
· وزعنا منازل الفلسطينيين على اليهود الغربيين أما الشرقيون فكانوا يوضعون في مساكن وضيعة
· العصابات الصهيونية كانت تخفي أجندتها السرية تجاه الفلسطينيين حتى عن الكثير من اليهود
· الصهيونية حركة عنصرية في طريقها الى الاندثار
· بن غوريون كان على علم تام بمجزرة دير ياسين
· رأيت بنفسي جرائم عصابات الهاغاناه وشتيرن ثم جيش الدفاع الإسرائيلي
· ظل التعايش قائما بين العرب واليهود في حيفا وعكا والناصرة حتى اندلاع حرب "الاستقلال"
· ما فعله اليهود في فلسطين عام 1948 كان تطهيرا عرقيا بكل ما للكلمة من معنى
· البريطانيون سلموا مراكز الشرطة والمستودعات المليئة بالأسلحة لليهود قبل أن ينسحبوا
قد يجد البعض شيئا من التناقض في حياة شخص مثلي نشأ لأسرة من الطبقة الوسطى في ألمانيا ثم هاجر الى فلسطين وتحول الى صهيوني ينتمي الى منظمة متطرفة مثل "الهاغاناه" ثم أصبح متطوعا في جيش الدفاع الإسرائيلي·
عائلتي لم تكن ألمانية فقط، بل كانت تفخر بكونها من شمالي ألمانيا وتزدري الألمان الجنوبيين سواء كانوا يهودا أو غير يهود· أما النمساويون والأوروبيون الشرقيون فكانوا خارج حدود أي اعتبار، لقد تعمق انصهارنا في المجتمع الألماني على مدى أجيال، ولعب الدين دورا مثيرا للسخرية في ذلك·
لقد كان شعوري بالخوف كوني يهودية للمرة الأولى عام 1933 ففي عيد الفصح من ذلك العام دخلت المدرسة وقيل لي في مساء اليوم السابق بأنني سوف أسأل عن ديانتي وعلي أن أجيب بأنها "اليهودية" وهو ما أكدت لي والدتي بأنه شيء لا يدعو الى الخجل، ولكن الأحداث اللاحقة أثبتت العكس، فقد اعتلى هتلر سدة الحكم وأصبح معظم الأساتذة يتلفظون بألفاظ جارحة ضد اليهود أمام الطلبة، بل إن بعضهم كان يعزل الطلبة اليهود في إحدى زوايا الصف ويرفض تدريسهم، وخلال عامين، توقف أصدقاؤنا عن اللعب معنا أو دعوتنا الى بيوتهم، كما أوقفوا زياراتهم لنا، لقد أصبحنا معزولين بشكل متزايد، عن الأماكن العامة للتسلية واللهو كالمسارح وحفلات الموسيقى وأحواض السباحة وغير ذلك، ومما زاد الأمور سوءا، أصبح يتم الاحتفال بإضاءة شجرة عيد الميلاد وتوزيع بيض عيد الفصح بدلا من الأعياد اليهودية مثل "هانوكا" وعيد الفصح اليهودي·
وأذكر أنني كنت أتبادل الآراء مع شبان يهود وكنا نتمنى لو لم نكن كذلك، لقد أخفى عنا أهلنا الخطر الحقيقي الذي كان محدقا بنا لكوننا يهودا على الرغم من أن برلين مدينة كبيرة ولم يكن من السهل التعرف على من هو اليهودي·
ومع ذلك، بدأت تتصاعد موجات الهجرة اليهودية عن ألمانيا وخرجنا منها عام 1937، وغادرها معظم أصدقائنا اليهود الى دول أوروبية أخرى مثل بريطانيا أو الولايات المتحدة، وكنت أخشى ألا يكون معظم أقاربي قد امتلكوا ما يكفي من بعد النظر لمغادرة ألمانيا، أو أنهم اعتبروا فكرة المغادرة غير واردة، الى أن تعذر عليهم ذلك، وقضى معظمهم في معسكرات الاعتقال·
الهجرة الى فلسطين
