رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 18 شوال 1425هـ - 1 ديسمبر 2004
العدد 1655

ضمن الأنشطة المصاحبة لمعرض الكتاب
الخليفة يكشف "سر البئر" والشحي شعريته الصوفية والصحيح رياح العاطفة

               

 

كتب المحرر الثقافي:

ضمن برنامج الأنشطة الثقافية المصاحبة لإقامة معرض الكويت للكتاب في دورته التاسعة والعشرين أقام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مساء السبت الماضي أمسية شعرية لثلاثة شعراء دخيل الخليفة (الكويت) ومحمد عبدالكريم الشحي (سلطنة عمان) وجاسم الصحيح (السعودية)، تنوعت فيها لغات الشعر واتفقت في أغلبها على هموم عامة مشتركة·

بدأ الأمسية الشاعر دخيل الخليفة الذي اختار تفعيلته الجميلة في النص "حضر قصيدة جفلت من الأشباه" وهي من نصوصه المكثفة بالمعنى والمصاغة بلغة شفافة ومركزة مناسبة لمعاني النص، وإن بدا في مواضع منه بعض اللعب اللغوي، وهو في هذا النص عاشق متجلٍ في سماوات معشوقته الأنثى، أحيانا يخرج عن السطر ويعود إليه، ويمازج بين وجهي الحبيبة والبلاد، ويوحد بينهما:

هذا حصاد الضوء

حضر قصيدة جفلت من الأشباه

غصن مثقل بالطيش

نهر صاهل بالدفء

رمان البراءة

صرخة الطفل المباغت

آخر النبضات يهدلها الحمامُ

دخيل أول المبتهجين بجمال مولودته القصيدة هذه، لذا هو يبعدها عن التشبيه أو أشباه الشعراء، ويعلي من منزلتها، حتى يستطيع تحميلها بمعان دقيقة، عن طفولته وأمه وحبيبته وملاذه وتشتته والمختزلة لكل ذلك:

لا تتركيني باحثا عني بفضفضة القميص الأزرق اللاهي بوردته

مللت من التبعثر بين أقنعة الملوك

وعلقيني بين رمشك والحنين

ورتبي فوضاي

في همس الأصابع كي أقاسمك الضلوع

نعيد أعشاش الشموس لغصنها المياد

يختم دخيل نصه باحتمال يعيدنا للبدء والدوران من جديد في فلك القصيدة ومطالعها ومعانيها والشك في وصوله الى مقر:

من يطرق الباب؟

احتمال أن ألون أنا!!

وأنت المستحيلُ

وفي نص آخر "لا أحد ينظف الهواء" المهدى الى صديقه الشاعر العراقي أحمد عبدالحسين يتخلى الخليفة عن لغته الشعرية، لا لاختلاف الشكل الفني، وغياب موسيقاه، لكن لطغيان المعاني السياسية الصارخة وعلو الصوت الاحتجاجي الحاد الذي يحيد صاحبه الى لغة النثر العادية والجافة، الموصلة للمعنى فقط:

دم ينزّ من ثلاجة بلا أبواب

هذا الذي نقرؤه في الشارع

غير مجدٍ أن نوبّخ الوقت إذن

الوقت الذي أفرز بيادق الشطرنج

من أربع جهات ينتهك الوميض

الأرض جبنة طرية

في زمن البقرة الضاحكة!

يوجّه دخيل خطابه الى الشاعر العراقي عبدالحسين مذكرا إياه ببعض الأفكار أو التحليلات السياسية الإخبارية، ومعترضا السياسات التي تتخذها بعض الدول العربية تجاه مستقبل العراق:

وكان حلم جارتك الأمريكية جدا

جارتك التي ترضع أطفالها من ثدي واحد

أن تنكسر يداك··!

يغامر دخيل الخليفة كثيرا في إقحام مثل هذه الأفكار والآراء السياسية الشخصية في نص يفترض به الشعرية، ليحيله الى خطاب نثري أو بيان صيغ بلغة استهزائية لا تُحتمل·

ثالث نصوص الخليفة كان "خيبات لا يربطها سوى الوطن··!" والذي غلب عليه هم شخصي واحد، وبلغة أقرب للنص السابق وإن أخف·

 

الشحي.. لو كان!

