· لا أحد تنبأ بالحرب كما هي عليه الآن.. ولا أحد أحسن قراءة الواقع العراقي
نيويورك تايمز - 20 أكتوبر 2004
في أوائل العام 2003، ومع اقتراب ساعة الحرب على العراق، اجتمع مسؤولو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بقيادة عسكريين كبار في معسكر الدوحة في الكويت لمناقشة آخر ما لديهم من أفكار لإنهاء حكومة صدام حسين·
كان مسؤولو المخابرات مقتنعين بأنه سيتم استقبال الجنود الأمريكيين بترحيب حار حين يندفعون الى جنوبي العراق، ولذا طرحوا اقتراح تهريب مئات الأعلام الأمريكية الصغيرة ليحملها العراقيون ويلوحوا بها لمحرريهم، على أن تقوم الوكالة بتصوير الحدث سينمائيا وتوزيعه في مختلف أنحاء العالم العربي، وستكون هذه العملية تتويجا لعملية جمع معلومات مطولة·
ولكن الجنرال ديفيد ماك كيرنان، قائد قوات الحلفاء اعترض فورا، وأصدر تعليمات الى القوات الأمريكية بعدم التلويح بالعلم الأمريكي حتى تتجنب تصورها كجيش احتلال، وتم استبعاد الفكرة، ولكن تفاؤل وكالة المخابرات المركزية ظل قائما، لقد اعتقدت الوكالة أن الكثير من المدن العراقية، كانت "مدننا"، وقال ضابط سابق في الأركان حضر الاجتماع: "كانت الفكرة أن الأعلام في البداية ستكون أمريكية، ثم تصبح عراقية، وربما ما زالت هذه الأعلام في حقيبة في مكان ما، وكانت إحدى المدن التي سترحب بنا هي الناصرية، تلك التي خاضت فيها قوات المارينز بعضا من أكثر معارك الحرب عنفا"·
وهكذا، مثلما تبين أن فرضيات المخابرات حول مخازن الأسلحة غير التقليدية خاطئة، تبين أن الكثير من المعلومات التي قدمت الى الذين شنوا الحرب وخططوا للاحتلال كانت خاطئة أيضا·
فقد فشلت السي· آي· إيه في قراءة خاطئة كبرى لاستراتيجية العراق، في التنبؤ بالدور الذي لعبته قوات صدام غير النظامية التي شنت هجمات رئيسية على القوات الأمريكية في جنوبي العراق، وفاجأتها في معارك دامية·
كانت الوكالة واعية بأن العراق مليئ بالأسلحة، ولكنها فشلت في تحديد أماكن الأسلحة المخبأة في المدارس والمساجد والمعدة لتجهيز قوات العدو، وفي عراق ما بعد الحرب، لم تحسن أجهزة المخابرات الأمريكية تقدير الحالة المتهالكة للبنية التحتية العراقية، تلك التي أصبحت تحديا كبيرا أمام إعادة البناء، واستنتجت استنتاجا خاطئا بأن الشرطة العراقية مدربة تدريبا مهنيا عاليا، ومع أن خبراء المخابرات لاحظوا تمردا في تسجيلهم لأنواع المخاطر المحتملة إلا أن أجهزة المخابرات لم تضع هذا التهديد في بؤرة الاهتمام، وكان مجلس أجهزة المخابرات القومية، الذي يضم خبراء كبارا من مختلف الفروع قد أعد تحليلا في يناير 2003 حول وضعية العراق بعد الحرب، وناقش هذا التحليل مخاطر تمرد في آخر فقرة من فقرات صفحاته البالغة 38 صفحة، ولم يقل أي جهاز مخابرات أبدا أن التمرد آت، آت، وأن هذه هي النهاية التي يجب أن تستعدوا لها·
"لم يحدث هذا ولا شاهده أحد أبدا" على حد تعبير الجنرال تومي فرانكس، قائد قوات القيادة المركزية السابق والمتقاعد الآن·
