
· المنضور الثقافي يرتكز على حقيقة مفادها أن العولمة هي نتاج تفاعل تكنو – اقتصادي
· لا بد من "شراكة عالمية مستقبلية" وتعاون البشرية جمعاء لأن المخاطر التي تواجهنا جمة
دراسة للدكتور علي زيد الزعبي:
تعتبر علاقة العولمة بالثقافة من أهم المواضيع التي زخرت بها، ولا تزال، الأدبيات الاجتماعية المعاصرة، وقد نتج عن تلك الكتابات العديد من الآراء ذات الطابع الاختلافي خاصة في تفسير كل من "العولمة" و"الثقافة" أو في تبيان الإشكاليات التي ستنتج عن علاقة كل منهما بالآخر، لا سيما إشكالية "التوقع الثقافي الكلي" على ثقافة واحدة محددة أو "الإذعان الكلي" للثقافة الاستهلاكية التي تطرحها العولمة· وتأتي أهمية هذا البحث في الكشف عن هذه الآراء والتوجهات من خلال تقديم عرض وصفي-نقدي لا ينتهي إلى تبيان نوعية وطبيعة أدبيات العولمة والثقافة فقط، بل يهدف -أيضا- إلى تقديم بعض من الآراء الذاتية التي تقدم منظورا آخر من شأنه أن يخلق، من خلال الاستفادة من أدوات العولمة، حالة من "التقارب الحضاري" فيما بين الثقافات الإنسانية المتباينة من أجل المساهمة في بناء مجتمع إنساني عالمي قادر على مواجهة التحديات والمخاطر المستقبلية والمتمثلة في زيادة نسبة البطالة، والفقر، والجريمة، وتفاقم المشاكل البيئية المتنوعة، وانتعاش "التوجهات الفكرية الأصولية" في مقابل انحسار أو تهميش بعض من المبادئ الإنسانية كالحرية والديمقراطية·
منذ عشر سنوات، شغلت "علاقة" العولمة بالثقافة أو الثقافة بالعولمة والإشكالية المترتبة على هذه العلاقة بال الكثير من الباحثين، حتى أصبح لهذه الدائرة البحثية حضورها المكثف على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية الرسمية منها وغير الرسمية، وللدرجة التي أصبح فيها من المتعذر على المتابع حصر جميع الأدبيات التي تناولت هذا الموضوع· ويبدو واضحا أن الاهتمام بهذا الموضوع قد فاق في "سخونته" و"إغرائه" جميع المواضيع والقضايا التي شغلت فكر البشرية في المئة عام الأخيرة، لا سيما قضايا "الحداثة" و"ما بعد الحداثة" و"التنمية" و"الديمقراطية" وغيرها· والمدهش في كل ذلك هو أن "مناقشة" العلاقة فيما بين العولمة والثقافة لم تعد محصورة على النخب الفكرية فقط، بل إنها أصبحت حديث الجميع بمن فيهم رجل الشارع العادي·
وعلى الرغم من أهمية ما تطرحه الأدبيات التي تناولت موضوع "العولمة والثقافة"، إلا أن المفارقة التي تلفت انتباه المشتغل في حقل الثقافة الإنسانية، تكمن في أن غالبية هذه الأدبيات قد حصرت جل اهتماماتها في دائرة "استشراف" العلاقة فيما بين "المتغير الاقتصادي" (المعولمُ) و"المتغير الثقافي" (المحلي) دون أن تسعى، وبشكل إيجابي، إلى تقديم منظور موضوعي من شأنه أن ينظم علاقة العولمة بالثقافة أو الثقافة بالعولمة من أجل تجاوز إشكالية "التقوقع الثقافي الكلي" على ثقافة واحدة محددة أو "الإذعان الثقافي الكلي" لـ "أيديولوجية السوق المعولم"، خاصة إذا ما علمنا أن استراتيجية "التقوقع" أو "الإذعان" الثقافي سوف تفشل في مجابهة أخطار المستقبل الحادة والمتنوعة·
