"العاذل وتجلياته في الشعر الصوفي"
يمنح عباس الحداد شهادة الدكتوراه في الآداب
(2-2)

تعد دراسة محمد مصطفى حلمي: ابن الفارض والحب الإلهي من الدراسات المؤسسة في الشعر الصوفي في القرن السابع الهجري بصفة عامة، ولشعرية ابن الفارض بصفة خاصة· ويرصد فيها الباحث بالتحليل والتوثيق - في بعض الأحيان - سيرة حياة ابن الفارض شاعرا وصوفيا، وطبيعة عصره وديوانه الذي أثار عدداً من الإشكالات، ثم تحليل الأسس الفلسفية للعلاقة بين الحب الدنيوي والحب الإلهي عند ابن الفارض، والوقوف على سمات كل منهما، ونقاط التقاطع بينهما، ثم ارتباط مفهوم الحب لديه بالتجربة الصوفية وتجليات ذلك شعرياً وجمالياً·
وثمة واحدة من هذه الدراسات التى تناولت النص الشعري الصوفي هي دراسة: وفيق سليطين: الزمن الأبدي الشعر الصوفي: الزمان، الفضاء، الرؤيا· وفى هذه الدراسة يعد الباحث الشعر الصوفي في القرن السابع الهجري نصاً واحداً متعدد الوحدات من غير اعتبار لكثير من الفروق الجمالية بين النصوص الشعرية للشعراء من جهة، أو ارتباط هذه الفروق الجمالية بدرجات الترقي والسلوك، وتفاوت حظوظ كل من هؤلاء الشعراء من بلوغ غاية الطريق من جهة أخرى·
ثمة فروق نوعية كثيرة قد تتسق داخل النص الشعري الصوفي في القرن السابع الهجري إذا نظرنا إليه بوصفه خطاباً كلياً (أيديولوجياً)، وهو ما لا يعنى بحال درس الظواهر الفنية في هذا الخطاب بوصفها مكونات بنائية واحدة تنتظم فيها نصوص الشعر الصوفي على تنوعها السابق كما تنتظم "وحدات" القصيدة الواحدة !
على أية حال لقد رأينا في ذلك فرضاً إجرائياً غايته العملية تحييد الدراسة والنأي بها عن الخوض في إشكالات قد لا تخص غاياتها التى ارتضاها الباحث لها، وقد استخدم منهج التحليل الدلالي الذي يضع في اعتباره المعطيات السيميولوجية للدلالات اللغوية، وهى كثيرة ومتنوعة في هذا الشعر على وجه الخصوص، وقد أمكن للدراسة تمييز العناصر التكوينية لهذا النص وفقاً لاقتراحها السابق والرئيس حول كلية الخطاب الشعري الصوفي ووحدته·
وقد اعتمدت دراسة وفيق سليطين في تمييزها هذه العناصر التكوينية للشعر الصوفي على ثلاثة مفاهيم، هي: الزمان، والفضاء، والرؤيا، عبر دراسة الكيفية التى تشكل بها كل من هذه المفاهيم الثلاثة، وتحليل التداخل والترابط أو الانعكاس فيما بينها داخل الخطاب الشعري الواحد والكلي·
و ربما تكون دراسة وفيق سليطين هي الوحيدة من بين دراسات هذا الصنف الثاني التي ألمت إلماما سريعا بدراسة "العاذل"، وذلك حين تعرَّض الباحث بالحديث "لوحدة الرموز المتعارضة" في جزء ضئيل لم يتجاوز صفحتين من الباب الثالث في بحثه· ويبدو أن كلية النظر إلى النص الشعري الصوفي بوصفه "خطاباً" شعرياً واحداً قد أفضت بالباحث إلى تناول "العاذل" على نحو لا يقوم على تفريق أو تمييز بين وجوه العاذل في النص الشعري الصوفي على الوجه الذي أسلفنا بيانه، حيث عدّها الباحث "عتبة" من عتبات الترقي في التجربة الشعرية، تأسيساً على الاتفاق بينها في الوظيفة وافتراقها في الدور، من دون التفات لتعدد الأدوار أو تضافر الوظائف وتداخلها، وعلاقة ذلك بتجليات العاذل في التجربة الصوفية·
