كتب عبدالله النيباري:
ثلاثة مواضيع ذات طابع مالي واقتصادي شغلت الرأي العام وطغت على أحاديث الناس وتناولها المسؤولون والمختصون وغير المختصين في نقاشهم وتعليقاتهم، وهي قرار مجلس الوزراء بمنح مئتي دينار لكل مواطن، وبيع بقية ما تملكه هيئة الاستثمار من أسهم الشركات الكويتية وفائض الميزانية·
وملاحظاتي حول هذه القضايا أبديها كالتالي:
أولا: منحة المئتي دينار
ما من شك أن منحة المئتي دينار لكل مواطن سوف تسر فئات كثيرة من المجتمع الكويتي خصوصا محدودي الدخل وعلى الأخص ممن لديهم عدد كبير من الأولاد، فمن لديه عشرون ولدا يأمل في الحصول على خمسة آلاف دينار يدير بها شؤونه أو يحل بعض مشاكله المالية·
إذن من ناحية اجتماعية قد يعتبر قرارا جيدا كعيدية أو زكاة أو ما الى ذلك، إلا أنها كقرار اقتصادي فيمكن اعتباره قمة في التخبط وقصر النظر والسعي وراء مكاسب سياسية آنية·
فهذه المنحة سيصرفها معظم المواطنين، إلا القليل منهم، فيما يمكن اعتباره إسرافا في الاستهلاك، ولن تغير أو تبدل من وضعهم الاقتصادي ولن ترفع مستوى معيشتهم، فهي في هذه الحالة ليست أكثر من جرعة كبيرة في الإنفاق الاستهلاكي إضافة إلى أن هنالك مشاكل تواجه آلية التوزيع التي لم يتم تحديدها قبل اتخاذ القرار، أحدها مثلا كيف سيتم صرفها لغير الموظفين والمتقاعدين، وهل سيقف التجار ورجال الأعمال في طوابير أمام البنوك حاملين بطاقاتهم المدنية منتظرين زكاة الحكومة؟ مشكلة أخرى هي أن أكثر الفئات احتياجا لن تصلها فائدة المنحة وهن المطلقات اللاتي يتحملن أعباء رعاية الأبناء بينما يتمتع الزوج الذي لا يدفع حتى النفقة بعلاوة الأولاد ونصيبهم من المنحة·
لو كان لدى الحكومة تفكير رشيد لأمكن استثمار هذه المنحة المقدر مجموعها بمئة واثنين وتسعين (192) مليون دينار في مواجهة الاحتياجات الاجتماعية كالرعاية الصحية والتعليمية والسكنية، كان بإمكان هذا المبلغ أن يبني أربعة مستشفيات بطاقة 300 سرير وبتكلفة 40 مليون دينار لكل مستشفى وفق المعايير العالمية على أساس 125 ألف دينار للسرير وبأرقى المواصفات، وكان ممكن بناء عدد 2 مستشفى + 10 مدارس ثانوية + 60 مدرسة متوسطة واتبدائية (لمعالجة الاكتظاظ في الفصول الدراسية)، وكان ممكن إنشاء مدينة سكنية بحجم أربعة آلاف (4000) وحدة سكنية بمرافقها·
كان ممكن معالجة الكثير من النواقص والقصور في المرافق والبنية التحتية، لكنه التخبط وقصر النظر والسعي لتحقيق مكاسب آنية·
وإذا كانت الحكومة تعتقد بأن ذلك سيوقف النواب من تمرير اقتراحاتهم بزيادة المرتبات فهي خاطئة إذ لا شيء يوقف تلك المقترحات على الرغم من أنها تناقض سياسة تشجيع تحول العمالة الوطنية إلى القطاع الخاص·
ثانيا: بيع هيئة الاستثمار ما تملكه من أسهم كويتية
لم أفهم ما هي الحكمة من وراء مثل هذا القرار أو التفكير في هكذا قرار لماذا تريد الهيئة التخلص من أسهم الشركات الكويتية؟ لا أدري؟
قيل في السابق بأن تدخل الهيئة في إدارة الكثير من الشركات والمؤسسات التجارية والاقتصادية هو عبء كبير فوق طاقة تحملها ومحاط بكم هائل من السلبيات ما أوجب التخلص من بعض الأسهم أو تقليص ملكية الهيئة فيها الى نسبة تقل عن %25 ما يضعها خارج إطار رقابة الأجهزة والمؤسسات الرقابية، وهذا ما تم في السنوات الماضية، ولكن تنظيف محافظ الهيئة من أسهم الشركات الكويتية أمر يثير التساؤل حول جدوى هذه السياسة·
