رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 27 رمضان 1425هـ - 10 نوفمبر 2004
العدد 1653

مصر نحو توريث السلطة لجمال مبارك

القاهرة - الطليعة - خاص:

لم تعد مسألة توريث السلطة في مصر الى الابن موضع نقاش، فقد تم الإعداد لها طيلة السنوات الأربع الماضية في الخفاء تارة وفي العلن تارة أخرى أي منذ العام 2000 حين أعاد الرئيس حسني مبارك هيكلة سكرتارية الحزب الحاكم، وعين ولده جمال رئيسا للجنة فيها تدعى لجنة الشباب والتنمية، هذه هي خلاصة تقرير نشرته "الديلي ستار" في الأسبوع الماضي بقلم للباحث في العلاقات الدولية "جوشوا أ· ستاشر" من جامعة سانت اندروز البريطانية·

هذا التقرير الذي فصل رحلة الابن جمال نحو السلطة، أو نحو قمتها بالأحرى، يتحدى أول ما يتحدى ما صرح به الرئيس مبارك ذات يوم أمام عاصفة الأوساط السياسية المصرية والفكرية والصحافية التي هبت ضد فرض هذا المبدأ على النظام الجمهوري، فقال إن مسألة التوريث والحديث حولها مجرد "هراء" أي مجرد كلام فارغ لا معنى له، فنظامنا جمهوري، ولا وراثة ولا توريث فيه·

يو مذاك لم يصدق المعارضون، وواصلوا حملتهم وهم يرون بأم أعينهم المحطات التي تنقل فيها الابن المحظوظ بمجموعة التفت حوله وحول مطامحه، وبرعاية والده، وتتساقط عليهم كتب تؤلف على عجل وتنشر حول الشخصية "القيادية" لجمال الابن، وحول ما يأمله المصريون من بركات قادمة على يديه·

البسطاء من الناس تصوروا أن مسألة التوريث ستتم بإعلان أو فرمان سلطاني كما كانت العادة في القرون المظلمة، ولم يخطر ببالهم أن ثمة آليات جديدة ستتخذ فيها مسألة التوريث طابعا شرعيا وقانونيا، فالحزب الحاكم سيولي "رئيسه" السلطة· هذا كل ما في الأمر، ولكن كيف أصبح الحزب الحاكم طوع بنان جمال وجماعته؟ وبأي ذريعة سيكون جمال مؤهلا لتسلم الصولجان؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، من المفيد العودة الى تقرير "الديلي ستار" المحتشد بالمعلومات، لنبين كيف تمت عملية "التأهيل" بوسائل متعددة، تبدأ بثني قضية الإصلاح التي تطالب بها كل أحزاب المعارضة، أو اختطافها بالأحرى، ليصبح على رأسها تولية جمال وجماعته أمور السلطة في الحزب ثم الدولة، وتمر بإحداث تغييرات هيكلية في بنية الحزب وسكرتاريته، وطرد كل معارض، وتصل الى أعمال بلطجة كان آخرها اختطاف الصحافي رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة "العربي" الناصرية وضربه وتعريته ورميه في الصحراء و"هذه القضية أمام القضاء الآن"، وتهديده بالتوقف عن التطاول على "الكبار" أي على الوارث القادم·

 

حسابات سلطة

 

أن تكون ابنا للرئيس في أي "جمهورية" عربية الآن، فمعنى ذلك أن تكون صاحب امتياز، امتياز لا حدود له بالطبع، يبدأ من شؤون التجارة والأعمال ويصل ولا ينتهي الى سدة الحكم، وقد توفر هذا الامتياز لجمال مبارك، ومكنه من أن يدس نخبة مختارة جديدة وموالية لشخصه في مواقع الحكم، مع ذريعة مغرية، هي الالتزام بالإصلاح الاقتصادي، وتجديد بنية الحزب البالية، وهو ما سيتكشف عن أحداث إجراءات تلفت انتباه قوى الرأسمال الأجنبي إليه (إلغاء الجمارك على مئات السلع الاستهلاكية، ورفع الدعم الحكومي عن الوقود) لا انتباه المواطن المصري الذي لا يدخل في حسابات الراحل الى السلطة ولا جماعته، ويبدو من المفهوم بالطبع أن هذا السلوك سيؤمن دعما خارجيا يقف أمام أي تململ شعبي، تماما كما حدث في أيام السادات الذي دعم توجهاته باستيراد "البولوبيف" والقضاء على "خط بارليف"، وأطلق على انتفاضة ملايين المصريين لقب انتفاضة "الحرامية" بلا رادع من عقل أو ضمير·

 

الحزب الخيبة

 