ذلكم على وجه التخصيص هو ما استهدفت دراستنا تحديده وصفياً في سياق تحليلها لنصوص الشعر الصوفي في هذه الحقبة بوصفها "نصاً" شعرياً واحداً ينطوي على عدد متنوع وثري من الظواهر والعناصر التى لا تقطع بالتماثل بين هذه النصوص، وعلى أساس من ارتباط هذا التنوع والتعدد بفروق فلسفية جوهرية في التجربة الصوفية لدى كل من الشعراء موضوع البحث، وهي الفروق التى تمثل مرجعية مهمة لتجاربهم الشعرية، وتقوم بدور في توجيه مسارها·
- 3 -
بعد حصر مصادر الدراسة التى أتيح للباحث الاطلاع عليها وجد أنها تنقسم إلى:
1- مصادر مخطوطة: وهى المصادر التى استعان الباحث بها نظراً لعدم توافرها مطبوعة ولأهميتها للبحث في آن· وقد تنوعت هذه المصادر بين ديوان شعري، أو شروح نصية للشعر الصوفي· وهو ما كلف الباحث جهد النسخ متوخياً الدقة في ضبط النصوص الشعرية المخطوطة بصورة بلغت في بعض الأحيان حد تحقيق هذه النصوص المستخدمة·
بالإضافة إلى هذه المخطوطات الرئيسة اطلع الباحث على تحقيق مخطوط (لم يطبع) لديوان نجم الدين بن سوار في رسالة جامعية، نال عنها صاحبها درجة الدكتوراه عام 1977م، وهى محفوظة بجامعة الأزهر·
و بالاطلاع على مخطوط هذه الرسالة وجد الباحث أن الأبيات الشعرية قــد شاب كثيراً منها عدم إقامة الوزن، فضلاً عن أخطاء نحوية ومطبعية· كمـا أن النصوص الشعرية المثبتة بها لم يقم المحقق بضبطها، مما أدى إلى التباس معاني بعض الألفاظ بالنظر إلى خصوصية المعجم الشعري الصوفي والتي يعد الضبط بالشكل واحداً من أهم موجبات القراءة الصحيحة لها، ومعيناً رئيساً في الوقوف على دلالاتها الممكنة·
2- مصادر مطبوعة نادرة: وهى المصادر التى طبعت قديماً، وأصبحت نادرة بسبب عدم الالتفات إلى طباعتها مرة أخرى، مما سلكها في عداد المخطوطات أيضاً· ومن هذه المصادر النادرة التى اعتمدها الباحث: شرح ديوان ابن الفارض، للشيخ حسن البوريني وعبد الغني النابلسي، وهو ما جمعه وحققه رشيد بن غالب الدحداح، وطبع في المطبعة الخيرية عام 1310هـ·
3- مصادر مطبوعة حديثة: وهى على الرغم من توافرها لا تخلو من خلل في التحقيق، مثل عدم الدقة في ضبط الألفاظ وتخريجها· كما خلطت بعض هذه المصادر بين أنواع متباينة من الشعر الصوفي، في غير تبويب يمايز بينها، كالخلط بين الموشحات والأزجال وبين الشعر الفصيح·
لقد تخطى مجهود الباحث حدود حصر المادة وجمعها إلى جهد تحقيق بعض النصوص وضبطها مما جعله في أحيان كثيرة مضطراً إلى قراءة البيت الشعري الواحد في أكثر من مصدر· و ما كان ذلك إلا عن حرص منه على صفاء النصوص المستخدمة وسلامتها، وابتغاء الدقة أساساً من الأسس التي ينهض عليها البحث العلمي·
- 4 -
تحاول هذه الدراسة الكشف عن العلاقة بين المفاهيم المعرفية الصوفية والتجربة الشعرية في أشكالها المختلفة، من خلال دراسة العاذل وتجلياته في النص الشعري الصوفي فى القرن السابع الهجري، وتنوع تجليات العاذل· وهو ما حدا بالباحث إلى استقراء المفردات المعبرة عن مفهوم العاذل وما يتصل بأدوارها ووظائفها، عبر منهج تحليلي يعتمد في أساسه تتبع ظاهرة "العاذل" ورصد سياقاتها المعرفية والاجتماعية والجمالية المختلفة في النصوص الشعرية· وقد أفادت الدراسة أيضاً إلى جانب المنهج التحليلي - من إمكانات البحث الأسلوبي في عدد من إجراءاته الوصفية، مستعينة بذلك على تحديد العناصر التكوينية البارزة في النص·