فما دامت الهيئة تملك أسهم شركات أجنبية في محافظها فما الذي يمنع أو يحرم ملكيتها لأسهم شركات كويتية، خصوصا أن بعضها في وضع مالي واقتصادي جيد وتدر أرباحا أكثر مما تدره الكثير من الشركات الأجنبية، ثم إن طرحها في السوق قد يكون له سلبيات كثيرة وضارة، منها إشعال نار المضاربة أو العكس سيؤدي الى امتصاص السيولة في ظرف تتحدث فيه الأوساط المصرفية بأن البنوك وصلت حدها الأقصى في الإقراض·
أي أنها ستؤدي الى إذكاء نار التقلبات في السوق المالية ارتفاعا أو هبوطا مما قد يكون له تأثيرات مضاعفة بسبب المضاربة وليس لمبررات اقتصادية·
أما بشأن الاقتراحات في بيعها لمؤسسات التأمينات الاجتماعية فهو أيضا يثير التساؤل لماذا وكيف؟ لا أجد مبررا اقتصاديا لجدوى ذلك، ثم كيف سيتم تقييم أسعار الأسهم؟ هل بأسعار الأسهم السائدة في السوق؟ بهذه الأسعار تستطيع المؤسسة أن تشتري ما تختاره من أسهم دون حاجة لهيئة الاستثمار، أما إذا كان المقصود أن تباع بأسعار أقل من أسعار السوق، فأيضا ماهي معايير تحديد هذا السعر؟ وما مبررات ذلك؟ وأخيرا لماذا الدخول في كل هذه التعقيدات، لماذا لا تترك الأمور تسير بانسياب طبيعي وفق الأطر والقوانين والضوابط السائدة؟!
ثالثا: التصرف في فائض الميزانية
طرحت اقتراحات عدة بهذا الشأن هنالك من اقترح استخدام الفائض في مشاريع البنية التحتية أو الأساسية والمرافق، وهنالك من اقتراح باستخدامه لتسديد مديونية الاحتياطي العام لاحتياطي الأجيال وهنالك من اقترح أن يستخدم لتسديد مديونية الدولة لمؤسسة التأمينات الاجتماعية، وهنالك اقتراح بزيادة ما يخصم من دخل النفط لاحتياطي الأجيال ورفع النسبة من 10% الى 15%·
وبرأيي أن كل هذه الاقتراحات لا لزوم لها ولا مبرر ماليا أو اقتصاديا يدعمها· فالفائض المتوقع لميزانية 2004/2005 حسب تقدير الزميل جاسم السعدون حوالي 2,6 مليار دينار·
وحسب تقديرات بنك الكويت الوطني تتراوح بين 2 إلى 2,7 مليار مقارنة بفائض بلغ 1412 مليون دينار للسنة المالية 2003-2004، بينما يقدر ما وصف بمديونية الاحتياطي العام لاحتياطي الأجيال بحوالي 19 مليار دينار ومديونية الدولة لمؤسسة التأمينات الاجتماعية حسب تقدير جريدة القبس 6 مليارات يضاف إلي ذلك مديونية قدرها 2,8 مليار دينار·
أمام هذه الأرقام لايوجد أي مبرر لكل الاقتراحات التي تتقاذفها الحكومة والنواب وكان وجود فائض في الميزانية يعتبر مشكلة ينبغي التصدي لها في اعتقادي، لكن الأفضل أن تجري الأمور في مسارها المعتاد بحيث يتم تحويل الفائض لاحتياطي الأجيال سدادا للمديونية الشكلية، ويتم سداد مديونية الدولة لمؤسسة التأمينات حسب البرنامج المتفق ولا داعي لكل هذا الضجيج، أما مسألة الإنفاق على البنية التحتية فتتم وفقا لميزانية المشاريع التي للأسف لا يصرف لها ما يزيد عن 70 % في أحسن الأحوال·
وأما اقتراح الحكومة بزيادة نسبة ما يحول من دخل الدولة لاحتياطي الأجيال فلن يضيف شيئا، ولن يخفي حصول فائض في الميزانية إذا كان هو المقصود، فالفائض والعجز في الميزانية يحسبه الاقتصاديون والمحاسبون مرتين قبل تحويل النسبة إلى احتياطي الأجيال وبعدها الدخول في منافسة هكذا اقتراحات ما هو إلا مضيعة للوقت·
فتعديل القوانين وهوما تنطلق هذه الاقتراحات منه سوف يأخذ من وقت الحكومة ووقت لجان المجلس وجلساته ومن الأجدى أن يوفر هذا الوقت لما فيه جدوى وأن لا يهدر فيما لا طائل من ورائه·