كتب محرر الشؤون الخليجية:
انتهت يوم الثلاثاء قبل الماضي أعمال القمة الخامسة والعشرين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، والتي أطلق عليها "قمة زايد" تكريما لدور الراحل في مسيرة التقارب الخليجي·
ويرى المراقبون أن القمة انتهت قبل أن تبدأ عندما طفا على السطح الخلاف السعودي البحريني حول توقيع مملكة البحرين اتفاقية تجارة حرة وبشكل منفرد مع الولايات المتحدة الأمريكية فيما اعتبرته المملكة العربية السعودية خرقا للاتفاق الخليجي وانفرادا غير محمود في وقت يرى فيه المسؤولون السعوديون ضرورة لمزيد من التنسيق بين هذه الدول في الجانبين الاقتصادي والسياسي على وجه التحديد·
ويرى المراقبون أن هذا الخلاف وإن بدا بسيطا إلا أنه يعبر عن ضعف كيان المجلس الذي لم يتمكن على مدار ربع قرن من عمره من التحول الى وحدة كونفدرالية، بل إنه لا يزال يراوح في مكانه حتى في أبسط الأمور المرتبطة بالعلاقات الشعبية وتسهيل التنقل والتجارة والربط الكهربائي والمائي، ناهيك طبعا عن التنسيق في السياسة الخارجية والعسكرية لدوله، ويؤكد المراقبون أن المجلس ومنذ إنشائه لم يكن يراد به التحول الى وحدة سياسية لدول متقاربة في كثير من جوانب الحياة فيها، بل أريد به مواجهة تحولات مفاجئة طرأت على المنطقة بعد الثورة الإيرانية، وبروز العراق كقوة اقتصادية عسكرية مؤثرة، لذا يرى هؤلاء المراقبون أن المجلس ولد ضعيفا واستمر ضعيفا من دون سقف واضح لما يريد أعضاؤه الوصول إليه من أهداف واقعية·
ويضيف المراقبون أن العلاقات بين الدول الأعضاء في المجلس لم تصل خلال مسيرته الى العلاقة المرجوة نظرا للخلافات التي يعود بعضها الى أحداث تاريخية قديمة وبعضها الآخر الى اختلاف في الرؤى والمصالح ويذكر المراقبون أمثلة كثيرة على هذه العلاقة المتوترة كمشكلات الحدود بين بعض الدول الأعضاء التي وصل الأمر في بعضها الى اللجوء الى محكمة العدل الدولية في لاهاي بدلا من حل الأمر في إطار المجلس، كالمشكلة بين البحرين وقطر، وكذلك المشكلة السياسية بين قطر والسعودية والتي بدأت منذ انقلاب أمير قطر الحالي على والده الذي لجأ الى السعودية ثم قامت الحكومة القطرية بإنشاء قناة "الجزيرة" التلفزيونية الفضائية التي جعلت من نقد النظامين السعودي والكويتي أهم محاور عملها الإعلامي السياسي ووترت المسائل الخلافية بين قطر وهذين الدولتين والبحرين كذلك ولكن بدرجة أقل·
ويضيف المراقبون أن مواقف دول المجلس المتباينة من الحرب على صدام مثلت هي الأخرى مجالا لمزيد من التوتر في العلاقات بين هذه الدول وخاصة فيما يرتبط بالعلاقة مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب التي جعلت من إسقاط نظام صدام حسين عنصرا أساسيا فيها·
كما يشير المراقبون بشكل واضح الى موقف كل دولة من دول المجلس من الإصلاحات السياسية التي خطت بعض هذه الدول خطوات واضحة وملموسة وإن كانت أقل من طموحات شعوبها إلا أنها بالمقارنة مع دول أخرى تمثل تقدما·
كما يشير المراقبون أيضا الى اختلاف دول المجلس في موقفها من الإصلاحات السياسية التي نادت بها ولا تزال فئات كثيرة من شعوب المنطقة، بينما ترى فيها بعض هذه الدول إصلاحات مفروضة من الخارج ضمن أجندة الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر· اختلافات دول المنطقة حول هذا الموضوع بدت أكثر وضوحا عندما أقدمت البحرين وقطر وعمان على خطوات باتجاه الانفتاح على شعوبها بينما ترددت دول أخرى في مثل ذلك الانفتاح واستمرت على موقفها المعارض لأي مطالب بإصلاحات سياسية، رغم معاناة تلك الدول من سطوة قوى سياسية معادية لها ومعادية للإصلاح السياسي الديمقراطي في الوقت نفسه·
ويأتي الخلاف البحريني السعودي حول توقيع البحرين اتفاقية تجارة حرة مع أمريكا ليظهر مدى الاختلاف بين هذه الدول انطلاقا من مصالحها الداخلية، فالبحرين وقطر وعمان أخذت خطوات علنية واضحة وإن اختلفت في الدرجة تجاه التطبيع مع إسرائيل وهو شرط يراه المراقبون أساسيا لتطوير العلاقة مع أمريكا قياسا على اتفاقيات المنطقة الحرة بين كل من الأردن ومصر مع أمريكا والتي اعتبرت بوابات اقتصادية سياسية إسرائيلية على المنطقة عبر واشنطن، هذه الاتفاقيات الفردية، التي تشترط أمريكا عدم توقيعها أو حتى التفاوض حولها مع كتل سياسية، وتصر على توقيعها مع دول منفردة، لا تقف عند حد تطوير العلاقات الاقتصادية، وهو ما تخشاه السعودية التي شاب علاقاتها مع أمريكا عدد من حالات التوتر الواضح منذ 11 سبتمبر 2001 التي شارك في تفجيراتها 15 سعوديا من بين 19 إرهابيا وقبل ذلك الانزعاج الأمريكي من عدم "تعاون" السعودية بالشكل الذي تريده واشنطن في التحقيق حول حوادث التفجيرات التي تعرضت لها منشآت أمريكية في السعودية ناهيك عن التباين الواضح بين البلدين حول أسلوب معالجة القضية الفلسطينية حيث أهملت واشنطن وبشكل سافر ومتعمد مبادرة الأمير عبدالله التي تحولت في قمة بيروت العربية الى مبادرة عربية للسلام مع إسرائيل ودفعت أمريكا ورئيسها بوش بكل ثقلها لدعم رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني شارون رغم سوء استخدامه لهذا القرب والدعم الأمريكي، ويرى المراقبون أن ملامح التوتر بين دول الخليج العربية والبحرين والسعودية علي وجه التحديد مرشحة لمزيد من التدهور رغم الجهود الدبلوماسية التي تأخذ شكل المراضاة العشائرية أو الأسرية من دون الخوض في جذور الخلافات والتعامل معها، وكذلك الإعلان عن بناء جسرين أحدهما بين البحرين وقطر (جسر المحبة) والآخر بين قطر والإمارات!!، كخطوات واضحة نحو تدهور العلاقة بين هذه الدول، ويضيف إليها بعض المراقبين أحداثا يعود بعضها الى إعلان البحرين مملكة، والتقارب البحريني القطري الذي وصل حد حضور ملك البحرين مباراة نهائي خليجي 17 رغم أن البحرين لم تكن طرفا فيها·
ويتساءل المراقبون عن مدى استمرار الدور الذي طالما لعبته المملكة العربية السعودية "كأخ أكبر" لدول المنطقة.