كتب محرر الشؤون المحلية:
الحوار·· هو الفعل الغائب في تعامل الأجهزة الرسمية مع أصحاب التطرف الفكري، وعلى الرغم من سيل التصريحات المصطنعة لمسؤولين كبار يحاولون عبثا رسم صورة غير واقعية لتحولات رئيسية طرأت على المجتمع الكويتي، عبر ادعائهم بأنه مجتمع خال من التطرف، إلا أن هذه التعمية المقصودة والإفراط في تسطيح الأمور ولدت لنا اليوم معتقلين في "غوانتانامو" القاعدة الأمريكية الشهيرة التي تحتجز ما يزيد عن 550 شخصا ينتمون الى دول العالم الإسلامي والعربي المختلفة، كما أصبح لدينا أيضا قضية "مجاهدين في العراق"!!، أو ما اصطلح على تسميتها بـ "العائدون من العراق"، والتصريحات الرسمية المرتبكة تنفي أحيانا وجود أي كويتي داخل العراق ذهب لغرض "الجهاد"، وأخرى تقر بوجود عدد منهم·
ويعزو محللون هذا الارتباك الى فتور الحكومة تجاه التعامل مع هذا الملف، خصوصا أن القاعدة العسكرية الأمريكية، والعراق يقعان تحت نفوذ أمريكي متشدد يأخذ طابعا أمنيا واستخباراتيا صارما، وعليه فإن طبيعة التعامل الكويتي الرسمي مع ملفات "الشبان المجاهدين" يتقصد انتظار ردود الفعل من الجانب الأمريكي، ولا يبذل أي خطوة محسوبة وجريئة يمكن أن ينظر إليها كإحدى نتائج العلاقة القوية بين البلدين خصوصا بعد نيل الكويت مرتبة "الحليف الاستراتيجي"· ومن بين نمط العبث الرسمي في تقدير الكثير من القضايا المهمة والخطرة، التعامل مع "المجاهدين" على أنهم غير أسوياء وأصحاب تصرفات خرقاء، وأنهم لا يستحقون تحريك آلة الدبلوماسية والسياسة للمطالبة بهم، وأنه من المفيد قضاء وقت طويل في مراكز التحقيق أو السجون في البلدان التي اختاروها حتى يتعلموا درسا للمستقبل!!
ملف "مجاهدي" العراق وأفغانستان الكويتيين إشارة واضحة على نمو بذور التطرف الفكري في الكويت، وربما لا يعبر العدد الضئيل في نظر البعض الذي جال في تضاريس أفغانستان، ومتاهات العراق ووصل بهم الأمر الى زنزانات قذره ومكتظة أن وراء هؤلاء منظرين امتهنوا "غسيل الدماغ"، وهم للمصادفة ليسوا شبانا بل رجال يظهرون علينا بأفكارهم الخطيرة في الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت، ينطقون بكلام لا علاقة له بأي مصلحة بأرض الكويت وأهلها، وتعلم الحكومة خطورتهم لكنها تلجأ في كلامها دوما الى التهوين من شرهم، لكن إجراءاتها أحيانا تنم عن خوف وتحسب، وخير مثال رفع درجة التأهب في وزارة الداخلية لحماية احتفالات إخواننا المسيحيين بأعياد الميلاد مطلع الأسبوع الجاري·
الحكومة ممثلة بوزارة الداخلية وحدها التي تتعامل مع هذا الملف، وغاية ما يمكن تقديمه لخدمة الأمن الحقيقي للمواطنين هو التحقيق مع "العائدون" من العراق، ومستقبلا من غوانتانامو، أي أن المسألة في النهاية هي الحصول على معلومات!! وتغيب في ذلك المعالجات الصحيحة والسليمة التي تعتمد على الجوانب الفكرية والدينية والاجتماعية والنفســـية، فكل أجهزة الدولة الرسمية والشعبية الرديفة قيض لها الاسترخاء وتسليم "الخيط والمخيط" الى جهاز أمن الدولة!
لقد خطت دولة كاليمن خطوة بالاتجاه الصحيح في هذا الإطار، وما أكثر أصحاب الفكر المتطرف هناك ممن لحقوا بسراب بن لادن، والحكومة اليمنية اليوم تدير حوارا دينيا وفكريا واجتماعيا بالعلن مستخدمة رجال دين وسطيين وقضاة معروفين وشخصيات اجتماعية مرموقة يواجهون هؤلاء الشبان المغرر بهم، ويعلمونهم جادة الصواب، فأين نحن من التجربة اليمنية، وماذا ننتظر من أحداث أكثر مما حدث لنقوم بتفعيل مؤسساتنا لمواجهة متنوعة للتطرف·
إن وزارات الدولة ومؤسساتها وجمعيات النفع العام ذات الصلة بالشأن الاجتماعي والفكري مطالبة اليوم بتقديم خطة لمواجهة (العائدون من الجهاد)، ومواجهة تطرف الداخل عبر غرس مفهوم المواطنة والوسطية لا أن ينفرد جهاز الأمن بالعلاج فتلك هي الطامة الكبرى·
آلية الحوار يجب أن يتم البدء في تطبيقها عبر وسائل الإعلام المختلفة، والأكاديميون والمثقفون عليهم اليوم أكثر من أي وقت سابق تنظيم صفوفهم لمواجهة أفكار التطرف التي وصلت حتى الى مفردات الحديث اليومي، ويتساءل المراقبون عن دور الجامعة والمدارس والمساجد، أين هي من هذه الحال·