افتتاحيات مجلة "البيان"... وما آلت إليه!!
نشمي مهنا
تقدم الافتتاحيات - في أي مجلة أدبية - وجهة نظر هيئة تحريرها، وسياسة المجلة والمؤسسة وتوجهات وآراء القائمين عليها، لذا هي تُعدّ في تاريخنا الصحافي الأدبي بيانا توثيقيا، ورأيا في الإشكاليات والقضايا الثقافية العابرة والمزمنة، يصعب التنصل من مضامينها، أو احتسابها كمقالة "تعبر عن آراء أصحابها فقط"·
وما كتبه الأستاذ عبدالله خلف أمين عام رابطة الأدباء في الكويت ورئيس تحرير مجلة "البيان" في العدد (412) لشهر نوفمبر 2004 تحت عنوان "الشعر العربي·· وما انتهى إليه" يعد "بيانا" ورؤية حول الشعر يمثل المجلة ورابطة الأدباء وكاتبه بالطبع·
بافتتاحية "البيان" يطرح أستاذنا خلف قضية قديمة أشبعت بحثا وكتابة واختلافا منذ أكثر من نصف قرن، حدد فيها "شروط" الشعر و"عناصره"، كفن لا يستقيم - في الذائقة العربية - إلا بأدواته الموسيقية المعروفة من وزن وقافية، محذرا من المساس بالموروث وقداسته، وجازما برفض أي محاولات كتابية خارجة عن هذه الضرورات الشرطية!
منذ رفض الذائقة الجمعية لتجديدات أبي تمام وأبي نواس والبدع الجميلة التي جاءت بها الموشحات الأندلسية، مرورا بمحاربة أصنام الشعر العمودي و"عقّاديه" لتحليقات التفعيلة خارج أعمدة الشعر، الى محاولات بعض المغامرين للوصول الى روح الشعر عبر كتابة قصيدة النثر، وتكسيرهم لكل "التابوهات" الشعرية· والشعر (بمراحله) وطبيعته، لم يصل الى تعريف واحد يستقر إليه، أو يركن الى قوالب جاهزة يمكن حشوه داخلها·
لا "العناصر" ولا "الشروط" التي رددها أستاذنا خلف يمكن الاطمئنان إليها، خصوصا وأنها تنقض نفسها بنفسها:
- النماذج التي جاء بها مستشهدا على ركاكة قصيدة النثر بالإمكان أن نُهيل عليه أضعافها - في عدد "البيان" نفسه - من الشعر العمودي والتفعيلة، وبذا يبطل شرطا الوزن والقافية!
- أن القداسة التي يراها في الشعر الموروث لا تعني الاستسلام لأشباحها، أو التسليم بقدرها الشعري، أو عدم المحاولة لخلق الجديد·
- إن "التفعيلة" التي قبلها - مشكورا - وأضافها الى خانة رؤيته الشعرية (ورؤية أهل الرابطة والبيان)، لم تكن تُعد شعرا منذ نصف القرن الماضي حينما كان يسفهها جهابذة العمودي!
إذن بالإمكان حللة القناعات، والقبول بالجديد بعدما يثبت جدارته الإبداعية، بعد حين، أو عقود، أو دهر!
مما ينفي قداسة الشكل، وثبات الذائقة·
- في الحالين (القبول والرفض) لا يعني سوى تعميم الذائقة الشخصية، ولا يعني التقليل من شعرية النص الجديد·
فـ "المروي" من الشعر الذي يقول به أستاذنا خلف، هو الشكل الموسيقي السماعي - كما يعلم - الذي باتت تتآكل فنيته ومتعه لصالح المقروءة من النص، والذي خلق قارئا جديدا يُعمل حواسا وقدرات أخرى أكثر إدهاشا وعمقا من إعمال حاسة وحيدة تلتقط فقط العاجل من الحركات الموسيقية والتراكيب اللفظية وألاعيبها!
- ماذا بشأن الشعر الموجود حولنا في لوحة تشكيلية أو مشهد طبيعي أو عبارة طارئة أو لفتة أو حركة أو··· لماذا نختزل الشعر في الكلمات وقوالب اللفظ؟!
***
الغريب أن يثير أستاذنا عبدالله خلف غبار معارك منتهية، ويجزم في التعريف والرأي والرؤية، في الوقت الذي لا نملك نحن سوى أن نتساءل: هل ما غرسه أجدادنا الجاهليون في نفوسنا من عشق وما أضفوه من مهابة لمقام الشعر·· جعلنا نحيل كل فن جميل الى مصطلح واحد هو "الشعر"، لنعلي من مكانة فننا هذا المخلوق الجديد الى فن قديم تعارف وتكرس جماله في تراثنا، بينما هو (الشعر) وفنون أخرى جميعها توائم تبحث عن مصطلح جامع آخر·· مفقود، لم نعثر عليه بعد؟!
في الشعر لا نملك سوى التساؤلات فقط، ونظل في مجاهيله الغامضة نستمتع بالبحث والمحاولة ولذة الوهم في الوصول، ولا نطمئن الى يقين··· ولا إلى فرح حاد بـ "المعرفة" كالذي جاء في "البيان"·
ولأنه يصعب علينا أن نتلمس روح الشعر الخالصة، ولا نعرف مواطنه البعيدة، ولا نعرّفه، فإننا نفتح نوافذ "بيت الشعر" لكل إبداع حقيقي وجميل ولا نغلقها، كما فعل أستاذنا عبدالله خلف فأحكم إغلاق النوافذ والأبواب، واعتصم بعمود البيت فقط!
nashmi@taleea.com