أما المشكلة الأخرى التي عانت منها الأدبيات، والتي أخفقت في صياغة "بعد جديد" للعلاقة فيما بين العولمة والثقافة، فيتمثل في تركيزها على الأطروحات والمنطلقات الفكرية النابعة من الاقتصاد والسياسة فقط· ولعل هذا ما يجعل المرء يجادل على ضرورة معالجة هذه العلاقة من خلال "منظور آخر" يهدف إلى تحقيق المكاسب المتبادلة فيما بين المجتمعات الإنسانية وثقافاتها المتباينة في العصر القادم، عصر الاقتصاد المعولم، وهذا ما يسعى الباحث إلى تحقيقه في سياق هذا البحث·
إن المنظور الثقافي يرتكز في فلسفته على حقيقة مفادها أن "العولمه" بطبيعتها هي نِتاج تفاعل "تكنو-اقتصادي" 10 بحت يهدف ليس فقط إلى تحقيق الحرية غير المحدودة لقوى السوق، بل -أيضاً- إلى "تنميط" الثقافات الإنسانية وفق أيديولوجية محددة وواحدة بقصد خلق "الإنسان ذو البعد الواحد"11، أما الثقافة الإنسانية فإنها نِتاج تفاعلات تاريخية معقدة مصدرها البيئة والحاجة والتجربة وتراكمية المعرفة الإنسانية، ولذلك فهي بطبيعتها "اختلافية" يصعب إخضاعها، تحت أي ظرف من الظروف، لعملية "التنميط الأحادي" على المستوى العالمي ·
بناءً على ذلك ، يذهب المنظور الثقافي إلى ضرورة الاستفادة من التطورات التكنولوجية في وسائل الإعلام والاتصال، ومن عمليات التبادل التجاري العالمي، في إحداث تقارب "ثقافي" بين المجتمعات الإنسانية بقصد تحقيق "الشراكة المستقبلية" في بناء عالم اليوم والغد، لا بقصد تذويب الثقافات الإنسانية في ثقافة ذات بعد واحد هدفها "سلعنة" كل شيء· إن "الشراكة المستقبلية " المشار إليها هنا لا تعني فقط ضرورة المشاركة العالمية في تقديم حلول لما يتعرض له عالمنا من مشاكل بيئية ومجتمعية، بل وتعني -أيضاً- ضرورة "بناء عالم يقوم على استراتيجية الكسب المتبادل، عوضاً عن استراتيجية الكسب/الخسارة" (مصطفى حجازي 1998 : 172) إن مفهوم "الشراكة المستقبلية" يؤكد على ضرورة أن تضطلع المجتمعات العالمية كافة بمسؤولية جماعية وعلى نطاق واسع يشمل جميع مجالات الأمن العسكري والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والبيئي، بالإضافة إلى مجالات التنمية المستديمة، وتعزيز الديمقراطية، والمساواة وحقوق الإنسان، وغيرها من العمليات ذات الطابع الإنساني (انظر "جيران في عالم واحد"، 1995: 21-23)· هذا النوع من "الشراكة المستقبلية" لا يقتصر في تطبيقاته على العلاقات بين الحكومات والهيئات الرسمية فقط، بل أنه يتجاوز ذلك ليضم -أيضا- المنظمات غير الحكومية والتجمعات الشعبية السياسية، بالإضافة للمنظمات والشركات الاقتصادية الكبرى ووسائل الإعلام العالمية والمحلية·
إن قدرة المجتمعات الإنسانية في المشاركة في تشكيل طبيعة المستقبل هي الأكثر إلحاحا الآن من أي وقت مضى· فالمستقبل غير البعيد سوف يحمل بين طياته مشاكل خطيرة تهدد حياة الإنسان أينما كان، ولعل أهم تلك المشاكل هو: الهبوط الحاد في الإنتاج، والتضخم، والديون المرتفعة، واتساع الهوة بين الفئات الاجتماعية، وتفاقم حالة الفقر العالمي، وانتشار المخدرات، وارتفاع معدلات الجريمة، والتضخم السكاني غير الطبيعي، ومشكلة نضوب المياه والطاقة والأمن الغذائي، واضطرابات النسق الإيكولوجي، وغيرها من المشاكل التي لا يسعنا حصرها في هذا المقام (انظر جيرالد بوكسبرغر وهارالد كلينتما، 1999، وخلدون النقيب، 1999، وف· يرلوف، 1997، ومصطفى حجازي، 1998، ومنير الحمش، 1998، وهانس-بيتر مارتين وهارالد شومان، 1998)·
