كتب محرر الشؤون العربية:
بعد أن أوقف المجلس الإعلامي الأعلى المرئي والمسموع الفرنسي، بث قناة "المنار" عبر قمر يوتلسات الأوروبي بأيام قليلة، جاءت الخارجية الأمريكية لتعلن قناة المنار "منظمة إرهابية"·
الأسباب الفرنسية المعلنة وكذلك الأمريكية واحدة، وهي ذاتها الأسباب التي تروجها الأوساط الصهيونية منذ عام تقريبا، وملخصها أن قناة "المنار" اللبنانية تبث مواد تثير الحقد·
وتمتد هذه المواد حسب مصدر قضائي فرنسي من "التشهير العرقي الطابع والتحريض على الكراهية العرقية"، ونشر صور عنيفة تسيء الى الكرامة الإنسانية" وصولا الى آخر ما التقطه المجلس الأعلى للإعلام الفرنسي في مطلع الشهر الحالي حين لاحظ أن قناة "المنار" قالت في نشرتها الإخبارية بالفرنسية (2/12/2004) "أن الإسرائيليين يسعون الى منع القناة من إعلام المشاهدين في أوروبا بالجرائم التي تقترفها إسرائيل ضد الإنسانية في فلسطين المحتلة والعالم" وهو أمر قال عنه المجلس الفرنسي إنه يحمل عبارات قد تصل الى مصاف التحريض على الكراهية·
المخابرات تحذر
القرار الفرنسي أثار ردود فعل قوية في لبنان على صعيد رسمي وشعبي، وصولا الى حد المطالبة بمعاملة فرنسا بالمثل كما جاء في رسالة وجهها وزير الإعلام إيلي الفرزلي على أمين عام الجامعة العربية·
ومن فرنسا لاحظ د· هيثم مناع الناشط في مجال حقوق الإنسان أن مجلس الدولة الفرنسي الذي أصدر قرار وقف بث "المنار" خاضع لتنازع طرفين، أحدهما يمثل المصالح الوطنية الفرنسية والثاني تقوده المؤسسات الموالية لإسرائيل، وجاء في تحليل نشرته صحيفة "الانتقاد" ذات الصلة بحزب الله اللبناني الذي يقف وراء "المنار"، إن القرار الفرنسي يمثل إحدى الهجمات الصهيونية التي تستهدف الخطاب السياسي المقاوم، وأوردت الصحيفة مقتطفات من كتاب لمركز استخباراتي إسرائيلي جاء فيه "أن تلفزيون المنار وإذاعة النور وصحيفة الانتقاد، وعدد من مواقع الإنترنت، إنما هي قنوات إعلامية مركزية يشغلها حزب الله لبث رسائل تحريض ودعاية وكراهية موجهة الى جماهير عريضة في العالم العربي أو أن هذه الوسائل تستخدم أفلام فيديو وصورا وخطابات مع تقنيات متطورة ذات تأثير مذهل، وذلك من أجل تشجيع الكفاح الفلسطيني المسلح وتصعيد الأعمال الإرهابية وممارسة الضغوط على الأنظمة العربية المعتدلة المؤيدة للغرب، ويضيف الكتاب الإسرائيلي وفق ما أوردته "الانتقاد"، "وتقوم هذه الوسائط بتفعيل البث الدعائي الى الجمهور في إسرائيلي في محاولة للتأثير النفسي على وعيه، وزرع الخوف في أوساطه وإقناعه بالاستسلام والهجرة من إسرائيل·
الرئيس أمين لحود طالب بالتعاطي مع قضية "المنار" من زاوية موضوعية، ونقلت عنه "المستقبل" (14/12/2004) قوله برفض الضغوط السياسية لحجب الموقف اللبناني والعربي من الأحداث الراهنة عن الرأي العام الفرنسي، ودعوته الى موقف عربي واحد لمواجهتها نظرا للخلفيات السياسية التي تتحكم في هذه القضية"·
المقاومة على اللائحة السوداء
على صعيد آخر، كان ناطق باسم الخارجية الفرنسية، في تصريح نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط (10/8/2000) قد قال مع بدء تداول قضية المنار بدفع من المنظمات الصهيونية في فرنسا، "أن أحدا لا يستطيع التشكيك في تصميم فرنسا في مجال مكافحة العنصرية ومعاداة السامية"، وجاءت هذه الإشارة لتوضح الإطار الجديد الذي بدأت توضع فيه قضية "معاداة السامية" إذ انتقلت من "العداء لليهود" كما كان مفهومها في الماضي، لتشمل كل قول أو فعل يمس الهيمنة الصهيونية، بما في ذلك انتقاد السياسات العنصرية الإسرائيلية، أو إقامة المستعمرات في الأراضي المحتلة، أو هدم بيوت الفلسطينيين وتجريف الأراضي، وقتل الفلسطينيين، وهو التكييف الجديد الذي أطلقه قرار الكونغرس الأمريكي قبل بضعة أشهر الذي اعتبر أن كل مقاومة للجرائم الصهيونية في فلسطين وغيرها نوع من "معاداة السامية" التي يعاقب عليها القانون الأمريكي·
قضية منع بث قناة "المنار" في القضاء الأوروبي لا تخرج عن هذا الإطار الذي حدده قرار الكونغرس وطالب الولايات المتحدة وأجهزتها الرسمية بتطبيقه أينما وصل نفوذها، وقد كشف الكاتب الكويتي "عمار تقي" في مقال له على شبكة الإنترنت عن تقرير قدمه الباحث "آطي جورش" من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الى وزارة الخارجية الأمريكية حمل عنوان "منارة الكراهية"، وهذا المعهد مرتبط بالمنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة، ويعد أحد المراكز التي تعتمد الخارجية الأمريكية على تقاريرها في تقرير توجهاتها·
يصف هذا التقرير الذي ينسب للكاتب نشره الى موقع "باحث للدراسات" على شبكة الإنترنت، أن قناة "المنار" تساعد على نشر الراديكالية في المنطقة وهي وسيلة إعلامية مهمة بيد منظمة إرهابية، وأن تأثيرها يشكل تهديدا مباشرا للمصالح الأمريكية، ثم يقترح عددا من الإجراءات التي يرى أن على الإدارة الأمريكية اتخاذها ومنها: جعل أعمال "المنار" أصعب وأكثر كلفة، وأن تضع وزارة المالية الأمريكية القناة على لائحة معاقبة الإرهاب، وتراقب الحسابات المصرفية للمعلنين فيها، وأن يقنع الدول التي تستقبل "المنار" بإغلاق مكاتبها، وتشجيع مقدمي عروض برامج الأقمار الصناعية الأمريكية والأوروبية على إزالة المنار من برامجهم·
من الواضح إذن أن قضية المنار تقع في إطار سياسي أولا وقبل كل شيء، ويتعلق هذا الإطار بالمفاهيم الجديدة التي تبثها آلة الدعاية الصهيونية - الأمريكية التي توسع مفاهيم "الإرهاب" وتشمل كل عمل أو فكر يقاوم ما ترتكبه إسرائيل من جرائم، بالترافق مع توسيع مفهوم "العداء للسامية" التقليدي الذي تبتز به الصهيونية السياسيين الغربيين والرأي العام، ليشمل كل مقاومة للسياسات والمخططات الصهيونية في المنطقة العربية·