كتب عبدالله النيباري:
تابعت كغيري من المواطنين الخطاب الأميري الذي ألقاه سمو رئيس الوزراء الشيخ صباح في افتتاح الدور الثالث من الفصل التشريعي العاشر، والذي كان محوره كما جاء في الخطاب "الإصلاح في الكويت مشروع وطني كبير يحتاج الى روح المبادرة والإيجابية، والعمل المسؤول من الجميع" وفي تقديري أنه ما من أحد إلا ويتفق معه أيضا بأن المدخل الطبيعي لإصلاح أي نظام سياسي يستوجب القيام بإجراءات عملية تفضي الى تحديث البنية القانونية للنظام الانتخابي من خلال توسيع القاعدة الانتخابية ورفع المشاركة الشعبية بتمكين المرأة من ممارسة حقوقها الانتخابية·
ولا شك أن الخطاب جاء شاملا ووافيا في تناوله مع معظم قضايا الوطن التي تشكل هواجس المواطنين بتأكيده على أهمية تحصين الوحدة الوطنية، وأن المدخل الى الإصلاح السياسي هو إصلاح نظام الانتخابات، وأن تحقيق الأهداف الوطنية لا يتم إلا في إطار تنظيم تشريعي وتنفيذي ديمقراطي النهج والممارسة قوامها سيادة القانون وتطبيقه على الجميع فليس هنالك من هو فوق القانون وأن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لا يستقيم إلا بترسيخ دولة القانون والمؤسسات وإرساء العدالة وتطوير نظم التعليم وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني والإلمام بمتطلبات العصر واستحداث أدوات المعرفة والخبرات المستنيرة، ورفض الاستقواء بغير القانون والتأكيد على كفاءة ونقاء القضاء الكويتي ونزاهة رجالاته والمحافظة على استقلالية القضاء وسلطاته، وإن الإنسان هو هدف التنمية وأداة تحقيقها، والتأكيد على أهمية التنمية البشرية من خلال توفير فرص العمل وخدمات الرعاية الصحية والسكنية والاجتماعية وإرساء قواعد المعرفة العلمية والتكنولوجية وتطوير البنى التحتية للمعلومات والاتصالات والبحث العلمي، والتطلع الى الخروج من دائرة اقتصاد يعتمد على مورد أحادي ناضب الى اقتصاد منتج ومتعدد الموارد، ودعم القطاع الخاص وتشجيعه ليقوم بدوره المطلوب·
خطاب في غاية الجمال والشمولية في مضامينه، والكل يوافق عليه ويدعمه ويصفق له، ولكن مرة أخرى نقول ليس القصور في صيغ الخطابات ومضامينها، فمعظم خطابات المسؤولين كما أشرنا في عدد "الطليعة" السابق جميلة ومنمقة لا أحد يختلف مع مضامينها بل إنها تبعث التفاؤل وتحرك الطموح لكن المشكلة أنها تبقى حبرا على ورق وتحبس في الأدراج·
فما جاء في خطاب سمو الشيخ صباح ليس جديدا وإن اختلفت الصياغة، فقد كرر ما جاء في الخطابات الأميرية السابقة وعلى سبيل المثال الخطابات الأميرية لعام 98، 99، 2000، 2001، 2002، و2003 وأذكر سموه فقط بالنقاط العشر التي تضمنها الخطاب الأميري الذي ألقاه سموه بتاريخ 19/7/2003 وأذكره بمشروع الخطة الخمسية للفترة 2001/2002-2005/2006 وهي تحديث لمشروع الخطة للسنوات 95/96-99/2000 والمقدم لمجلس الأمة في فبراير 1996، وما زالت تناقش بين المجلس والحكومة·
وقد احتوت هذه الخطة على تفصيلات للأهداف التي ذكرت في الخطاب الأخير مع تحديد التوجهات والأهداف وتحديد الأهداف الكمية، والبرامج التنفيذية وآليات التنسيق والمتابعة·