ولا يتردد أولريش بك 1999: 96)) في تقديم تصنيف للمشاكل والمخاطر المستقبلية التي ستتعرض لها المجتمعات الغنية والفقيرة إذا ما تحققت ظاهرة العولمة· ففي الدول الغنية، خاصة في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، سوف تساهم العولمة في إحلال الرأسمالية "الشاملة" محل "نواة القيمة" لمجتمع العمل، وسوف يؤدي ذلك تلقائيا إلى نهاية التحالف التاريخي فيما بين "الرأسمالية" و"الدولة الاجتماعية الديمقراطية"، لأن الديمقراطية الغربية قد ولدت بصفتها "ديمقراطية للعمل"، أي أنها ديمقراطية تأسست على مبدأ المشاركة في الكسب· ولذلك فإن نهاية هذا التحالف هو ما يتوقع حدوثه في ظل سيادة ظاهرة العولمة، لأن البطالة سوف تكون سمة الاقتصاد المعولم، والذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تقليص الأيدي نسبة الأيدي العاملة في الغرب من خلال التسريح أو من خلال إنشاء المصانع في المناطق العالمية الفقيرة ذات العمالة الرخيصة· ولعل ما يدعم ذلك هو اجتماع أباطرة رأس المال (ملاك الشركات العابرة للقارات) في مؤتمر فيرمونت بسان فرانسيسكو في عام 1995، والذين جادلوا على أن قوة العمل التي يحتاجها السوق في المستقبل لا يمكن لها أن تتجاوز ما نسبته 20 بالمئة من إجمالي عدد سكان العالم (انظر هانس - بيتر مارتين وهارالد شومان، 1998: 26)·
أما في الدول الفقيرة، فيرى أولريش بك (1999: p.p. 65-67) أن هناك ثلاثة مخاطر متتابعة المراحل سوف تقع على النحو التالي: أولا، ستتعرض هذه الدول لدمار بيئي شامل بسبب التقنية الصناعية المستخدمة؛ ثانيا، سيؤدي الدمار البيئي إلى "التدمير الذاتي المحلي" من خلال استغلال موارد المحيط البيئي حتى آخر ما فيه؛ ثالثا، سينتج عن كل ذلك صراع مسلح فيما بين الدول الفقيرة المجاورة على الموارد التي لم تنضب حتى تلك اللحظة، وهو صراع ستستخدم فيه الأسلحة النووية والبيولوجية التي أصبحت متاحة للتملك من قبل الجميع·
إن "قوى العولمة"، والتي تدفع بالمجتمعات نحو الوحدانية الاقتصادية والسياسية والثقافية، لا تولي المشاكل آنفة الذكر أدنى اهتمام· إن أهداف هذه القوى تتمثل في تقديم رأس المال وجني الأرباح بأسرع وقت ممكن، ولكن دون بذل أبسط جهد لاستشراف آثار التكنولوجيا والمنتجات الجديدة على الإنسان وبيئته· إن الإنسان أصبح أكثر إدراكا لمخاطر المستقبل من ذي قبل، وهي مخاطر تتمثل بداياتها في تقليص ساعات العمل والأجور ونهاياتها في التسريح والطرد من العمل· ولعل خطورة مثل هذا الإدراك، أي إدراك الإنسان للبطالة والفقر، تتمثل في بروز العديد من التوجهات العنصرية الجديدة عند الكثير من أبناء الطبقة الوسطى في البلدان الغربية، والذين أصبحوا ينادون علانية بكرههم للغرباء وبضرورة إجبارهم على العودة إلى من حيث أتوا· ولا عجب، إذا، أن هناك من الباحثين أمثال دانيال برومبرغ 1997: 6)) من يعتقد بأن الصراع القادم لن يكون "بين الحضارات" بل "داخل الحضارات"، أي بين الثقافات الفرعية والجماعات العرقية والدينية والقومية المتنوعة التي تسكن في جغرافيا سياسية واحدة· من ناحية أخرى، يلاحظ أن التكنولوجيا التي تتبناها "قوى العولمة" سوف تقود إلى مشكلة "إيكولوجية عالمية" بسبب النفايات السامة والضارة، والتي سيتم معالجتها والتخلص منها بالطرق المعتادة، أي على حساب الدول الفقيرة (انظر ف· يرلوف، 1997: 15)·