 

الشاعر العماني محمد عبدالكريم الشحي شارك في نصه الأول "رحيل في سريرة الياقوت" وهو مقاطع متنوعة مهداة الى رابعة العدوية والمعري وبديع الزمان النورسي· وللشحي - في قصائد التفعيلة - مقدرة واضحة على كتابة النص الغني بقاموسه وشعريته:

هنالك خلف هذا التلِّ من يغفو

سيبزغ مثلما فرس من الأرواح

إن نشيج مزمار الرعاة نشوره القاني صهيلُ

ما زال يعثر عطرك المسحور في قمصان غافتة

المهيبة في شمال الحزن

هيّا·· كي ترتّب سلة الإعمار

ما عاد الزمان يمدّنا بالدرب

كي نصل المزار

وليس في خيل الغزاة

نمارق الآراء

ليس بها الرحيلُ

أكثر نصوص الشحي تغلب عليها روح الصوفي ورؤاه وعباراته، والى المعري يهدي:

لم أزل طازجا منذ أولى الرغائب في الحمأ الفجِّ

تسكنني رغبةٌ لاكتشافي

أقلِّم أسئلة الشكِّ قبل تصلُّب أظفارها في دمائي

كأني في مشهد البدء وحشية روّضتها الفنون

وفي إلقاء مميز أداء وصوتا يقول الشحي:

ما زلت مزكوما برائحة انعزالي

حيث يحرسني من الناس الزكام

ذاتي سمائي··

والهموم بها ملائكة كرام

والناس تمحو الناس حولي··

ها هو المنسوخ يلبس وجه ناسخه

ويختلف اللثامُ

أتأمل الأشياء من أقصى الحنين

وكلما حاولت وصلا

وألقى قصيدة "آخر أغنيات مزمار عائشة"، لكن الشحي ينتقل الى القصيدة العمودية في النصوص الأخيرة، وهنا يخفت ألق الشعرية رغم تمكنه من كتابتها إلا أن منطقته الأوسع والأغنى كانت في تفاعيله·

 

الصحيح.. والأنثى

 

الشاعر السعودي جاسم الصحيح قرأ بعض القصائد العمودية في التغزل بالأنثى وأدار تساؤلات وجودية في تفعيلة "رياح فلسفية"، لكنه لم يوفق كثيرا في الأمسية قد يعود ذلك لنوع النصوص الشعرية المختارة ولتشابه مواضيع قصائده، والصحيح رغم ذلك هو اسم مهم في المشهد الشعري الشبابي في الخليج، يقول في "رياح فلسفية":

مغلولة بالهم روحي··

كلما أوغلت في المجهول أكثر

زادني علما بأني الخاسر الأزلي··

فاستقصيت تكويني

أعدّد ما خسرت من العناصر

وانثنيت أحارب الخسران بالنسيان

في عبثٍ

فيخذلني الحسام

وهناك أغمس حيرتي في رغوة الضحكات

ممسوسا أمشط شعر ذاكرتي··

فيخمد في دمي كهلي ويشتعل الغلام:

كل الذين على سفينة (نوح)

كانوا أصدقائي··

ها هنا في خاطري

أسماؤهم يقظى

وأرقام الهواتف لا تنام

كيف انتهيت الى سراب جامح

وتجعدتْ فيّ السماءُ

وصار حلمي ذو المعارج لا يقوم له قيام·

 

مقاطع من "آخر أغنيات مزمار عائشة"

 