لماذا هاجرنا الى فلسطين؟ لم يكن السبب المثاليات الصهيونية بالتأكيد، خصوصا تلك التي كانت تحملها والدتي، لكن كان لوالدي اثنان من الأقارب الذين اعتنقوا الصهيونية واستقروا في فلسطين في الثلاثينات، وقد أقنع هذان القريبان والدي بالهجرة، بعد أن ضمنا له عملا في سلطة الانتداب البريطانية تختص في الهندسة الكهربائية (حيث كان يعمل قبل ذلك مع شركة سيمنس)·
وهكذا وصلنا الى ميناء حيفا في شهر أكتوبر عام 1937 في خضم الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي كانت تصفها سلطة الانتداب البريطانية والمستوطنين اليهود، على حد سواء بـ "الاضطرابات"·
وكان الشعار السائد في ذلك الوقت "اليهودي يعمل مع اليهودي"، أي أنه كانت هناك مقاطعة للتعامل أو توظيف الفلسطينيين·
ولم تكن معالم العلاقة بين المجتمعين اليهودي والعربي في فلسطين واضحة تماما، ففي بعض المدن استمرت علاقات حسن الجوار، وقد علمت من صديقة فلسطينية أنها كانت تتلقى دروسا في العزف على البيانو على يد معلمة يهودية وأنها كانت تتقن اللغة العبرية وتتحدثها بطلاقة في تلك الفترة، وبالمثل، كان المجتمعان مختلطين الى حد كبير في حيفا وظلا كذلك حتى "تحرير" حيفا عام 1948·
وكانت انتفاضة 1936-1939 موجهة بالدرجة الأولى ضد سلطة الانتداب البريطاني وضد المستوطنات اليهودية التي كانت تنتشر بسرعة، وأحيانا كانت تبنى مستوطنة صغيرة خلال ليلة واحدة، وكان القانون العثماني القديم يسمح بأن تصبح المستوطنة شرعية فور استكمال بناء برج المراقبة وسياج حولها، وقد استغل المستوطنون هذا القانون للاستيلاء على الأراضي المتنازع عليها أثناء الليل·
ثورة 1936
وخلال هذه الفترة (من 1936-1939) توقف حتى أكثر ملاك الأراضي الغائبين جشعا ممن كانوا يعيشون في بيروت، عن بيع الأراضي للصندوق القومي اليهودي، فقد وضعت مخاوف الفلسطينيين من نوايا المستوطنين اليهود مزيدا من الضغوط على ملاك الأراضي، في الوقت الذي كان المجتمع اليهودي ينفي تماما وجود أية نوايا سيئة، لقد كنا نعتقد بحزم أن المستوطنات كانت تقام على أراض مهملة وغير مستخدمة، ولذلك كنا لا نفهم مشاعر سكان البلاد الأصليين المناهضة لتلك المستوطنات، فلم نكن نستولي على أراضيهم، أو هكذا كان يشيع اليهود، بل نحول الأراضي القاحلة الى أراض خضراء ومثمرة، ومن أجل هذه الغاية، فرضت ضريبة على معظم السلع والنقل العام، فضلا عن صناديق جمع التبرعات في كل المحلات والمدارس والمطاعم وأماكن الترفيه العامة، وكانت العائدات تذهب الى الصندوق القومي اليهودي وصندوق المستوطنات، وكانت تأتي التبرعات من التجمعات اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة وعدد من المستعمرات البريطانية، وفي عام 1950 أصبحت ممثلة لنقابة المعلمين في أحد المؤتمرات الوطنية الذي نوقشت فيه مسألة استمرار أو عدم استمرار جمع التبرعات والضرائب خصوصا في المدارس، ولم أفهم مغزى ذلك خصوصا أنه أصبحت لنا دولة، ولكن كان الرأي للأغلبية بأننا بحاجة الى المزيد من الأراضي·
في أثناء سنوات دراستي أصبحت منخرطة بشكل متزايد في الحركة الصهيونية والحركة الاشتراكية، شأني في ذلك شأن الكثيرين في ذلك الوقت، لا سيما الذين استكملوا دراستهم بعد سن الرابعة عشرة، ولم نكن نرى تناقضا بين الحركتين، لقد كنا نقاوم الاستعمار ممثلا بالانتداب البريطاني، وكان ذلك هو الهدف من تدريبنا السري في صفوف عصابة "الهاغاناه"·