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الإنسان معرض لفقدان المزايا الاجتماعية المتمثلة في الصحة والتعليم والتأمين التقاعدي، ناهيك عن تصاعد المشكلات الأثنية والدينية والجريمة والفساد، وكلها مشاكل ستؤدي، شئنا أم أبينا، إلى تقليص الديمقراطية والحرية، والتي ستتقلص معها آدمية وكرامة الإنسان أينما كان· كل ذلك يحدث بسبب الضغوط التي تمارسها "قوى العولمة"، والتي تستخدم نفوذها المالي والصناعي لنزع هذه المزايا من خلال تهديد أو إغراء الدول· ولعل هذا ما يؤكد على حقيقة "التناقض … بين المناداة بعالمية الأسواق دون عالمية المسؤولية عن المصير" (مصطفى حجازي، 1998: 176)·
من هذا المنطلق تأتي أهمية "الشراكة العالمية المستقبلية"، والتي تؤكد على أن البشرية، وبفضل التطورات التكنولوجية في مجال الإعلام والاتصالات، "أصبحت كتلة واحدة على صعيد الشراكة في الحلول والمسؤوليات، والشراكة في الفرص ونيل الحظ منها" (المصدر السابق، 172). هذه الشراكة المستقبلية تتطلب ضرورة إعادة تأهيل كل مجتمع إنساني، خاصة تلك الموسومة بالمجتمعات المتخلفة أو النامية، من خلال استغلال موارده وطاقاته من أجل بناء معرفة منافسة تساهم في تأكيد وتفعيل مشاركة هذا المجتمع أو ذاك في بناء عالم المستقبل· إن المشاكل المذكورة آنفاً، والتي ستواجه البشرية في المستقبل، لن يستطيع أي مجتمع مواجهتها منفرداً وبمعزل عن مساعدة المجتمعات الأخرى· إن التشريعات الخاصة، مثلاً، في حماية البيئة أو إعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء أو المحافظة على "المزايا الاجتماعية" لا يمكن أن تحقق فوائدها إذا لم تشترك في الأخذ بها جميع المجتمعات الفقيرة منها والغنية، ولعل المشاكل التي تواجهها ألمانيا الاتحادية حالياً، والمتمثلة في هروب الشركات ورؤوس الأموال الاستثمارية من هذه الدولة، ليس إلا دليلاً قاطعاً على ضرورة "المشاركة" الجماعية العالمية في مواجهة الأزمات والمشاكل التي تهدد مستقبل البشرية· بناءً على ذلك، فإن الباحث يجادل هنا على أن الشراكة المستقبلية ستؤدي ليس فقط إلى خلق توازن سيكولوجي فيما بين الثقافات الإنسانية المتباينة، بل -أيضا- إلى انتعاش اقتصادي واستقرار سياسي ورخاء اجتماعي على مستوى العالم· بعبارة أخرى، إن الشراكة المستقبلية تزيل حرج التفاضل فيما بين الثقافات لا سيما في مسائل تخطيط المستقبل وتقرير المصير، إذ إن كل ثقافة إنسانية سوف تشعر في أهميتها وتماثلها وتكافؤها النوعي مع الثقافات الأخرى إذا ما تحقق لها فرصة المشاركة الفعالة في بناء عالم المستقبل· ومثل هذا التوجه، متى تحقق، فسيقود إلى حالة من التوازن السيكولوجي بين ثقافات عالم اليوم مما يضمن للبشرية جمعاء تجاوز الأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية والتدهور الاجتماعي على الصعيدين المحلي والدولي·
بعبارة موجزة، إن المنظور الثقافي هو عبارة عن مشروع مستقبلي من الممكن تحقيقه· هذا المشروع يجب أن لا يفهم وكأنه فكر طوبائي مسكنه "الذهن" وفضاؤه "الخيال"، لأن المنظور الثقافي المستخدم هنا يأخذ بعين الاعتبار حقيقة "الأزمنة" و"الخبرات الوجودية" التي ينتج عنها التباين والتفاوت فيما بين الثقافات (علي حرب، 2000: 110)، كما لا يتجاهل حقيقة التفاوت الاقتصادي والسياسي فيما بين الجماعات والمجتمعات والتي يترتب عليها "توزيع القوى الاجتماعية والدولية" (محمود