إذا عدنا الى الوراء قليلا، الى فبراير من العام 2000، نجد أن إعدادا لتاريخ جمال مبارك كشخصية سياسية قد بدأ، وعلامة البدء كانت حين أعاد والده الرئيس حسني مبارك هيكلة سكرتارية الحزب الحاكم، ووضع ابنه رئيسا للجنة الشباب والتنمية، صحيح أن هذا لم يكن منصبا ذا شعبية واضحة، ولكنه كان خطوة الألف ميل كما يقال، وإن تبين أنها خطوة بضعة أميال لا أكثر ولا أقل في ظل وضعية دستورية ملائمة وقانون طوارئ يأبى أن يغادر، وبدعة الحزب الحاكم الذي هو حزب موظفين يحرصون على لقمة العيش قبل أن يفكروا بمن يتولى أمورهم، وجاءت فرصة الخطوة الثانية الأكبر حين ظهر أن الحزب الحاكم كان "خيبة" في انتخابات العام 2000 البرلمانية، بعد أن قررت المحكمة الدستورية، العليا في يوليو من العام نفسه وضع الانتخابات تحت إشراف القضاء لا أجهزة وزارة الداخلية، فتحولت الانتخابات الى استفتاء شعبي حول مصير الحزب، وظهرت "خيبة" الحزب حين لم يستطع الاستحواذ على أكثر من %39 من الأصوات، ونال 172 مقعدا في البرلمان رغم وسائل الترهيب التي اتبعها والرشاوى التي بذلها·

ولم يتمكن حزب الخيبة من زيادة مقاعده إلا حين انضم الأعضاء المستقلون الذين فازوا في الانتخابات إليه (181 عضوا) فصار يمتلك %87 من المقاعد، إلا أن عدم أهلية ومشروعية، هيمنة هذا الحزب الحاكم ظهرت الى العيان بهذه المناسبة·

وطلب جمال من والده تدعيم الحزب وإعادة هيكلته مجددا لاجتذاب الناخبين الشباب، فقام هذا الأخير بإعادة توزيع مناصب سكرتارية الحزب مرة أخرى في ديسمبر من العام 2001، ولكن هذه الهيكلة التي جاءت بمن أطلقوا على أنفسهم اسم الإصلاحيين "جماعة جمال" من أمثال محمود محي الدين، لم تدعم قاعدة سلطة جمال إلا اسميا، ولكن سرعان ما جاءت خطوات أخرى، أو فرص أخرى، حين انعقد مؤتمر الحزب الحاكم في سبتمبر من العام 2002، فتغير ميزان القوى لصالح جمال مبارك في مواجهة النخب العتيقة المتمترسة وراء خنادقها، فتحركت حملة مختارة بعناية ضد الفساد، فساد مناوئي ابن الريس بالطبع، من أمثال صفوت الشريف ويوسف والي، وكمال الشاذلي، وألقي القبض على رجال أقوى الوزراء، ومن الذين خدموهم طويلا، وأحدثت الحملة شللا في قدرة الأقوياء على معارضة تشكيلة الجماعة، نعني جماعة جمال الصاعد والصاعدة معه، وبهذه الطريقة تم تقليم مخالب النخبة القديمة، وتم تعيين جمال رئيسا للسكرتارية، السياسية التي تم ابتكارها لإعادة توزيع سلطة النخبة·

 

تقلبات أمام الهدف

 

وهكذا، ومع تمزيق علاقات السلطة القائمة، تخلق المجال في الطيف السياسي المصري الذي ستملؤه سكرتارية ابن الرئىس التي هيمنت بوساطة تقديم تشريعات ووضع أجندة مادعي بالإصلاحي الوطني، وتعزز موقع هذه السكرتارية ورئيسها مع صيف العام 2003 بتشريعات مثل إلغاء محاكم أمن الدولة العادية، وفتحت السكرتارية، ولجانها الفرعية "8 لجان" وبأعضاء المجلس السياسي الأعلى (125 عضوا) الفرصة لجماعة جمال لتقوم بتركيز سلطتها ضد مراكز القوى المتنفذة الأخرى، وظهرت أسماء أمثال محمود محي الدين وحسام بدراوي ومحمد كامل وراشد محمد راشد، كمستشارين وتكنوقراط مقربين من رئيسهم جمال، وتضخمت قدرة هذه الجماعة فأصبح بإمكانها اختيار أعضاء السكرتارية، غير عابئة بالنقد الذي كشف أنهم أبطلوا مفعول بعض من أفضل العقول المصرية، وهي تواصل طريقها نحو مركزة السلطة حول جمال مبارك·

بالطبع ظلت العناصر القديمة رسميا تدير شؤون الحزب وفق البنى التنظيمية بل عززت مواقفها في ظل توقعات عدم الاستقرار المحلي وغزو العراق فمع بدء غزو العراق شاع النقد الشعبي للرئيس مبارك واحتمالات توريث الجمهورية لابنه، بل رفع بعضهم مثل أحمد سيف الإسلام قضية في المحاكم اتهم فيها الرئيس بتعريض أمن مصر للخطر بعدم تعيين نائب له، وهو ما دفع الرئىس إلى العودة إلى قاعدة سلطته القديمة، مع عدم إغفال رعاية مشروع ابنه في "تطوير" الحزب، ليصبح حزبه الملائم حين تحين ساعة التوريث·

