلوب الطالباني، فسينبذونهم· وبالفعل، وخلال عدة مواقف خلال رحلتنا، حث "أبي زيد" مستمعيه إلى دفع وسائط الإعلام العربية إلى تقديم تقارير أكثر عن تكتيكات المتمردين الوحشية·
قال أمام قادة أوروبيين وعرب تجمعوا في البحرين لتبادل الحديث عن أمن الخليج الفارسي، "أن هؤلاء أكثر الأعداء الذين شاهدهم خسّةً، فهم يقومون بعملياتهم من المساجد، ويقطعون رؤوس الناس، وقد قتلوا من المسلمين أكثر مما قتلوا من غير المسلمين"·
طبيعة التهديد
"أبي زيد" يعتقد أن على الاستراتيجية الناجحة في العراق، وفي أنحاء العالم الإسلامي، أن تعزل الطليعة السلفية عن المسلمين العاديين الذين يريدون حياة أفضل وأكثر حرية، تلك التي يستطيع أن يوفرها الرخاء والترابط بين أجزاء العالم·
وهذا يعني القضاء على الثغرات بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة، ومنع الإرهابيين من إنشاء قواعد للعمليات على طريقة، بن لادن في أفغانستان· إن درس أفغانستان الواضح، كما يقول، هو أننا لا يمكننا السماح للعدو بإقامة مأوى آمن في أي مكان·
أحد كبار مساعدي "أبي زيد" الجنرال البحري ديفيد نيكولاس، يلخص طبيعة التهديد السلفي ويؤكد قائد الأسطول الخامس هذا، على أن العدو يشن "هجوما ثقافيا لا مجرد هجوم مادي" وبالنسبة إلى قادة العدو، فإن صدام الحضارات هو المبدأ الناظم للحياة، كما يقول إنهم يقولون للمسلمين إنه لا يوجد سوى معسكرين، وإن "التعايش السلمي" غير ممكن·
إن هدف أمريكا وحلفائها كما يقول نيكولاس، يجب أن يكون إقناع المسلم العادي أن الجهاديين على خطأ، الأمر ليس أن "نحن" ضد "هم" بل هنالك عنصر متصل ببعضه البعض سيكسب فيه كل طرف بتدمير وعزل التطرف·
عودة الى البعث
استراتيجية عزل المتطرفين الدينيين هذه احتضنها رئيس وزراء العراق الموقت "إياد علاوي" إلى درجة أنه أقام صلة بالبعثيين الذين كانوا جزءا من نظام صدام حسين، وهم الآن على هامش التمرد·
ويعكس هذا تقييما من قبل علاوي، وهو تقييم وحكم سيشاركه فيه "أبي زيد" بالتأكيد، مفاده بأن البعثيين على المدى الطويل سيتكيفون مع أمريكا والعالم المعاصر، وهو مالن يفعله في المقابل، المتطرفون السلفيون أبدا·
لقد انتهت جولاتي مع "أبي زيد" بتوقف في الموصل، في المعسكر نفسه الذي هاجمه انتحاري في 21 ديسمبر· إن الموصل هي حالة تستحق الدراسة لما تواجهه أمريكا في العراق، وفي "الحرب الطويلة"· فطيلة السنة الماضية خرجت المدينة من كونها نموذجا للاستقرار لتصبح فلوجة جديدة، حيث استخدام المتمردون التكتيكات الإرهابية لإيقاف التعاون مع القوات الأمريكية·
إن معيار النجاح هنا سيكون هو العودة إلى الحياة العادية· يقول "أبي زيد" "لن ينتهي هذا أبدا بشكل كامل، حيث تصحو ذات صباح وتجد العدو قد استسلم، ولكن ذات يوم ستصحو، وتجد مزيدا من الطعام والأمن والاستقرار"·
ذلك هو ما سيكون عليه النصر في حرب أبي زيد الطويلة أيضا، فعلى نطاق العالم الواسع الذي تعمل فيه القيادة المركزية، ستصبح الحياة حديثة بالملموس مترابطة حرة، غير متوترة، عادية ويكون الإحساس بها مثل إحساس بيد لم تعد قبضتها مشدودة، إنها معركة ستفوز فيها الجماهير المسلمة من دون أن تخسر الولايات المتحدة·
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com