لو كنت أعلم أنني

من دونما حزن أموت

····

····

لرميت أحبابي بدمعي وانحيت على دمي

كيف ارتمى رمد التمرد في جفون

أنينك النمطي

حتى صار ما كتبت أنامل ظنها يوما

كما جمر الملامة في بصيرتك النحيلة

يوم حنطها الأصيل

الآن يقترب الرماد من البكاء عليك

تبدأ شتلة الأرق الأخيرة في تقصي وجهك التمثال

يمعن قوسك المنحوت من خشب الوسامة في تنهده

ويغمرك المتول

لا أرض تكبر عن فصيلتها

ولا الذكرى بمنفاها الضرير تعود للمعنى

فهل ستلفق الأوطان دمعتها عليك

وهل سينصفك الشتاء اليابس الشرفات

أو يستنطق الأزميل صلصال الرحيل

وتحفظ الحقب الطلول···؟

الآن··

تخرج من نحاس البدء شمس صباك

يلقي رمش غفوتها بيان الظل

ما من منسك عذب يرممها

وقد طليت جداول ركبتيها بالحنين الى سواك

وقد تدرج عاج صبوتها

فأصبح في المدى لججا

أباريقا تهاجر من حناجرها الخيول

الآن··

ينكسر الغرام البكر في رئتيك

حتى أن من سبروا ضفاف عيونها

وجدوا يقين الشك

في أعراس ليلاك التي أسميتها توت الكواكب

أين بسمتها التي سبقت حقول القمح

للفجر الذي يرتاد أمزجة النخيل

وهل يمر ببابها الرمق الرسول

الشام حسن أزرق

ويمامة هي خلف سرته تعلق شالها

في الكنه شفافا

وماء الضوء يمخر شالها

ليوزع الألوان في الدنيا

وما أسماؤها إلا تناسخ نجمتين

بحفلة الأمطار

يا لمجرة ما مسها الشغف الأفول

شبعت أنامل عابريك من السلام على اللغات

بسطرك الفلكي

وانزوت الحروف المستقيلة

من نحيب الأبجدية

في معاطف مرمر الماضين

والأحلام تنصب خيمة الكلمات

في عصب الحمامة

كي يرتلها الهديل

ما زلت ذاك الطفل

من قسماته

قد صالحت لبن الينابيع الرضية

لا تزال بك الطفولة

تبتني سكك السماء

وفي يديك حمائم الفرح المعلب

من هدايا البحر

صوتك لا يزال معلقا بالنخل

حين بكيت ولاأطفال في

كوخ السكينة

والصبايا كن يحملن البكاء على الرؤوس

لعل عائشة الرطيبة

غابات المدائح

أو تغمر في فخار الكون باقات الوضح

هي تلك عائشة التي نامت وراء التل

قد جاءت لتأخذ من دموع القش من عينيك ما

أغراك بالطوفان

تأتي مثل فاكهة المنام

رفيفها نسغ المكان

وحزمة الأوطان في يدها هي السر الخجول

اليوم تعلم ما الذي يعنيه ما كتبته

في كراسة الدرس البعيد بحصة الإنشاء

ملح ظنونها ما ذاب إلا في

نباح دمامل النسيان في شريانك الغافي

من أي محبرة تزم صغيرة شغف الكناية

بالترمل عن حقيقتها؟ وهل فقهت

ضفائرها مزاولة الفنا؟

أم أن عرس ملائك

أوحى لخاتمها الكلام فقال إصبع حدسها:

لو كنت أعلم أنني من دونما حزن أموت

لرميت أحبابي بدمعي وانحيت على دمي

عد واتحد بي ساعة

طف مرج أضلاعي

وخذ قصب الخواصر ثم

هبها للرعاة

كي ينفثوا في روعها المشلول مزمارا

يعيد لنا

لعائشة الرطيبة

للقرنفل في زنازين الدعاية

للتنرجس بالحقيقة

للعثور على منابت عفة الأنوار في دمنا

وللمسرى

تعيد لنا الحياه

من قبل أن ترث الحناجر قهوة الناعي

ويرجمنا بأدمعه القتيل

 

محمد عبدالكريم الشحي

طباعة  

وتد
 
"العربي" تفتتح ندوة "حوار المشارقة والمغاربة"
جسر من التواصل في القضايا الفكرية والأدبية والفنية

 
المرصد الثقافي