من يقنع الساحرة؟!
نشمي مهنا
لقاسم حداد سحر خاص، وساحرات يوشوشن بقلبه الأسرار، أحيانا يبوح بالإشارة إن حوصر بالليل وبالشوق وبالهذيان·
أحيانا يومئ الى منازلهن البعيدة إيماءة مضللة·
أحيانا يرخي غلالات شفافة زرقاء على خدورهن·
أحيانا يلمِّع زجاجات المعنى إمعانا في الخديعة، كأنه يقول: الزجاج النظيف جدا، كالمرايا الصادقة جدا شرك لن ترى فيه سوى ملامحك·
***
في ليل "مدينة حمد"، يقيم قاسم كل مساء حفلا لزائرته الساحرة، حفلا صاخبا لا يُسمع إلا بالقلب وفيه، ولا يُرى إلا بما يترك من أثر على وجهه وعينيه من ذهول صباحي·
منذ عقود، بدأ قاسم حفله السريِّ هذا، واعتاده، ولأنه صخب لا يُسمع ولا يُرى، ولأنه هادئ وحيي، تُحس موسيقاه كحقيقة وتتسرب الى العمق كإيمان، أحبّته المدينة والمنامة والبحرين، وعشقه الخليج كابن بارٍ بالمغامرة، محرض على كسر الرتابة والتقليد، وآمنت بتجربته عواصم عربية أخرى، سَمِعَتْ ما أملت عليه الساحرة من مشاغبات وتجريب ووصايا·
إصدار قاسم حداد الأخير "أيقظتني الساحرة" لا يُعد تشهيرا بالصبية الحسناء الساحرة، ولا إعلانا عن مكامن سرها أو عناوينها، ولا استسلاما لفتنتها أو إغوائها، هو "دفتر شعر" وجده قاسم - ذات صباح صيفي مبكر - قرب وسادته، وتذكّر أنه (ما بين النوم والصحو أو على آخر أبواب النوم وأول عتبات الصحو) دوّن هذه الكلمات، ناقلا أحاديثها الليلية·
من أحاديث الساحرة أنها كشفت له مرة نبأ الفقد في العشق، لم يسألها قاسم إن كان في امرأة أم بلاد أم كتابة، وكان يتعمد ذلك، ليتكاثر في الفقد ويدخل كل مغاراته:
أوقفتني في الفقد وقالت:
اعلمْ أنها ستأخذك الى المجرّات،
واعلم أنك لن تعود،
واعلم أن عشقاً كهذا
لا يصادفه الشخص مرتين·
صديقك قلبك، فاتبعه،
لا تسأله ولا تعصه·
تتعدد ضمائر المخاطبة في الدفتر، يغلب حديث الساحرة فيه، لكن لقاسم حديثا ونداءات ومطالب يوجهها لها، وحديثا آخر عنها:
تفصحين بالرمز مثل اللغة
فالحروف مكشوفة لك،
تضعين القميص وتخلعين الإشارة،
وتضللين الكتابة بدلالة الغيم،
فلا ينال ذهبك الأزرق سواي·
الآن، إذن، عُرف مصدر أحاديث الشعر التي - دوما - يفاجئ بها قاسم اللغة، ويصدم قاموسها، ويزيد كتّابها وأهلها حيرة وشكوكا بوجود أماكن سريّة، مجهولة وقصية، يغترف منها ماء الكلمات (بعدد حروفهم العربية نفسها!) والصور والرؤى والتراكيب·· والشعر·
الآن، بعد "أيقظتني الساحرة" عُرف المصدر، لكن من يستطيع إقناع هذه الساحرة كي تبوح له بالحديث السري·· غير قاسم؟!
nashmi@taleea.com