حيدر، 1999: 14)، كما أن هذا المنظور، وإن تحقق مشروعه، لا يعني -مطلقاً- سيادة حالة من "السلم الدائم"، أو انتشار حالة من "الرفاهية العامة"، أو لا يمكن، وكما جادل فردريك تنبروك (2000: 186)، أن يحقق المساواة أو يفضي إلى السلام· إن غاية هذا المنظور تتمثل في الحد من "الحالة الهستيرية" التي ستصيب العالم نتيجة للتطبيقات غير الموضوعية لأيديولوجية الليبرالية الجديدة، لاسيما في الجوانب الإنسانية والاجتماعية، وذلك من خلال تبني رؤية ثقافية هدفها بناء الإنسان وصيانة مستقبله·
المبدأ الحواري
وأنسنة العولمة:
إن السؤال الذي يفرض نفسه الآن، وبعد أن قدمنا عرضاً سريعاً وموجزاً لمفهوم الشراكة المستقبلية وأهميته، هو: كيف نجعل من هذه الشراكة المستقبلية واقعاً معاشاً؟ أو بعبارة أخرى كيف يمكن لنا أنسنة العولمة من خلال تفعيل عملية الشراكة المستقبلية؟ إن المنظور الثقافي، وكما شرحنا مسبقا، يهدف إلى تفعيل عملية "التقارب الحضاري" فيما بين الثقافات الإنسانية المتباينة مع حقها، في نفس الوقت، في الاحتفاظ بخصوصيتها (علي حرب، 2000: 13). ومثل هذا التفعيل يقوم على ضرورة تحقيق عملية "الشراكة المستقبلية" فيما بين المجتمعات قاطبة لكي تكون قادرة ليس فقط على تجاوز ما قد تتعرض له من كوارث مستقبلية ناتجة عن التطبيق الخاطئ للعولمة، وإنما -أيضا- أن تكون مؤهلة لبناء حضارة إنسانية عالمية ذات أقطاب متعددة ومتنوعة· وحتى تتحقق هذه الشراكة المستقبلية، فإنها لا بد وأن ترتكز في انطلاقتها على مفهوم "المبدأ الحواري"، الذي توصل إليه ميخائيل باختين من قراءته التحليلية لأعمال الروائي الروسي دوستويفسكي، وصاغ منها، فيما بعد، نظريته الأدبية التي أطلق عليها "الحوارية"، والتي شاع صيتها بعد وفاته في عام 1975· لقد وجد باختين في عالم دوستويفسكي الروائي "تعددية" معمقة تنم عن عملية توازن فيما بين شخصيات الرواية، متجاوزة بذلك الانغماس المفرط في التأكيد على تفوق "صوت أحادي" في تقديم أحداث الرواية، وذلك لأن "جميع الأصوات تتساوى من حيث الأهمية والتعبير" (Tzvetan Todorov، 1984: 105). إن "تعددية الأصوات" في روايات دوستويفسكي، كما يحللها باختين، لا تعبر عن عالم مضطرب ومتناقض، ولكنها تعبر، بصورة أو بأخرى، عن "اختلافية الخواص والعناصر"، وتدحض، في نفس الوقت، الرؤية الأحادية لهذا العالم التي تصور الأشياء باعتبارها تتشكل وفقاً لمجرى أحادي (المصدر السابق، 103)·
والنتيجة التي يتوصل إليها باختين تتمثل في الأتي: "حتى أكون إنساناً فلا بد من قراءة الآخرين" (المصدر السابق، 97)، ولعل هذا ما حدا به إلى التأكيد على أهمية "الحوار" لأن الحياة، في حقيقتها، هي عبارة عن عملية "حوارية" بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى: لكي نعيش، ونسأل، ونسمع، ونجيب، ونوافق، ونعارض، ونفكر، فلا بد علينا من الاشتراك في "الحوار"· بناءً على ذلك، يمكن تعريف "الحوارية" بأنها "… الوعي بحقيقة التعدد والتنوع، والتعلق بمشروعية الاختلاف، وحق التفكير والتعبير عن المواقف والمعتقدات ووجهات النظر بأكبر حرية ممكنة …" (معجب الزهراني، 2000: 152)·