لقد تعرضت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لنقد قاس بسبب فشلها في موضوع أسلحة العراق، وبسبب هجمات 11 سبتمبر، وألح النقاد على أنه يجب إصلاح الوكالة كجزء من عملية إصلاح واسعة تشمل كل أجهزة الاستخبارات القومية، ومع كل هذا النقد، رفضت الوكالة طلب إجراء لقاءات مع مسؤوليها في أثناء إعداد هذا المقال، بل ورفضت الإجابة عن أسئلة مكتوبة قدمت الى الناطق الرسمي باسمها·
ريتشارد· جي· كير، أحد المساعدين الإداريين سابقا، والذي طلبت منه الوكالة مراجعة تحليلها الاستخباراتي حول العراق، قال في لقاء معه إن المخابرات برهنت في عراق ما بعد الحرب على أهميتها، وبخاصة في التقييم الذي تنبأ بسخط العراقيين إذا لم تنقل أمريكا السلطة الى حكومة عراقية، جديدة بسرعة، ومع ذلك فقد اعترف ببعض نواحي القصور، وكان هذا التنبؤ، حسب "كير" استبصارا ممتازا، كما تنبأت المخابرات بدقة بردود فعل الجماعات القبلية والإثنية في العراق، ولكن هذه التقييمات الإيجابية لا تستطيع أن تخفي واقعة أن وضعية العراق كشفت عن بعض المشكلات الخطرة المتعلقة بنظم الوكالات الاستخبارية، فالحصيلة كانت فقيرة، وتم التشديد على استخبارات الوضع الراهن، بينما كان هناك القليل جدا من البحث في القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية المهمة·
لحاقا بالأحداث
على الرغم من مرور أكثر من عقد من العداء بين حكومة صدام حسين والولايات المتحدة، عملت إدارة بوش في ضوء معلومات محدودة حين بدأت التفكير بغزو العراق، فبعد حرب الخليج في العام 1991، لم يكن جمع المعلومات الاستخبارية عن العراق دائما ذا أولوية قصوى لدى وكالات التجسس الأمريكية التي كانت مثقلة بجملة من التهديدات والأزمات المحتملة، كان العراق يأتي في الدرجة الثانية بعد كوريا التي احتلت المرتبة الأولى، فقد امتلكت كوريا حسب رؤية الوكالات، برنامج تسلح نوويا نشطا، وجيشا تقليديا كبيرا يتفوق على قوات كوريا الجنوبية والقوات الأمريكية هناك، بينما تم النظر الى العراق كتهديد بعيد·
لقد تطلبت الشهور التي سبقت الحرب المزيد من المعلومات الاستخبارية، وبذلت العسكرية الأمريكية جهدا لملء الثغرات باستخدام طائرات التجسس ونظم المراقبة، وطبعت قيادة القوات الأرضية 100 ألف خريطة لحقول نفط جنوبي العراق التي كان على المارينز حمايتها وأعدت تحليلا تفصيليا لبغداد وأحيائها، كان العراق في لغة المخابرات محيط "كرة زجاجية"، وهو ما يعني أن المناخ كان عاملا مساعدا على جمع الصور من الفضاء، ولهذا تم الحصول على الكثير من المعلومات بوساطة نظم الاستطلاع الجوي لا من عمليات على الأرض، وفي ظل وجود عدد قليل من الجواسيس في العراق، اعتمدت الوكالة على الهاربين والمعتقلين وجماعات المعارضة ومخابرات الدول الأجنبية حسب ما جاء في تقرير مقدم الى مجلس الشيوخ، وقال أحد مديري العمليات السابقين في الوكالة في شهر يونيو الماضي أمام لجنة الشؤون الخارجية، "إن بعض النقاد زعم خلال فترة ما قبل الحرب أنه لم تكن لدينا مصادر عراقية كثيرة، وبالتأكيد لم يكن لدينا ما يكفي الى أن وضعنا عملاء لنا على الأرض في شمالي العراق·