ومع كل هذا الجهد النظري ومع كل هذه التفاصيل الدقيقة التي لم تتوقف عند تشخيص علل الواقع الكويتي وتحديد الغايات المستهدفة فقط ومع ذلك لم تجد طريقها الى التنفيذ، وما زالت مشاكل المجتمع تتزايد وتتراكم وما زلنا نعتمد على مورد واحد بل زاد اعتمادنا عليه ومازالت فرص العمل محدودة بسبب تواضع معدلات التنمية، وأزمة الإسكان في تزايد، والفساد والرشوة في اتساع كما جاء في بيان مجلس الوزراء في ديسمبر 2002 الذي أشار إلى "انتشار التسيب وتفشي الفساد الإداري في الأجهزة الحكومية" والترهل والتراجع في الجهاز الإداري الحكومي ما زال مستوطنا كما أشرتم في خطاب سموكم في لقاء كبار الموظفين ومناشدتهم بوضع حد له وأضيفت مشاكل وأزمات جديدة كتزايد التعدي على أملاك الدولة، وتدهور أحوال البيئة البرية والبحرية، وزيادة مخالفات البناء، وتفاقم أزمة المرور·
إن الشق عود يا سمو رئيس الوزراء وأمل الناس في رتقه ضعيف فهل أنتم عازمون هذه المرة على عمل يقلص من هذا الشق ويردم شيئا من فجوة ثقة الناس في الحكومة؟ هذا ما ينتظره المواطنون·
فإن كنتم عازمين فهنالك طريق قصير وخطوات بسيطة لإنعاش شيء من التفاؤل لدى الناس بأننا بدأنا خطوات في طريق الإصلاح وجادون في ذلك، هذه الخطوات إذا ما اتخذت تزرع في نفوس المواطنين بصيصا من الأمل·
أولا: تحقيق شعار ترسيخ بناء دولة القانون ومساواة الجميع أمامه ورفض الاستقواء بغير الدستور والقانون، وكما كررتم في الكثير من خطابات وحوارات سموكم بأن لا أحد فوق القانون، ولكن واقع الحال أن آخر شيء محترم في الكويت هو الدستور والقانون واللوائح والنظم المتفرعة منهما، والحقيقة أن هنالك الكثيرين في الكويت هم فوق القانون، وهنالك الكثير من المصالح والمنافع يتم الحصول عليها خارج إطار القانون وبالمخالفة له، وقد ذكرنا موضوع أراضي الدولة التي يفرط فيها بمنحها لأناس بقرارات من مجلس الوزراء أو بالاستيلاء عليها بغير ما نص عليه القانون·
إعادة الاعتبار لهيبة القانون ومساواة الناس جميعا أمامه هي نقطة الانطلاق لترسيخ دولة القانون وتحقيق العدالة للجميع، وهي نقطة الانطلاق لما سميتموه مشروع الإصلاح الوطني الكبير للكويت·
ونقطة البدء بسيطة
أ - أن يبحث مجلس الوزراء مسألة التسيب في أجهزة الدولة وانتشار الفساد والرشوة وعدم الالتزام بالقوانين والأنظمة واللوائح حسب ما جاء في بيان مجلس الوزراء وأن يتخذ قرارا ويصدر قرارا يعمم على كل أجهزة الدولة بمنع الواسطة من أي جهة جاءت وحظر الاستثناءات التي لا تجيزها القوانين والنظم واللوائح·
من له حق يحصل عليه بموجب الإجراءات القانونية المرعية ويرفض أي شيء غير ذلك، ومن يخالف ذلك من الموظفين كبارهم أو صغارهم يحاسب حسابا شديدا، هذا القرار لا يحتاج إلا الى نصف ساعة من البحث في مجلس الوزراء·
ب - تحديد وضع أبناء الأسرة الحاكمة وعلاقتهم بالدولة والمواطنين، وبصراحة أن أبناء الأسرة اليوم هم فوق القانون، القوانين والنظم لا تطبق عليهم في معظم الأحوال سواء في تولي الوظائف خصوصا المراكز المهمة، أو في الترقية، أو في الصلاحيات التي يستحوذون عليها كما هي حال رئيس هيئة الزراعة مثلا، وكذلك في التجارة والتقاضي والحصول على المناقصات أو المشاركة فيها والإعفاء من الكثير من التزاماتهم تجاه الدولة·