إن هذا "المبدأ الحواري"، وإن نشأ في أحضان النقد الأدبي، إلا أنه يمكن استثماره في مشروعنا الثقافي باعتباره الآلية العملية التي من شأنها تحقيق عملية "المشاركة المستقبلية" والتي يمكن عن طريقها تجاوز الاضطرابات العالمية المتعددة، وتفعيل عملية "الذكاء الجماعي الإنساني" في سبيل بناء استراتيجية الكسب المتبادل · إن هذا المبدأ يرفض "منطق المركزية"، خاصة "المركزية العرقية-الثقافية"، وعملية "التنميط الأحادي" في آن واحد، جاعلاً من نفسه "مبدأً للتبادل (التفاعل) مع الآخر" (المصدر السابق، (155)· إن تفاعل المجتمعات الإنسانية مع بعضها البعض، خاصة في مواجهة المستقبل المخيف الذي تمهد له الأيديولوجية الاقتصادية التي تقودها الليبرالية الجديدة، لا يمكن له أن يتحقق إلا من خلال "حوار الثقافات" الذي يضمن، وبصورة سليمة، خلق وعي عالمي بمسؤولية الجميع عن مصير البشرية وذلك من خلال التفاعلات الثقافية المتواصلة التي لا تنكر، بأي حال، "الاختلافات الثقافية" فيما بين المجتمعات الإنسانية·
إن الثقافات الإنسانية، كما ورد آنفاً، "اختلافيه" بطبيعتها· ولذلك، فإن أي محاولة لقولبة وتنميط هذه الثقافات في ثقافة واحدة منمطة 12، وجعلها سلعة "لا تشذ عن قانون العرض والطلب"، ستقود -حتماً- إما إلى "ثقافة التشيؤ" الاستهلاكية التي تعمل "على تحويل كل شيء إلى سلعة متداولة في السوق لصالح قوة حرة جديدة عابرة للقارات" (حيدر إبراهيم، 1999:130)، وبذلك يتحول الإنسان إلى أداة لا قيمة لها؛ أو أن هذه المحاولة ستؤدي إلى تأجيج عمليات "التقوقع" الثقافي المتمثل في العودة إلى "السلفية الفكرية"، والتي سينتج عنها مخاطر وحروب مستقبلية أشد هولاً وفتكاً· وفي كلتا الحالتين سيكون مصير العالم والبشرية الضياع والاضطراب والخراب والدمار·
إن الثقافات الإنسانية، ومنذ بزوغ فجرها على هذه البسيطة، لا تنكر العلاقات والتبادلات فيما بين بعضها البعض، بل أنها تقر ضرورة "التفاعل الثقافي" في مجال الفكر والتكنولوجيا طالما أن هذا "التفاعل" غير "قسري" و"مفروض"· إلا أن الثقافات الإنسانية، حسب ما تؤكد عليه الدراسات الأنثروبولوجية، تعمل بعد كل علمية "تفاعل ثقافي" على تحقيق توازن اجتماعي ونفسي بين العناصر الثقافية الدخيلة والمحلية، وذلك بقصد خلق نوع من الاستقلالية لنفسها· وهذا ما سيقودنا إليه المبدأ الحواري في تحقيق "المشاركة المستقبلية" و"الذكاء الاجتماعي" على المستوى العالمي، مع ضمان الحفاظ على "خصوصية" كل ثقافة إنسانية من خلال التأكيد على أهمية "الفكر الاختلافي"·
إن الثقافات الإنسانية المتباينة، وعبر تاريخ الإنسانية، كانت تتحاور ثقافيا وحضاريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتكنولوجيا من خلال عملية فهم "الذات والآخر"· إلا أن هذه الحالة الإنسانية التاريخية أصيبت بمقتل بعد بروز ظاهرة "الاستعمار" في القرن الخامس عشر وما تلاه· ففي المرحلة الاستعمارية وما تبعها خضعت المجتمعات الإنسانية لعملية تبادل "غير متكافئ" 13، والتي ساهمت، فيما بعد، بخلق علاقات ثقافية-سياسية-اقتصادية غير سليمة لكونها قائمة على ممارسة القوة والعنف والغزو (ألبرت بيرجسن، 2000: 73). وهذا معناه بروز حالة "حوارية أحادية"، أو كما يسميها باختين (monologic utterance)، تنعدم بها موازين التفاعل الثقافي السليم، والذي نتجت عنه حالة من "الصراع" و"التوتر" بين الإنسان والإنسان (أو بعبارة أدق، بين الثقافات المتنوعة)، حتى وصلت حدة الصراع والتوتر في بعض الأحيان إلى استخدام أو التهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل·