لقد كان مجال العمليات مقيدا تقييدا شديدا، وكان من الصعب جدا بناء علاقة ثقة ضرورية مع أولئك العراقيين الذين اتصلوا بنا في ضوء المخاطر التي يواجهونها، إلا أن ضباطنا ما إن وضعوا أقدامهم على الأرض، حتى جندوا عشرات العملاء، وبعضهم دفع حياته دفع حياته ثمنا لولائه لنا"·
وقامت السي· آي· إيه بزرع عملاء في حقول نفط الجنوب قبل وقت قصير من بداية الحرب، وحصل ضباط المخابرات الأمريكية على أرقام هواتف الجنرالات العراقيين، وتكلموا معهم لتشجيعهم على عدم القتال، وخشية من أن تكون المكالمات اختبار ولاء من قبل صدام حسين، قام بعضهم بتغيير أرقامه، وهو ما أعاق محاولاتهم للاتصال ببعضهم خلال الاستعداد للحرب·
وحصلت الولايات المتحدة على معرفة مفصلة بالبنية النفطية العراقية، وعلى خريطة سرية لخطة الدفاع عن بغداد، وساهمت الوكالة أيضا في الكشف عن عدم صحة التهديدات التي سببت قلقا للعسكريين، وهي إمكانية أن تقوم حكومة صدام حسين بإحداث طوفان يغرق البلاد بالمياه لتعطيل تقدم قوات الحلفاء·
ومع ذلك فقد ظهر أن لدى الوكالة فهم قليل الوضوح لما ستواجهه الولايات المتحدة حين تغزو العراق، أو لاستراتيجية قوات صدام العسكرية، في يناير 2003، أصدر مجلس أجهزة الاستخبارات القومي تقييما لما يمكن أن يحدث بعد سقوط الدكتاتور، وحذر هذا التقييم من أن بناء الديمقراطية في العراق سيكون صعبا بسبب تاريخ العراق السلطوي، وحذر من خطورة أن ينظر الى القوات الأمريكية كقوات احتلال، وجاء في التقرير أن السلوك تجاه قوة عسكرية أجنبية سيعتمد اعتمادا كبيرا على إحراز تقدم في نقل السلطة، وعلى الدرجة التي يمكن أن تظهر فيها القوات الأمريكية كقوة حفاظ على الأمن الضروري، وفرض إعادة البناء، وعودة الرخاء ولاحظ التقرير أيضا أن إعادة الخدمات بسرعة ستكون مهمة لضمان مساندة الجماهير العراقية·
الصورة الأوسع مفقودة
ولكن هذا التحليل جاء أقل استبصارا في نقاط أخرى، فهو لم يمنح الحالة الهشة للبنية التحتية العراقية، ما تستحقه من تقييم دقيق، فاقترح بأنه يمكن إصلاحها إذا لم يتم تدميرها على نطاق واسع خلال المعارك، ونص على أن العراقيين رمموا بأنفسهم بنيتهم التحتية المادية بسرعة في الحروب السابقة·
واختارت الولايات المتحدة عدم مهاجمة الشبكات الكهربائية مدركة أنها سرعان ما ستحتاجها لإدارة وإعادة بناء العراق ولكن الشبكات الكهربائية انهارت بسبب الإهمال طويل الأمد، وتركت صعوبات استعادة الخدمات معظم أنحاء العاصمة في الظلام، وضخمت مخاوف سكانها من الجرائم·