لقد أدركت الفارق بين العيش في ألمانيا وفلسطين منذ البداية، حيث التحرر من القيود والوصمة والقلق من كونك يهوديا إضافة الى جمال الطبيعة والطقس في فلسطين، لقد أسرتني الحياة الجديدة ونمطها الرائع، لقد أدركت في عقلي الباطن أن هذه المشاعر قادتني الى إحساس بالتفوق وأهمية الذات والغطرسة والعدوانية، وهي الصفات التي تجدها لدى الإسرائيليين في هذه الأيام·
لقد كان معظم أبناء جيلي من اليهود يحلمون بالريادة كأعضاء مؤسسين لأحد "الكيبوتسات" الجديدة (القرى الزراعية التعاونية)، لقد كان لدينا خبرة العمل والعيش في مثل هذه الكيبوتسات، وكنا في حالة فقر شديد ونعمل كمتطوعين خلال العطلات الصيفية وعطلات نهاية الأسبوع ونتدرب خلالها على مختلف أنواع الأسلحة، وكان في كل "كيبوتس" مستودع سري لتخزين السلاح·
وفي هذه الأثناء، كانت ثورة 1936 الفلسطينية توشك على نهايتها، ولم أكن على علم آنذاك بالطرق الوحشية التي انتهجها الإنجليز لقمعها، بل إن المجتمع الفلسطيني بدا لنا شيئا بعيدا وغامضا، ويمكنني تخيل الأطفال البيض في الدول التي خضعت للاستعمار كالهند والدول الإفريقية الذين لا يعيرون بالا لسكان البلاد الأصليين، إلا كونهم عبيدا وخدما وعمالا للأعمال الوضيعة أو كغرباء يلحظونهم بصورة عرضية من خلف الشرفات أو نوافذ السيارات·
قيود على الهجرة
وكان ذلك هو الوقت الذي تنامت فيه المخاوف بشأن أفراد عائلتنا الذين ظلوا في ألمانيا، فقد توقفت أية أخبار عنهم مع حلول عام 1941، وكانت والدتي قبل ذلك تحاول عبثا ولأكثر من عامين الحصول على إذن لقدوم والدتها الأرملة الى فلسطين·
فقد فرضت بريطانيا قيودا على الهجرات اليهودية، نتيجة للاحتجاجات من قبل الفلسطينيين على زيادة أعداد المهاجرين اليهود بسبب نظام هتلر، ولم يكن كبار السن من اليهود يتمكنون من الحصول على إذن من بريطانيا بالدخول الى فلسطين، ثم علمنا أن جدتي أرسلت الى أحد مراكز الاعتقال مع كل أقاربنا، ولم ينجو منهم أحد·
لقد أصابت الحرب المجتمع اليهودي خاصة بقلق عام وأصبح كل يهود أوروبا يشعرون بالأسى لمصير الأقارب والأصدقاء الذين تركوهم خلفهم في ألمانيا، وكان هناك شعور متزايد بالمرارة لعدم تحرك الحلفاء خصوصا بريطانيا لمحاولة إنقاذ اليهود أو رفع أصواتهم ضد تلك الجرائم التي بدأت أخبارها تنتشر·
ومن الجوانب المضيئة في الحرب بالنسبة إلي أنني تعرفت على الفلسطينيين للمرة الأولى حين استقرت عائلتي في حيفا عام 1941، وكنا قد تنقلنا قبل ذلك بين القدس وتل أبيب وحيفا بعد أن وجد والدي عملا في مصلحة الهواتف·
وكان جيراننا في حيفا من العرب وأصبحت ابنة إحدى العائلات صديقة لي وكثيرا ما كنت أزورها في منزل العائلة وكنت ألقى معاملة طيبة وحميمة بالرغم من أن إلمامي باللغة العربية كان ضعيفا، وقد أعجبت كثيرا بنمط حياة الفلسطينيين، بل إنني كنت معجبة بالابن الأكبر للعائلة الذي تخرج لتوه من الجامعة في بيروت، ومن خلال اتصالي بهذه العائلة أصبحت أحتك بعرب آخرين بالرغم من تأثري بوجهة نظر والدتي السلبية عنهم·