ولعل ذلك ما حدا بالدول، خاصة في العشرين سنة الأخيرة، إلى تبني عملية "الحوار الثقافي" (cultural dialogue) فيما بين المجتمعات الإنسانية بقصد تقليص حدة التوترات الثقافية وخلق حالة من التفاهم والتسامح الثقافي· إلا أن هذا التوجه لم يحقق النتائج المرجوة على المستوى الشعبي-المحلي، وإن حقق نجاحا لا بأس به على المستوى السياسي-الرسمي· ولعل ذلك ناتج من أن "حوار الثقافات" كان محصورا على "النخب السياسية" و"النخب الأكاديمية" التي تمثل ثقافات متمايزة، في الوقت الذي تم فيه إقصاء المؤسسات والجمعيات والاتحادات التطوعية-الشعبية غير الرسمية عن مثل هذا الحوار· وهذا هو مكمن ضعف عملية "الحوار فيما بين الثقافات" والأساليب المتبعة في العقدين الأخيرين· من هذا المنطلق، يجادل "المنظور الثقافي" على ضرورة أن لا تنحصر علمية "الحوار الثقافي" على المؤسسات الرسمية والأكاديمية، بل يجب -أيضا- أن تشمل بذلك المؤسسات المجتمعية غير الرسمية، والتي تعكس طبيعة ثقافة المجتمع الذي تنتمي إليه، والتي تملك -أيضا- قدرة على جعل الأفراد اللذين تمثلهم واعين ومتفهمين لطبيعة الثقافات الأخرى ومن ثم الإيمان بأهمية الحوار مع "الآخر الثقافي·" إن تم ذلك، فإن من المنطقي أن يكون "حوار الثقافات" له أبعاد مؤثرة على جميع المستويات، الرسمي منها وغير الرسمي·
إن النتيجة التي يصل إليها المرء، بعد كل ما قيل، هو أن "حوار الثقافات" وفقا "للمبدأ الحواري" يعتبر الوسيلة المُثلى التي، إن أخذت به المجتمعات، سيؤدي إلى تحقيق هدف المنظور الثقافي المتمثل في خلق "شراكة عالمية مستقبلية" فيما بين الثقافات الإنسانية المتعددة-المختلفة· وعلى الرغم من أن "المبدأ الحواري" ليس موضوعا قائما بذاته، وأنه مرتبط ومتأثر -بالدرجة الأولى- بالذات الإنسانية، إلا أن ما يحدث في عالم اليوم من مشاكل واضطرابات متنوعة تستوجب ضرورة "عولمة" هذا المبدأ وتطبيقه وفقا للمفهوم "الباختيني"· إن "المبدأ الحواري" من شأنه أن يشعر الثقافات المتمايزة بذاتيتها واستقلاليتها الفكرية من جهة، وبضرورة سعيها نحو العمل معا من أجل "مستقبل" واعد يحقق أمنيات الشعوب ويساعدها على تجاوز المستقبل المخيف من جهة أخرى· إن "الحوارية"، والتي قال بها باختين، تشير ضمناً إلى طريقة تفكير في تاريخ الفكر الحديث(أنظر Micheal Holoquist ، 1990: 15)، ولابد من التمسك بهذه الطريقة لكي يتم تجاوز أو تفادي المخاطر التي ستواجه البشرية في المستقبل المنظور·
خاتمة:
عالج هذا البحث العلاقة فيما بين العولمة والثقافة من خلال التطرق لماهية كل من هذين المفهومين، وتبيان الأبعاد (أو الإشكاليات) التي من الممكن أن تترتب على مثل هذه العلاقة· كما عرض هذا البحث، وبشكل مكثف ومختصر، مجموعة من الأدبيات التي تناولت هذا الموضوع، والتي ، وكما أسلفت مقدما، تمخضت عن مجموعة من الآراء التي عكست إدراكات ذاتية متناغمة أحيانا ومتناقضة في أحيان أخرى· من ناحية أخرى، أدى الاعتماد المفرط لهذه الأدبيات على البعدين السياسي والاقتصادي في تحليل علاقة العولمة بالثقافة، وتجاهل البعد الثقافي، إلى خلق نوعا من القصور في حل المشاكل التي قد تترتب على التطبيقات الخاطئة للعولمة· لذا قدم هذا البحث منظورا مغايرا هو المنظور الثقافي·