وفي تقييم التهديدات المحتملة، أعطى هذا التحليل أيضا، أهمية لإمكانية إثارة الحزازات الإثنية بين العراقيين أكبر مما أعطى للتمرد، وجاءت مناقشة هذا الجانب مختصرة الى درجة لافتة للنظر، فلاحظ التحليل "أن قدرة القاعدة أو أي جماعة إرهابية أخرى على تأمين حضور في شمالي العراق "أو سرا في أماكن أخرى" ستعتمد اعتمادا كبيرا على ما إذا سيكون النظام الجديد قادرا على فرض أمن وسيطرة فعالة على البلد كله، بالإضافة الى إمكانية أن تعقد عناصر النظام المشتتة تحالفا مع المنظمات الإرهابية القائمة أو ما إذا كانت ستتصرف مستقلة في شن حرب عصابات على حكومة جديدة أو قوات التحالف·
السيد "كير" موظف السي· اي· ايه السابق قال إن خبراء الوكالة المختصين بالمنطقة أولوا التهديد المحتمل بهجمات حرب عصابات من قبل قوات صدام حسين شبه النظامية بعد سقوطه، عناية أكبر مما أولاها تقييم مجلس الاستخبارات القومي، وخصوصا إذا طال أمد بقاء القوات الأمريكية في العراق، إلا أنه اعترف بأن التقديرات لم تتوقع هذا النوع من التمرد العنيف الذي تواجهه القوات الأمريكية في العراق الآن، فقد أعتقد خبراء الوكالة، كما قال، إنه ستكون هناك جماعة مهمات من الموالين لصدام تنتظر، وستجتذب إسنادا خارجيا، إلا أنها ستحتاج الى وقت طويل للوصول الى هذا الهدف، وعلى العموم، كما قال، لا يستطيع القول إن الخبراء تنبأوا بالحرب كما هي عليه الآن·
اتضحت الثغرات
منذ بداية الحرب، كان واضحا غياب بعض أجهزة المخابرات ففي 19 مارس 2003، على سبيل المثال، أخبر "جورج تينيت" مدير الوكالة البيت الأبيض أنه يمتلك دليلا مؤكدا على أن صدام حسين وعائلته موجودون في ضاحية بالقرب من بغداد تعرف باسم مزارع الدورة، وأنهم يختبئون في مخبأ سري تحت الأرض، وقدمت "السي· إي· إيه" إحداثيات الموقع الدقيقة وإثر هذه المعلومات، قام الجنرال مايك موسلي، قائد القوات الجوية، الذي كان في قاعدة جوية في السعودية بوضع خطة عمل عاجلة لطائرات الشبح لقصف الموقع بقنابل موجهة بواسطة الأقمار الصناعية، على أن تتلوها صواريخ كروز، وضربت الطائرات أهدافها ولكن حين وصلت القوات الأمريكية إلى مزارع الدورة بعد سقوط بغداد اكتشفت أنه لا وجود لمخبأ محصن تحت الأرض في ذلك الموقع، كما قال الجنرال موسلي في لقاء صحافي منذ وقت قريب·
ورد العراقيون على الهجوم بإطلاق الصواريخ على القوات الأمريكية في الكويت، وعلمت المخابرات أنه تم إشعال عدد صغير من آبار النفط، وهكذا تسارع موعد الحرب البرية·
توقع كبار المحللين العسكريين والمخابرات أن يركز صدام حسين دفاعه في بغداد، وخططوا لمعركة حاسمة ضد فرق حرسه الجمهوري والقوات الخاصة والوحدات شبه النظامية في العاصمة، ولكن القوات الأمريكية اكتشفت في أول أيام الحرب أن لدى العراقيين استراتيجية مختلفة، وكان نصيب المارينز اكتشاف هذا بطريقة مؤلمة، فوحدة المارينز التي كلفت بالسيطرة على الجسور شرقي "الناصرية"، قيل لها عن طريق "السي · آي· إيه"، إن فرقة المشاة العراقية الحادية عشرة التي تحرس الجسور من المحتمل أن تستسلم، وفي ظل اعتقاد كبار قادة المارينز بأن الناصرية ستكون ساحة معركة سهلة، لم يقوموا بأي