بقلم: خالد الحربي
القمر، الشمس، الأنهار والأشجار، الطبيعة الخلابة والكون بأسره·· كل شيء جميل ورائع يرتسم أمام مخيلتي في هذه اللحظات السعيدة·
بعد زواجها وإنجاب أول مولود·· بدأ شعورها وغريزتها وكأنها هي الأرض التي خرج من أعماقها ذلك البرعم الصغير، تلك الروح التي خرجت من رحمها وروحها، وامتزاج دموع ألم السعادة بنزوله مع بكائه وصراخه·
أبدا لم تبالغ في وصف إحساسها حين رأت ملامحه·· شعورها الداخلي وفطرتها كأم حنون، يشعر أنها هي الشمس بحرارتها ودفئها، كذلك الأوكسجين الذي يملأ الدنيا·· خارجا من رئتها إلى رئة مولودها الأول والثاني·· والأخير·· الخامس·
كعادتها مثل كل مساء شبه بارد وجاف·· وبعد الغروب بساعات تطلب من ابنتها، إطفاء أنوار غرفتها وإشعال شمعة وحيدة·· الشموع هي كل ما تملكه بعد أن فقدت رفيق دربها وشريك حياتها·
اعتادت على فعل ذلك الأمر بشكل يومي من كل ليلة، قبل أن تسلم قلبها وعقلها المتعبين لسلطان النوم·
فعلت ابنتها ما طلبته منها ثم انصرفت تاركة الأم لوحدها·
ببطء ووهن·· وبسبب موجة التفكير المستمر·· تتجه نحو النافذة، تفتحها·· ثم تعود مرة أخرى وتجلس على كرسي خشبي هزاز·
أخذت تحدق في شكل القمر، لم تتعب وهي تطيل النظر فيه·· وبكل رقة وهيام، ابتسمت له، أحست وكأنه يبادلها تلك الابتسامة وذلك الشعور المتدفق·· بحب ولهفة لحنين ذلك الماضي، رفعت شالها الأسود من على رأسها·· ابتسمت مجددا، شعرت وكأن همساته ممزوجة مع رائحة أنفاسه، كأنهما يعانقان روحها ويضمانها إلى صدره· أجل·· كيف لها نسيان ذلك الصوت الرخيم، وأيضا عبق الحب الذي لا يزال يغفو في أعماق صدرها·· كذلك ملامحه الطيبة وتقاسيم الزمن الذي يخالط شعره الأبيض·· لم تنس لمسة يده الرقيقة وهي تلامس بلطف شعرها المنسدل وكأنه لؤلؤ أسود·
مرة أخرى·· تعود بذاكرتها للوراء،لتلك الليالي الساحرة، والأيام الخوالي·· تتذكر·· كلما بكت أو ضاق صدرها من أمر ما، وجدت حضنه كملاذ آمن يستقبل دموعها قبل جسدها يواسيها، يعانقها، يبعثر حزنها، يزيل تلك الملوحة التي تخالط شفتيها·
يخاف عليها كثيرا، ولو كان الأمر بيده، لمزج دمه في شريان دمها·· كأنها زهرته البرية الوحيدة التي لا أحد في هذا العالم يماثلها·· يعشق شم رائحتها وتمايل غصنها اليانع من نفح زفراته··كأنه الماء الذي يتغلغل بعاطفة جارفة، في أعماق أعماقها·
بصمت وبحرقة·· بكت·
خالجت روحها رائحة ثيابه وهي تعانق تلك الثياب من غير وجود جسده·
نهضت بوهن مثلما جلست، لملمت نفسها وانطوت بجسدها فوق جمر فراشها·· زفرت بقوة تعب عمرها، تنهدات مؤلمة تخرج بشجن مشحون عبر الشارع، آهات خافتة تدور مع ساعتها المعلقة على الحائط·· توقفت عقاربها عن الدوران، بعد توقف شريط ذكرياتهما معا·
حينها، أخذت تسأل في قرارة أعماقها:
- أين أنت؟·· لماذا رحلت عني؟·· أحتاج لنور عينيك لتمزق هذا الظلام الحالك·
تحتاجه الآن، بل وأكثر من السابق وفي أي وقت مضى، تشعر بظمأ رهيب يفتت بقايا تلك الأغصان التي لم تورق بعد·
مع كل إشراقة صباح، وعندما تلامس أشعة الشمس جسدها النحيل·· لا تنسى مرورها على طبيبها الخاص، والذي تعتبره مثل ولدها·· اعتادت على إلقاء تحية النهار والتحدث معه بعد انتهائها من وخز إبرة السكر·
الحمد لله·· أنت بصحة جيدة أمي، لا شيء مما ذكرته، قلبك سليم أفضل من قلبي·
- ولكن يا ولدي·· أشعر بتعب شديد ينتابني بين فترة وأخرى·
- يا أمي الحبيبة·· الفراغ والوحدة في هذه المرحلة من العمر حرجة وصعبة·
المسكينة·· كانت تتصنع المرض، فقط تريد الهرب من عزلتها الخانقة، تحاول الهرب من تلك الدائرة التي تضيق برقبتها·· رأت في ذلك الطبيب، تنفيسا وخلاصا من تلك العذابات التي تؤرق مضجعها، لا تدع لعقلها مجالا للراحة أو التوقف عن التفكير·
قطع عليها لحظة سهوها بابتسامة مرحة قائلا:
أحبك كحبي لأمي، وكلما رأيتك عندي أتذكرها، مع إنها لا تفارق مخيلتي دقيقة من عمري·· بالأمس هاتفتها، شعرت بارتياح عندما سمعت صوتي·· آآه·· أنت تعلمين يا أمي، الغربة مرة جدا ولا تطاق·
بادلته إحساسه بغربته، تبتسم بابتسامة باهتة·· لا يعلم بأنها في كل نهار وليل، تتذوق طعم تلك الغربة ومرارتها، التي لا تفارق لسانها وأيضا·· غربة قلبها·
طلبت منه الاتصال على ابنها من خلال هاتفها الجوال، والذي اشتراه لها أحد الأبناء، كي تستعمله عند الحاجة، فهي لا تعرف كيفية استخدامه·
أمسك الطبيب بالجهاز، يسألها ببهجة:
من هذه العين وهذه العين·
- ستجد اسم "عبدالله"·· أرجو أن تتصل به·
ولكن يا أمي الذي أعرفه عنك بأن ليس لديك ابن بهذا الاسم·
- إنه سائقي الخاص الذي يعيش معنا منذ فترة طويلة·· سترى في الهاتف رقمين، الأول خاص بذلك السائق والثاني، رقم ابنتي "رحمة"·· تلك الفتاة التي أتت لخدمتي ورعايتي، هي الأخرى، تعمل في المنزل منذ زمن طويل·· فأنا أعتبرهما أبنائي·
المعذرة أيها الدكتور·· فأنا لم أر من خرجوا من رحمي منذ أشهر بعيدة·· أعرف متى سأراهم ثانية أمامي وهم يغدقون علي الهدايا·
في اليوم الذي يحتفلون فيه من أجلي من كل عام·· "عيدالأم"·· هذا فقط الذي أعرفه، يبدو أني لم أخبرك بحكايتهم معي أليس كذلك؟
ارتسمت الحيرة والدهشة على ملامح الطبيب·· وضع نظارته جانبا، أخذ يبحث عن رقم السائق، وبدون صعوبة·· وجد رقم "عبدالله"·