وكانت نساء الجيران يأتين لمساعدتنا في بعض الأعمال، وكانت والدتي تعلم الكثير عن حياتهم ومشكلاتهم حتى بالرغم من اختلاف اللغة·
وقد أقنعت والدي الذي كان له أصدقاء عرب بالحصول على بعض الوصفات الغذائية العربية·
وكانت لا تزال حيفا مدينة مختلطة وكثيرا ما كنا نزور وسط المدينة ذي الغالبية العربية والقريب من الميناء، وكانت أسواق وسط المدينة تعج بالسلع والمواد والمنتجات الطازجة خصوصا السمك، وكانت فيها المطاعم والمكتبات وخصوصا مكتبة حبش·
وكانت إحدى صديقاتي تتلقى دروسا في الموسيقى عند داعية السلام اليهودي يوسف أبيليا الذي كانت دروسه في الموسيقى تشمل طلابا من العرب واليهود واليونانيين والأرمن وغيرهم، وبعد سنوات طويلة، دعيت الى بيرمنغهام من قبل اتحاد طلبة فلسطين هناك لحضور محاضرة للأبيليا يدعو فيها الى السلام والاعتراف بتطلعات الفلسطينيين، وقد عاد لتوه من الولايات المتحدة، وما زال يدعو هو وزوجته، الى تحقيق العدالة في فلسطين·
روح التسامح
وكنا كثيرا ما نزور مدينتي عكا والناصرة وكانت تسود روح التسامح بين العرب واليهود، على الرغم من أنني لا أعرف يهودا آخرين في حيفا ممن كانوا يقومون بزيارات منتظمة لمنازل عرب، ولكن كان ذلك يحدث في المناطق المختلطة·
وعند انتهاء الحرب تصاعدت التوترات بين اليهود والسلطات البريطانية، ولكن أيضا، بين الأحزاب اليهودية الرئيسية وحزب "بيتار" اليميني بزعامة مناحيم بيغن والذي انقسم الى عصابتي "اتزل" و"شتيرن"، وزعمت عصبة الدفاع اليهودية أو "هاغاناه" - رسميا على الأقل - أنها تخوض حربا مع اليمين، فقد طلب منا تمزيق لافتاتهم أينما وجدت، ومع ذلك كان معظم اليهود غائبين عن الأجندة الخفية وأخطارها على الفلسطينيين·
في عام 1946 كان لايزال اليهود أحرارا في التجول بحرية في المناطق العربية من مدينة القدس، واستمر تصاعد التوتر مع قيام إرهابيين من عصابتي "اتزل" و"شتيرن" بشن الهجمات ضد أهداف عربية وبريطانية وقيام السلطات البريطانية بفرض نظام منع التجول بشكل متكرر، وكان اليهود يقومون بمحاولات مستميتة لإدخال المهاجرين اليهود الى فلسطين من خلال البحر ويطالبون بدولة يهودية·
وقد قابل اليهود قرار التقسيم عام 1947 باحتفالات صاخبة والرقص في الشوارع طوال الليل، وفوجئنا بالقلق على وجوه العرب في صباح اليوم التالي، وما لبثت الحرب أن اندلعت وبدأت عمليات طرد السكان العرب التي كانت قد بدأت قبل ذلك في مناطق أخرى·
وتوسعت أعمال العنف بحدة بعد انسحاب القوات البريطانية في شهر مايو 1948، فبعد سنوات من سياسة "فرق تسد" التي مارستها بريطانيا وأسهمت في تأجيج الصراع بين العرب واليهود في فلسطين، غسلت يديها فجأة من النزاع وتركت الطرفين يواجهان مصيرهما، ولكن معظم مراكز الشرطة البريطانية تركت فيها كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي وقعت بأيدي اليهود، وهو ما حدث أيضا بالنسبة للسجون ومحطات الرادار والمخازن، وإنني أتساءل الآن، هل حدث ذلك بمحض الصدفة؟!
