القاهرة - عبدالعظيم محمود حنفيü:
أكدت زيارة الوفد الهندي العسكري برئاسة سكرتير وزارة الدفاع الهندية التي انتهت في 24 ديسمبر 2004 لتل أبيب استمرار الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل والهند رغم التغيير الذي طرأ على الحزب الحاكم في الهند وتولي حزب المؤتمر الهندي المعروف بمواقفه المؤيدة للحقوق الفلسطينية وللحق العربي بصفة عامة، لكن المصالح العليا للهند كما تراها النخبة الحاكمة الهندية لا تتغير بتغير الحكومات، فزيارة الوفد الهندي كما ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أسفرت عنها نتائج استراتيجية مهمة، من أبرزها:
1 - اتفاق الدولتين على إجراء مناورات عسكرية بينهما في عام 2005
2 - استخدام إسرائيل لأسطولها من المقاتلات: أف 16 "وطائرات" سوخوي 30 أس الروسية خلال المناورات·
3 - موافقة إسرائيل على تحديث الأسطول الهندي من الطائرات المروحية من طراز "شيتا"·
4 - إجراء اختبارات هندية على القذائف الإسرائيلية الصنع المضادة للدبابات·
5 - توسيع تجارة الأسلحة بين البلدين·
6 - التنسيق بين البلدين فيما يسمى بالحرب على الإرهاب·
وسبق ذلك في عام 2004 توقيع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية على صفقة قيمتها 100 مليون دولار لإمداد الهند بصواريخ لحماية سفنها الحربية·
كل ذلك يجعل من الضروري إيلاء أهمية للأبعاد الاستراتيجية للعلاقات الهندية الإسرائىلية حيث جاءت زيارة أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائىلي للهند (8-10/ سبتمبر /2003) إعلانا عن التحسن الكبير في العلاقات المتنامية بين البلدين بعيدا عن وسائل الإعلام وفي تكتم شديد، وهي علاقات صارت راسخة وقوية ومتزايدة إيذانا بإضفاء صيغة مؤسسية على العلاقات بينهما·
ويمكن إرجاع العوامل التي أدت إلى الحرص الهندي على التحسين المتسارع لتلك العلاقات رغم تغير الحكومات إلى جملة من العوامل والمؤثرات:
فقد عمدت الهند إلى ترسيخ نفسها كقوة إقليمية وأعدت نفسها لأن تكون لاعباً دولياً رئيسيا، وهي تنظر إلى قوتها النووية والبشرية على أساس التنافس مع الصين، ويرى المحللون أن الهند ربما تكون قد بالغت في تقدير قوتها على المدى البعيد، إلا أن الولايات المتحدة تعدها الدولة الأقوى في جنوبي آسيا وتملك نوعين من الهيمنة الإقليمية استنادا إلى كونها قوة نووية ليس فقط من أجل تحجيم القوة الباكستانية بل أيضا لموازنة ما تمتلكه الصين من ترسانة نووية، وقد استندت الهند إلى رؤية جيوستراتيجية أمريكية في رؤيتها لدورها الإقليمي سواء بمواجهة جيرانها أو في المحيط الهندي، وبذلك وجدت عبر السياسة الأمريكية التي سعت لاحتضانها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي أنها يمكن أن تكون معادلا للقوة الروسية والصينية في جنوب شرق آسيا·
هاجس الصين
ولتصل إلى دور استراتيجي عمدت الهند إلى استراتيجية متعددةالمحاور حيث باشرت بتنفيذ استراتيجية اقتصادية للاكتفاء الذاتي، واستخدام قاعدة مواردها الكبيرة نسبيا لنشر قوات مسلحة ضخمة، حيث إن الهند ترى نفسها قوة إقليمية ناهضة، وترى في القوة العسكرية أحد أهم عناصر هذا الدور حيث وصلت نفقات الدفاع الهندية إلى 13,02 مليار دولار أي ما يعادل %2,5 من إجمالي الناتج القومي الهندي، ولتحقيق هذا الدور أقامت ما يشبه الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية التي رحبت بهذا الدور في سبيل عزل واحتواء الصين حيث يشغل "الهاجس الصيني" تفكير الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين·