كما اعتمدت الدراسة على منجزات اللسانيات النصية في الصيغة التي اقترحها روبرت ديبوجراند و ولفاجانج دريسلر للكشف عما يميز نصية القصيدة الصوفية من مظاهر السبك الصياغي و الحبك المضموني، و الوسائل التي اعتمدتها لتحقيق استراتيجية الخطاب في علاقتها بالمقام و المتلقي. كذلك استعانت الدراسة ببعض المفاهيم ذات الفاعلية النقدية في نظرية التلقي و هو مفهوم اللاتعين أو الإبهام بما هو أداة كاشفة عن فنية النص و حافزة لفاعلية القراءة·
- 5 -
إن تحديد الباحث للموضوع على الوجه المتقدم قد أفضى به إلى التركيز على ظاهرة العاذل، والنأي عن انشعاب القضايا الفلسفية والتاريخية المتصلة بالفكر الصوفي في مرجعياته المختلفة حفاظاًعلى مسار الدراسة وعلى ما اختطته لنفسها من غاية· وتقع الدراسة في خمسة فصول جاءت على التعاقب التالي:
- الفصل الأول: العذل والعاذل من العذرية إلى الصوفية:
وقد تتبع البحث فيه أصول العذل في الشعر الجاهلي وتحولات هذه الظاهرة في ما تلا ذلك من عصور الشعر العربي التماسا لتأصيل الظاهرة، وتأسيساً لرصد ما طرأ عليها من تغير جذري في التجربة الشعرية الصوفية في الحقبة المدروسة·
- الفصل الثاني: العاذل شاهداً:
ويعنى الفصل بالكشف عن تجليات العاذل وقيامه في التجربة الصوفية قيام الشاهد حيث تكون العلاقة بينه وبين طرفي الأنا والمحبوبة غير قائمة على صلة مباشرة·
وفي هذا المقام يظهر العاذل في صورة الجاهل بالتجربة أو المراقب لحال طرفيها ثم ينقلب من بعد ذلك حاسداً فكاشحاً· وهو في كل هذه التجليات ذو حضور مؤثر على التجربة الشعرية الصوفية على نحو تحاول الدراسة أن تكشف عن مظاهره وأشكاله·
- الفصل الثالث: العاذل فاعلا:
ويستقل هذا الفصل بفحص دور العاذل حين يستحيل طرفاً مباشراً في علاقة العشق، ويوظف ملكاته لإدخال الفساد عليها، وإيقاع الفرقة بين طرفيها واشياً ولاحياً ولائماً·
- الفصل الرابع: العاذل نمطاً:
يختص هذا الفصل بدراسة الأنماط التي تنتظم تجليات العاذل على تنوعها واختلاف آثارها وأدوارها، ويستظهر من بين هذه الأنماط نمطين رئيسين في التجربة الشعرية الصوفية، هما:
العاذل الديني والعاذل المعرفي، محاولاً رصد مظاهر الحضور وبيان آليات الحجاج والحوار بين العاذل والصوفي، وأثر ذلك على البنية الفنية واللغة الشعرية في النصوص·
- الفصل الخامس: العاذل وانتصار الأنا (تحليل نموذج):
يتوفر هذا الفصل على دراسة نص كامل هو قصيدة ابن الفارض الرائية ليجعل منها نموذجاً كاشفاً عن تعالق تجليات العاذل، والتقنيات الفنية التي اعتمدتها القصيدة للتعبير عن التجربة الصوفية في أدق تفاصيلها، وقد كان هذا الفصل سانحة مقصودة لإعمال طرق التحليل النقدي المضمونية والفنية بما في ذلك لسانيات النص ونظرية التلقي، وقد رافق التحليل التجربة الصوفية من بدايتها إلى تحقق انتصار الأنا على العاذل انتصاراً غير حاسم يسمح باستمرار التجربة إلى ما لا نهاية، وفي ذلك تعبير أمين عن طبيعة هذه الرحلة المطلقة التي تصاحب الصوفي في سلوكه حتى ينتهي به الترقي والفناء في المحبوبة والبقاء بها·
وينتهي البحث بخاتمة توجز أهم ما توصل إليه وما تقترحه الدراسة من آفاق واعدة للباحثين بالمزيد من الكشف عن خصائص الشعرية العربية بعامة و العربية الصوفية خاصة·
والباحث وإن كان يسعى جاهداً إلى تحقيق أمل بعيد في أن يصبح قادراً على التعبير عن وجهة نظر خاصة، يرجو في هذه الدراسة أن يكون حالفه التوفيق في القدرة على بلورة الأفكار وفق رؤية منهجية معقولة سارت بخطى حثيثة على طريق عبّدتها جهود سابقين من الأساتذة الأجلاء والباحثين الجادين·