واسمح لي يا سمو الرئيس أن أول من يجب أن يطبق عليه هذا القرار هو نجلكم حمد، فهو يتمتع اليوم في الميدان الاقتصادي والتجاري بوضع لا يمكن أن نقول عليه متكافئا مع بقية رجال الأعمال ولا يمكن أن يوصف وضعه بأنه تحت سقف القانون، ولو كنت في مكانكم لطلبت منه أو أمرته أن ينسحب من ميدان التجارة والاقتصاد ليفسح المجال للمنافسة الحرة المتكافئة بين رجال الأعمال، الشيخ حمد اليوم يملك مؤسسات تعتبر "كونجلومريت" أي عملاقة مسيطرة على كل الميادين الاقتصادية وهو أمر خطير، أنت تدرك سمو رئيس الوزراء أنه من الصعب التوفيق بين الإمارة والتجارة، بل إنه من غير الجائز الجمع بينهما، الوضع السليم هو أن أبناء الأسرة ممن هم في خط مسند الإمارة أن تكون ممارساتهم المالية والاقتصادية، من خلال وقفية "ترست Trust" تدار من قبل جهات محايدة ابتعادا عن شبهة استخدام النفوذ وبغير ذلك ستبقى الشكوك وسيبقى اللغط حتى لو لم يفصح عنه·
ثانيا: الإجراء الآخر الذي يمكن أن يجد طريقه الى التطبيق بقرار منكم ومن مجلس الوزراء هو ما أشرتم إليه في خطابكم وهو إصلاح النظام الانتخابي كمدخل رئيسي للإصلاح السياسي·
وإصلاح النظام الانتخابي لا يقتصر على تمكين المرأة من ممارسة حقوقها السياسية وهو أمر تأخر تحقيقه وإنما يشمل إدخال تعديلات جذرية لضمان انتخابات حرة ونزيهة تعبر عن الإرادة الحقة للمواطنين والناس توجه لك اللوم يا سمو الرئيس لوقوفك ضد تعديل الدوائر على الرغم من أن غالبية مجلس الوزراء مع التعديل ولكنك انحزت لموقف الأقلية، الشيخ أحمد الفهد والسيد محمد شرار والشيخ محمد عبدالله المبارك الأمر الذي خيب آمال الناس وصدمهم وآثار التساؤل بمدى تمسكك بالدستور وإيمانك بالديمقراطية كما جاء في خطابك وتكرر في كل خطاب أميري· بل تعدى الأمر ذلك الى التساؤل حول وضع مجلس الوزراء كهيئة قيادية تصنع القرار السياسي وهل يمارس الوزراء صلاحياتهم الدستورية لتحقيق ذلك أم هم موظفون كبار يخضعون وينصاعون للأوامر، والقرارات الفردية·
الفرصة الآن متاحة لتعديل قانون الانتخابات تعديلا جذريا وليس فقط تعديل الدوائر·
هذان الإجراءان سمو الرئيس لو اتخذا بقرار من مجلس الوزراء وتم الالتزام الصارم بتطبيقهما، فإنهما سيحققان أمورا كثيرا، منها الشعور لدى جميع المواطنين بالمساواة أمام القانون والعدالة، تشجيع القطاع الخاص وتحفيز المبادرات لأن الكل سيأخذ حقه وفقا للإجراءات القانونية، يطلق بداية الإصلاح الإداري، يعزز كفاءة ونزاهة القضاء، ييسر ملاحقة سراق المال العام والمعتدين عليه، يحافظ على المال العام وأملاك الدولة من التعديات الجائرة، يدفع عجلة التنمية، يدعم التعاون بين السلطتين لأنه سيفسح المجال أمام نواب أكفاء نزهاء ويقفله في وجه مشتري الأصوات والذمم والواسطة ونقل الأصوات·
كل ذلك من شأنه يا سمو الرئيس أن يحافظ على الوحدة الوطنية ويرسخها ويزيل الحواجز والفوارق التي تنخر في الوحدة الوطنية وتضعفها·
سمو رئيس الوزراء هل أنت عازم على الإصلاح؟ وهل ننتظر منك خطوات جادة حاسمة حتى لو كان مركبها صعب عاطفيا؟ أم سنواصل مسيرتنا كما في السابق خطابات جميلة ووعود براقة لا تجد طريقها الى التنفيذ فيستمر التراجع ويزداد الإحباط؟!