ولم تستطع الولايات المتحدة تحقيق تلك الشراكة إلا بمجيء التحالف الحكومي يقوده حزب بهراتيا جاناتا اليميني إلى السلطة عام 1998، وتزامن ذلك وفي إطاره تحسين العلاقات مع إسرائيل على عدة أصعدة خلال العقد الماضي وكانت القضايا الأمنية هي بؤرة العلاقات بين البلدين، حيث كان يجمع بينهما تولي حكومة يمين متطرفة، وحيث صارت إسرائيل ثاني أكبر مورد عسكري للهند بعد روسيا وفي عام 1997، حينما خاضت الهند وباكستان قتالا في قطاع كار جيل الجبلي، لم تكتف إسرائيل بفتح مخازنها العسكرية للهند وحسب، بل أمدتها بصورة الأقمار الصناعية العسكرية، وتقديرا لذلك زار وزير الداخلية آنذاك - المنظر الإيديولوجي اليميني - لال كريشنا إدفاني إسرائيل عام 2000· كما أن للقيادتين منظورا مشتركا لما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، حتى في ظل حكومة حزب المؤتمر الهندي الحالية، سواء عبر إبداء التأييد الكامل والمطلق للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث أثمر المزيد من التعاون بين الهند والولايات المتحدة، وشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية وسبقه تدريبات عسكرية مشتركة وزيارات قامت بها للهند قيادات بارزة في إدارة بوش، وزار واشنطن نائب رئيس الوزراء الهندي الرجل الثاني في حكومة نيودلهي السابقة·
وكما كان حزب بهراتيا جاناتا يشاطر شارون منظوره حول تنامي ما يطلق عليه الإرهاب الإسلامي فقد اتخذ حزب المؤتمر الرؤية نفسها، وتحاول إسرائيل دائما إقامة أوجه تشابه بين مشاكل الهند في إقليم كشمير المتنازع عليه مع باكستان وبين الانتفاضة الفلسطينية·
وتؤيد الولايات المتحدة تنامي تلك العلاقات وكان "بار جيش ميشرا" مستشار الأمن القومي الهندي السابق قد صرح في واشنطن خلال زيارته في أغسطس "2003" بأنه ينبغي على الولايات المتحدة وإسرائىل والهند أن تشكل تحالفا لما وصفه بالإرهاب الدولي المتنامي· كما تلاحظ وجود مساعدة وزير الخارجية الأمريكية في نيودلهي، وقت زيارة شارون السابق الإشارة إليها·
شراكة استراتيجية
ومما يؤشر له على مباركة الولايات المتحدة ودفعها لتعزيز العلاقات العسكرية الإسرائيلية الهندية أنه بعد سنوات من رفض واشنطن قيام إسرائيل ببيع نظام فالكون الراداري المضاد للصواريخ إلى الهند، عادت ووافقت على إتمام الصفقة الإسرائيلية للهند، ومنظومة فالكون الرادارية عبارة عن نظام متقدم للإنذار عن بعد، ويعد تطويرا لنظام الايه واكس الأمريكية، ويعمل من دون القرص الدوار المعروف عن الايه واكس مما يجعله قادرا على المزيد من المناورة والهروب من النيران المعادية، ويمكن أن يلتقط وجود طائرات في أي ظروف جوية نهارا وليلا حتى في حالة الطيران المنخفض مما جعل باكستان تعتبر تلك الصفقة إخلالا بالتوازن النووي الدقيق مع الهند·
وتشارك إسرائيل حاليا في تحديث القوات المسلحة الهندية وقد بلغت المشتريات الهندية من الصناعات العسكرية الإسرائيلية ملياري دولار عام 2002· وقد طلبت السلطات الهندية الاستعانة بخبرات إسرائيلية لتشكيل قوة انتشار سريع لمكافحة الإرهاب قوامها 3000 فرد، وكل ذلك في إطار الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة·
تتحدث السلطات الهندية عن المنظور المشترك إلى التهديد الإرهابي خاصة مع اقترانه بالأصولية الدينية، واللافت أن هذا المنظور المشترك أعلن عنه مسؤول هندي أثناء زيارته لإسرائيل عام 2000·
وهذا يعني أنه في إطار المقاربة الأمريكية للإرهاب وخلطه بحركات المقاومة، فإن الحرب على الإرهاب هي حرب على حركات المقاومة العربية والإسلامية، وسوف تمثل ضغطا متزايدا على الدول التي تسميها الولايات المتحدة دولا مارقة مثل إيران وسورية ورسالة واضحة لمن يعنيه الأمر في المنطقة، خاصة أن المتغيرات الإقليمية بعد استقرار الولايات المتحدة بقواتها العسكرية في قلب منطقة الشرق الأوسط ستتجاوز تداعياتها كل الحدود، حيث باتت الولايات المتحدة تعمل مباشرة في هذه المنطقة كلاعب رئيسي يتحكم في مجمل التطورات فيها، وفي هذا الإطار فإن الاستراتيجية الأمريكية تعمل على تطويق الصين وحصارها بعدد من التحالفات ومنها ذلك التحالف الثلاثي - قيد الإنشاء - الذي سيكون له دور كبير في إحداث خلل استراتيجي كبير في المنطقة لصالح إسرائيل وضد الدول العربية والإسلامية، لأنه لا يمكن من وجهة نظر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة أن يسمح الغرب أن تبقى هذه المنطقة من العالم موضوع ملاحقة مستمرة وأرضا لإنتاج المتزمتين "على حد وصفهم"·
ü خبير في الدراسات الاستراتيجية، مدير مركز كنانة للبحوث والدراسات في القاهرة