هذا الوضع هو الذي دفع بالرئيس مبارك إلى الإعلان أن حديث توريث السلطة في مصر هراء لأن نظامها جمهوري، وهو ما أدى موقتا إلى تضاؤل حضور جمال وجماعته في المشهد العام، وأعاد أعضاء الحزب القدامى تثبيت احتكارهم لشؤون الحزب، وتوقفت مناقشة إلغاء قانون الطوارىء وإجراءات الإصلاح الأخرى، ولم يحدث التغيير مرة أخرى، والذي أعاد ترتيب العلاقات السلطوية، إلا إثر زيارة الرئيس مبارك للولايات المتحدة للقاء الرئيس الأمريكي بوش في كروفورد في أبريل الماضي، فهنا وضع على أجندة الرئىس المصري ملف غزة الأمني، وتغير التوازن المحلي مرة أخرى مع أواخر حزيران يونيو في العام الحالي، وخلال إجراء العملية في ألمانيا لتعديل وضعية ظهر الرئىس طغت على وسائل الإعلام أخبار التغيير الوزاري المحتمل·

وبدأ تغير الأجواء مع نهاية رحلة ألمانيا، فتم إنزال صفوت الشريف عن عرشه وتم تحويله إلى رئاسة مجلس الشورى ممثلا عن الحزب الحاكم، وفقد بذلك وزارة الإعلام بعد أن تربع على عرشها طيلة 20 عاما، وبعد أسبوع تم إخراج والي بإحداث تغيير وزاري، وتسرب 8 من جماعة جمال مبارك إلى الوزارات، بل حتى رئيس الوزراء الجديد أحمد نظيف، وجد نفسه يأخذ دور مرافق لابن الرئيس في زيارة علاقات عامة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2003·

 

الجماعة في عزها

 

قد لا يكون من الدقيق اعتبار التغيير الوزاري الذي تم في يوليو 2004، كإحلال لوزارة "جمال" محل الوزارة المنحلة، ولكن ظهورتأثير جماعته "التكنوقراطية" الشغوفة باستظهار مقررات البنك الدولي والصندوق الدولي كان بارزا منذ اليوم الأول حيث قامت بتخفيف الرسوم الجمركية على مئات السلع الاستهلاكية وخففت الدعم الحكومي لأسعار الوقود - وجاء مؤتمر الحزب الحاكم بعد التغيير الوزاري وهذه السلسلة من الإجراءات "الإصلاحية" ليقطع الشك باليقين في من هو صاحب المسؤولية·

لقد كان جليا في ضوء التصريحات للصحافة والهتاف الحماسي الذي استقبل به جمال حين أنهى خطاب الافتتاح أن الجماعة عززت زعامة الحزب صحيح أن بنى الحزب لم تمس حتى الآن، إلا أن "رجالة" جمال هم الذين يديرون الحزب رسميا، في وقت بدأ يتلاشى فيه نفوذ العناصر الأقدم، لقد تم وضع الآلية الكفيلة بتغيير بنية الحزب لاحقا·

في هذا السياق، وبسببه أيضا، من الواضح أنه مع الانتخابات التشريعية والاستفتاء على الرئاسة في خريف العام 2005 فسيتزايد نفوذ جماعة جمال، وعبر الحزب كأداة على جدول أعمال العام القادم، وستساعدهم وستساعدها قيادة حزبها على ضمان قاعدتها بالدعوة إلى الإصلاح، وبالرعاية بالطبع، وإيجاد توليفة تجعل الإصلاح في خدمة الجماعة وراعيها، هكذا إذن، وبهذه الوسائل تأمل هذه الجماعة وزعيمها حسم قضية "الوراثة" بعد أن حولتها إلى مسألة قانوينة وشرعية لا هي سيطرة على حزب ولا تحريكه·

طباعة  

ماذا ينوي رئيس الحكومة أن يفعل؟
 
عن الـ 200 دينار والتخصيص والفائض
ملاحظات في الشأن الاقتصادي

 
"الطليعة" تنشر الرأي والرأي الآخر
ماذا يحدث في "الخليج للاستثمار"؟

 
الأحزاب الدينية تقاوم تنظيم جمع الأموال
 
الطبطبائي في الفلوجة!!
 
لحى عقارب
 
اعتقال عبدالرحمن اللاحم محامي إصلاحيي السعودية
 
استدعاء الناشط البحريني الخواجة إلى المحاكمة بشكل مهين
 
لأن الوزارة أضاعت ملفاتهم
هل تعلم يا وزير التربية أن مجموعة من المدرسين الجدد لم يتسلموا رواتبهم منذ بداية العام الدراسي؟

 
مسمار بلوح
من المسؤول عن "الجهاز"؟

 
عيدكم مبارك..
و"الطليعة" تحتجب

 
عدد "الطليعة" بـ 250 فلسا
 
فئات خاصــة