استطلاعات كان بإمكانهم القيام بها، وتحول القتال في الناصرية إلى أشرس قتال حدث خلال الحرب· فهناك تمركز آلاف من القوات شبه النظاميه "فدائيو صدام"، كما تمركزوا في مدن جنوبية أخرى بما فيها السماوة والنجف، مصممين على إخماد أي تمرد شيعي، وعلى جر القوات الأمريكية إلى حرب مدن دامية، وتعقدت مهمة المارينز في الناصرية حين ترنحت كتيبة الإمداد 507 العسكرية أمام دخول المدينة، وهي الكتيبة التي اشتهرت حين أسرت جيسيكا لينش إحدى مجنداتها وفقد المارينز 18 قتيلا في اليوم الأول، سقط بعضهم بنيران أمريكية، بعد أن وجدوا أنفسهم وسط جماعات من المقاتلين العراقيين·
ويتذكر "جوزيف أبودقة" الكولونيل المتقاعد الذي عمل كضابط استخبارات في قوة المهمات الخاصة التي قاتلت في الناصرية، أن كل المؤشرات كانت تدل على أنه سيكون هناك الكثير من القتال، وأن العراقيين من المحتمل ألا يستسلموا، "ويضيف لقد فقدت ثقتي بالتقارير التي تصدر عن المستويات القومية"·
وأدت الأخطاء الاستخباراتية بوحدات أخرى إلى الاصطدام بمفاجآت مشابهة أيضا، ففي السماوة، قيل للسرية الثالثة من فوج الفرسان السابع استنادا إلى تقارير استخبارية، أن تستعد للقيام باستعراض تظهر فيه تضامنها مع السكان، ولكن بينما كان الجنود يلوحون للسكان، رد العراقيون بإطلاق الرصاص، واندلع قتال ضار بين جنود السرية والقوات العراقية شبه النظامية، وقال الكولونيل "تيري فيريل" في ما بعد، "إن القتال الذي حدث في السماوة لم يكن مع قوات عراقية نظامية بل مع فدائيي صدام وأعضاء حزب البعث، وكنا سمعنا خلال بعض تقارير المخابرات عن هذا النمط من الأعداء، إلا أن هذه التقارير قللت من مؤهلاتهم القتالية التي ظهرت، ليس في هذه المعركة فقط، بل وفي كل معركة واجهتها السرية"·
ولم تكن هذه المعلومات الخاطئة التي قدمت إلى الوحدات في الناصرية والسماوة هي الهفوات الوحيدة، لقد كانت أجهزة الاستخبارات تعرف جيدا أن العراق يمتلك كميات هائلة من الأسلحة التقليدية، إلا أنها لم تدرك أن مخابىء السلاح كانت في المدارس والمستشفيات والمساجد كجزء من استراتيجية تحويل المدن الجنوبية إلى ثكنات لفدائيي صدام·
جاء في تقرير فرقة المارينز الأولى بعد انتهاء العمليات، "أن مالم تكشف عنه المخابرات هو حجم ومدى التسليح الذي نشره النظام، ففي كل مناطق البلاد نشر مخابىء أسلحة بكميات كبيرة، ولكن لم تظهر هذه التسهيلات إلى الضوء بحجمها ومداها وأطنان الأسلحة والذخائر إلا بعد أن اكتشفتها الفرقة"·
وقال الكولونيل "أبودقة" إن فشل أجهزة المخابرات الأمريكية في اكتشاف القوات شبه النظامية في الجنوب جعل مهمة استباق إمكانية أي تمرد صعبة·
إن هذه الأجهزة جيدة في الوصول إلى المستويات العليا للمؤسسات، ولكنها لا ترى بوضوح ما يجري على صعيد المستويات الدنيا"·
