
كتب سعود العنزي:
أنهى الرئيس العراقي غازي الياور يوم الاثنين الماضي زيارة رسمية للكويت هي الأولى منذ ما يقارب العقود الأربعة، وقد لاقت الزيارة ترحيباً رسمياً وشعبياً ليس فقط لما يمثله الرئيس الياور من اعتدال في خضم الفوضى والتزمت الذي يسود الصورة العراقية، بل لما ترمز له هذه الزيارة على أكثر من صعيد· فهي زيارة رئيس جمهورية العراق لدولة الكويت، الدولتان الشقيقتان اللتان تعيان أهمية كل منهما للأخرى ولاستقرار المنطقة بأسرها ولتنمية شعوبها بعيداً عن الابتزاز والحروب والعنف·
المراقبون رأوا فيها زيارة ناجحة بكل المقاييس واعتبروا ما أعلنه الرئيس العراقي في لقائه مع الزميل الدكتور سعد بن طفلة ومع رؤساء تحرير الصحف اليومية يدعو إلى كثير من التفاؤل ويوصد الباب أمام كثير من القيل والقال والتصيد في ما بين السطور· فرغم كون الرئيس والحكومة العراقية موقتين لحين إجراء انتخابات حرة في موعدها بداية العام المقبل، إلا أن ما يمثله الرئيس الياور وما أعلن عنه في ذلك اللقاء يطمئن إلى ما سيؤول إليه عراق المستقبل، فقد شدد الرئيس على ضرورة احترام الحدود الدولية بين الكويت والعراق، كما أكد على أهمية تطوير العلاقة بينهما مبيناً واقعيته في قراءة الأوضاع الحالية ومن دون تجاوز لها بل ومن دون خلط بين هذا الواقع والأحلام والرغبات، وبيّن بعقلانية واضحة أهمية الحكم المدني للعراق كبديل لما تسعى إليه قوى كثيرة من جر العراق إلى أتون الطائفية البغيضة وبعيداً عن الكفاءة والقدرة لمن يتولى الشأن العام·
ويرى بعض المراقبين أن ما لم يقله الرئيس الياور في لقائه لاعتبارات الزيارة وهدفها قد لا يقل أهمية عما قاله رغم أنه بيَّن أنه كرئيس والحكومة العراقية يفكران في العلن ولا يخفيان شيئاً·
ويضيف المراقبون بأن المطلوب من الكويت الآن أن تستثمر في استقرار العراق وتنميته واستعادته لمكانته الاقتصادية والسياسية في المنطقة كدولة تؤثر إيجاباً في محيطها لا دولة تشكل عنصر قلق وخشية وريبة لشعبها ولجيرانها، ومن أجل هذا الاستثمار طويل الأمد في علاقة الجوار التي تحتمها الجغرافيا والعلاقات التاريخية والمصالح المشتركة، من أجل هذه لابد أن تبتعد الكويت عما يطلقه قصار النظر هنا وهناك من تغليب للماضي ليس على الحاضر فحسب بل على المستقبل كذلك·
ويرى المراقبون أن من ما لم يقله الرئيس الياور بشيء من التفصيل رغم أهميته ما يتعلق بالدور الذي تلعبه دول الجوار وبعض الدول العربية المهمة الأخرى، فعلى هذه الدول أن تعي أنه ليس من مصلحة أحد، وإن اعتقد البعض خلاف ذلك، أن يستمر الوضع المتأزم في العراق لتصفية حسابات خاصة أو للتغطية على ما يحدث داخلياً في هذه الدول، ولابد من ضبط الحدود مع العراق وبذل جهد واضح في التصدي لتهريب الإرهابيين إلى العراق عبر هذه الحدود ووقف أعمالها الاستخباراتية التي تعمل على الاختلافات الطائفية والعرقية هناك·
كما لم يركز الرئيس الياور على الدور الذي لم تقم به الدول العربية مضافا إليها جامعة الدول العربية التي تتصرف وكأن لا شيء يحدث في العراق، وهي بذلك إنما تقوي شوكة زمرة الطاغية المخلوع ومن اصطف معهم من إرهابيي القاعدة ومتطرفي المنطقة الذين يريدون العراق طريقاً إلى جنتهم ولو على جثث الشعب العراقي·
إن زيارة الرئيس العراقي للكويت يجب أن تكون تدشيناً لنهج جديد وعلاقة جديدة على طرفيها مسؤولية رعايتها وتقويتها والنأي بها عن التوتير الوقتي واعتماد المصالح المشتركة وحتمية الجغرافيا أساساً لها، وعلى العقلاء في البلدين السير بها إلى آفاق جديدة يستثمر فيها كل من الطرفين في استقرار الآخر.