كتب برجس النومان:
تفاجأ كثيرون بما ورد في تقرير جهاز خدمة المواطن من حشد وتوصيف للفساد المستشري في "الجهات الحكومية" وتحدث عن "الرشوة"، والواسطة، والمحسوبية·· إلخ، البعض يحسبه جهدا خاصاً قام به جهاز خدمة المواطن من خلال تتبع مباشر للفساد وأوجهه في الجهات الحكومية في الكويت، إلا أن الحقيقة أن مثل هذه التقارير هي في مجملها وصفات جاهزة تقدمها أجهزة الأمم المتحدة والمنظمات التابعة، ويستفيد منها عدد من مراكز الأبحاث العالمية وتكلف الدول عشرات بل مئات الآلاف من الدولارات، دون تحمل أية خصوصية اجتماعية أو ثقافية للدول موضع الدراسة فقط تغيير مسميات، والاستبيان أيضا أسئلة معدة سلفا ولا تحمل خصوصية ما·
صحيح أن الفساد هو فساد في أية دولة من الدول ولكن له أوجه كثيرة وكذلك وسائل وطرق علاجه تعتمد على النظام العام والمؤسسات القائمة في أي دولة من الدول وكذلك القيم والأعراف، ومن هنا فالتقرير لم يأت بجديد ولم يسم الأشياء بمسمياتها ولم يحدد الجهات المحلية التي يستشري فيها الفساد أكثر من غيرها وكذلك الجهات التي تقود هذا الفساد وتعممه أو تغطي عليه·
إن محاولة تحميل الموظف عبء تفشي الفساد هو القصور في حد ذاته، وهذا إن حصل في بلد من بلدان العالم الثالث حيث اتساع رقعة البلاد وتدني دخل الفرد فإنه في الكويت يجافي الحقيقة، لأن القيادات الإدارية والسياسية والنواب هم المسؤولون عن الفساد بالدرجة الأولى، ولا يصح إغفال هذه الحقيقة·
إن التقرير أشار إلى عمليات الخصخصة ودورها في استشراء الفساد في إطار التحول من الاقتصاد العام إلى اقتصاد السوق، وما يرافق ذلك من أوجه كثيرة للفساد وشراء الذمم وبيع أملاك الدولة والمجتمع قاطبة بأبخس الأثمان لقلة قليلة، ولا تلبث هذه القلة أن تتحول إلى غول يمارس الاحتكار ومن ثم يزيد أسعار السلع والخدمات، فيخسر المجتمع والدولة لخسارته موردا وخدمات وإن كانت غير ربحية بالشكل المنظور إلا أنها في واقع الحال ذات ربحية اجتماعية كبيرة لتوزع مردودها أولا بأول على قطاعات المجتمع المختلفة·
إن الحديث عن توسيع القاعدة الانتخابية وإعطاء المرأة حق التصويت هو أمرٌ ليس بجديد فهو مانشيتات دائمة في الصحافة الكويتية منذ أكثر من عشرين عاما·
إننا بحاجة فعلية أن تبذل الجهات والأجهزة الحكومية وغيرها جهدا خاصا لدراسة أوجه القصور والفساد في الجهات الحكومية وغيرها بالاستعانة بعناصر ومراكز أبحاث محلية تشخص الداء وتحدد مواقعه وتصف العلاج من خلال وعي كامل بواقع المجتمع وخصوصيته، أما الوصفات الجاهزة كالأسبرين، وإن كانت صحيحة في مجملها ويمكن إسقاطها على أي مجتمع نام أو آخذ بالنمو فإنها تختلف عن الدراسة النابعة من المجتمع ذاته ومؤسساته وأفق تفعيلها وتطويرها·
أما تحويل جهاز خدمة المواطن إلى جهاز للرقابة الإدارية تابع للسلطة التنفيذية وهو الذي بدا أنه هدف الدراسة فهو مصادرة لدور مكمن الإصلاح الحقيقي المتمثل بديوان المحاسبة التابع لمجلس الأمة، لأن جهاز المحاسبة يجب ألا يقتصر دوره على الحسابات والرقابة المالية المحاسبية بل دوره أشمل وأعم، وتبعيته للمؤسسة والسلطة الشعبية المتمثلة بمجلس الأمة أهم وأنفع وأجدى بل المطلوب إلغاء جهاز خدمة المواطن والاكتفاء بلجنة العرائض والشكاوى بمجلس الأمة والتي أنشئت لهذا الغرض، وكذلك تفعيل دور المحكمة الإدارية·