إن المنظور الثقافي المقترح في هذا البحث يقدم محاولة متواضعة تتمثل في خلق نوع من التداخل والتفاعل بين "العولمة" (المتغير الاقتصادي العالمي) و"الثقافة" (المتغير التاريخي المحلي) بقصد تجاوز الإشكاليات المنبثقة عن علاقة العولمة بالثقافة، وخلق "صيغة حضارية" قادرة على خلق عالم متعاون ومتماسك ومستقر في ظل التحولات والتطورات التكنو-اقتصادية والتي يعيشها عالم اليوم· إن هدف "قوى العولمة" والمتمثل في قولبة الثقافات الإنسانية المتباينة بثقافة ذات نمط واحد، وهدف "قوى الثقافة" والمتمثل في تقوقعية كل ثقافة محلية على نفسها ومن ثم الانعزال والعزلة عن الثقافات الأخرى، لتعتبر أهدافا متطرفة، ناهيك عن أنها غير مشروعة وغير موضوعية في ظل المتغيرات والتطورات السريعة التي يمر بها عالم اليوم، سواء في الجانب الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الفكري أو التكنولوجي أو البيئي· كما أن مثل هذه النزعات المتطرفة من شأنها أن تساهم في تعقيد المشاكل والكوارث والمخاطر المستقبلية التي سوف تهدد حياة الإنسان أينما كان·
لذلك، كان لابد من طرح المنظور الثقافي الذي بوسعه أن يحقق ما عجز عنه الاحتفاليون بالعولمة أو العصابيون من ظاهرة العولمة· هذا المنظور يرتكز في أبعاده على مفهوم "الشراكة المستقبلية" وآلية "المبدأ الحواري"، وعلى اعتبار أن كل منهما مكمل للآخر، وأن أية محاولة لفصلهما عن بعضهما البعض سوف تقود من الناحية النظرية والتطبيقية إلى ضعف وعدم فاعلية المنظور الثقافي المقترح في هذا البحث·
انتهى
* البحث نشر في مجلة السياسة الدولية عدد 158 أكتوبر 2004·
* * *
الهوامش
(10) تشير عبارة "تكنو-اقتصادي" المستخدمة هنا إلى الارتباط الوثيق فيما بين التطورات التكنولوجية الحديثة في مجال الإعلام والاتصالات والنظرية الاقتصادية الحديثة التي تنادي بتقويض جميع أشكال ودرجات تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية· هذا الارتباط أدى إلى بروز ظاهرة العولمه، كأطروحة أيديولوجية، على مسرح التاريخ في السنوات العشر الأخيرة·
(11) مصطلح "الإنسان ذو البعد الواحد" استخدم ولأول مره من قبل الفيلسوف الراديكالي هربرت ماركيوز بقصد نقد المجتمعات الصناعية المعاصرة التي تسيطر سيطرة تامة ليس على قوى الإنتاج فحسب وإنما على معتقدات وأفكار، وأحاسيس ومعايير، ورغبات الناس، سواء الاجتماعية أو الجنسية، وذلك بقصد بناء مجتمع ذي بعد واحد من أجل تحقيق سيطرة "الملاك" على النظام والعامة (أنظر Herbert Marcuse ، 1966).
(12) أي خلق ثقافة إنسانية واحدة تحمل نفس القيم والمعايير·
(13) إن مفهوم "التبادل غير المتكافئ" لا يقصد به هنا ضرورة أن يكون هناك تساوي مطلق وتام في العمليات التجارية المتبادلة بين الدول الصناعية الغربية وبقية دول المجتمع العالمي، لا سيما النامية منها· إن استخدام هذا المصطلح في هذا البحث يقصد منه توضيح حقيقة مهمة مفادها أن "العولمة" لا تساهم في تحقيق توازن نوعي وبسيط فيما بين هذه الدول في مجال التبادل التجاري، وهو ما يجعل من الدول غير الغربية غير قادرة على تحقيق مشروعات تنموية طموحة في مجال التصنيع أيا كان نوعه· ولذلك لا بد من تطوير أسلوب التبادلات التجارية التي تهدف إلى تحقيق نوع من الشراكة في الاستفادة والربح بين دول العالم·