أحد الجنرالات الأمريكية الذي طلب عدم ذكر اسمه بسبب حساسية منصبه قال "أعتقد أن من الصحيح القول أننا امتلكنا صورة دقيقة عن قواتهم من حيث الحجم والقدرة بشكل عام، إلا إننا لم نمتلك إحساسا دقيقا بكيفية استخدام هذه القوات أو نوايا أصحابها، لقد بدأنا مع عجز في العناصر الاستخبارية البشرية، عجز في المصادر من الداخل"·
إساءة قراءة التبعات
حتى في الأيام الأخيرة لحكومة صدام، ذكرت بعض التقارير الأولية أن حرب عصابات يمكن أن تظهر في حال سقوطها·
وقالت قوة مهمات استخبارية خاصة عسكرية في 5 أبريل 2003، "إن البعثيين خططوا لشن هجمات حرب عصابات وإنهم سيشكلون حلفا تكتيكيا مع المجاهدين الإسلاميين وأن هدفهم هو إيقاع خسائر في صفوف القوات الأمريكية حتى يضغط الرأي العام الأمريكي من أجل دفع قوات الولايات المتحدة إلى مغادرة العراق"·
في 9 أبريل أصدرت وكالات الاستخبارات الأمريكية مجتمعة مذكرة تقييم، وتوصلت إلى أن كوادر حزب البعث وقوى الأمن العراقي والمقاتلين غير النظاميين كانوا يعملون مستقلين وفق أوامر معطاة للتعامل مع الوضع على المدى الطويل، ومن المتوقع أن يواصلوا القتال إلى أن يتم إخراجهم من العراق، إما بقتل صدام حسين أو بصدور أوامر من قادة عراقيين يحترمونهم تقضي بالتوقف عن القتال، ولكن حتى في هذه الحالة، كما تقول المذكرة، سيظل بعضهم يقاتل·
فيما بعد، وبعد سقوط بغداد، ستعرف المخابرات الأمريكية المزيد عن الاستعدادات التي تمت من أجل شن حرب عصابات، فريق التفتيش عن الأسلحة الذي أرسل مبدئيا إلى العراق بعد سقوط بغداد، للبحث عن أدلة على وجود أسلحة غير تقليدية، عثر على بعض الوثائق، وثائق خاصة بمدينة "الفلوجة"، أكثر المدن العراقية تفجرا، تحدد أماكن تخزين أسلحة، وتتضمن أسماء 75 من فدائيي صدام و 12 متطوعا للقيام بعمليات انتحارية من المتوقع أن يشاركوا في القتال·
إن معركة مستقبل العراق لم تشتد إلا بعد أن أصبح التمرد في خنادقه، إنه يأخذ الآن آلاف الأرواح، ويشل حركة إعادة البناء، وجهود انتخاب حكومة عراقية جديدة، ويجبر القوات الأمريكية على الانخراط في حرب عصابات مرهقة، وتقوم "السي·آي· إيه"، وأجهزة الاستخبارات الأخرى بجهود معمقة لتجميع المعلومات التي تساعد على إخضاع المتمردين الذين يسيطرون على بعض المدن العراقية، وسد الثغرات التي ظهرت حين غزا الأمريكيون العراق·
ويستعيد الجنرال جيمس - ج - ماركس المتقاعد الآن، والذي عمل ضابط استخبارات كبير في قيادة الحرب البرية ما حدث فيقول: "لقد فهمنا قواتهم التقليدية، وبرامج صواريخهم، وقوتهم الجوية، وهذه عناصر قوة يمكن تقييمها عن بعد تقييما جيدا، ولكن ما افتقرنا إليه هوالتفاصيل الملموسة الدقيقة التي لا تحصل عليها إلا بوساطة الوجود المادي على الأرض"·
ويضيف الجنرال المتقاعد "لقد فقدنا أصبعنا الذي يقيس نبض الشعب العراقي منذ العام 1991، وطيلة السنوات التي تعاملنا فيها مع العراقيين، وأنشأنا تقييمات استخبارية من بعيد ولم نحسن تقدير "عنصر الخوف" والقبضة التي أمسك بها النظام العراقيين"·
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com