لقد أنهينا دراستنا في الصيف مبكرا، وكانت القدس تخضع للحصار منذ الشتاء ولم يكن فيها كهرباء أو وقود، وكانت كميات المياه والمواد الغذائية قليلة، ومنذ شهر يناير، كان معظم الطلبة وغيرهم من اليهود يقضون لياليهم في مهام الحراسة في صفوف "الهاغاناة" في التلال المحيطة بالقدس، وفي شهر يونيو، أصبحنا أعضاء كاملين في جيش الدفاع الإسرائيلي الناشئ، ومع ذلك شعر معظم اليهود بالصدمة العميقة لوقوع مجزرة دير ياسين حينما علموا بذلك·
دير ياسين
في صباح أحد أيام أبريل 1948، اندفعت صديقة الى غرفتي والدموع تغمر عينيها وقالت "إنهم ذبحوا كل أهالي دير ياسين"، وقد مضى بعض الوقت قبل أن نستوعب ما حدث، فقد كان يقال لنا باستمرار أن سكان هذه القرية كانوا مسالمين ومع ذلك لقوا مصيرهم بلا شفقة وبوحشية متناهية، وبهذه المجزرة سقطت ورقة التوت عن عورة عصابة شتيرن التي أصبحت حزب الليكود فيما بعد، وبعد أشهر عدة تم ادماج أعضاء "شتيرن" و"اتزل" في الجيش وأصبح زعماؤهما قادة فيه، ووقعت كل الاحتجاجات على ذلك، على آذان صماء، فأصبح لنا دولة ذات جيش واحد، كما قالوا لنا آنذاك، وفي تلك الظروف المحفوفة بالمخاطر، كانت هناك حاجة لكل شخص من أجل الدفاع عن الدولة الوليدة، والآن، أصبح معروفا أن مذبحة دير ياسين قد تمت بمعرفة تامة من ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لدولة إسرائيل·
وقد تم التوصل في ذلك الصيف الى وقف قصير لإطلاق النار فعدت الى حيفا لمدة أسبوع، وخلال غيابي تم "تحرير" حيفا وعدد آخر من القرى والمدن مثل يافا والعفولة وصفد واللد وغيرها، ولم نكن نعلم عن ذلك شيئا في القدس بسبب الحصار الذي يفرضه البريطانيون عليها، لقد تم طرد سكان هذه المدن والقرى من خلال الهجمات المباشرة أحيانا وبوسائل أخرى مثل اللجوء الى ترويع السكان أحيانا أخرى، ففي حيفا مثلا، أعطي الفلسطينيون مهلة لمدة 24 ساعة للمغادرة وتولى جنود مدججون بالسلاح إخراجهم بالقوة، وقد تم إخلاء وسط المدينة التجاري الذي يعود في غالبيته الى سكان عرب، وحدث ذلك للمناطق السكنية أيضا، وأجبر جيراننا العرب على الرحيل، وتتذكر والدتي تلك الأحداث بالدموع، بينما يفخر بها والدي، ولم يكن تعبير "تطهير عرقي" قد عرف بعد، لكن ما فعله اليهود وما زالوا يفعلونه بالفلسطينيين ينطبق عليه هذا المصطلح·
فقد أنجز اليهود "تحرير" المحلات والشركات والأسواق وسيطروا عليها، ولم يبق في حيفا سوى حي عربي واحد هو وادي النسناس، وهو حي فقير يشبه "الغيتو"، فما الذي حدث لجيراننا العرب الذين كانوا يعيشون في حيفا منذ مئات السنين؟ إنه قلق يساورني منذ عشرات السنين ويأبى أن يبرح الذاكرة·
ولدى عودتي الى القدس، التحقت بسرية بقيادة موشيه دايان الذي سبق له أن "حرر" قلقيلية وعدد آخر من القرى والبلدات وقام بترويع السكان من خلال إصدار الأوامر لقواته بإطلاق بعض السكان الذي شاهدوا الأهوال لكي يقوموا بنشر ما رأوه لسكان المناطق الأخرى·
وكان يقوم بإطلاق القذائف والقنابل اليدوية على المناطق السكنية الخاصة بالعرب قبل أن يشن الهجمات على هذه المناطق بقوات راجلة، وفي ذلك الوقت، كان معظم السكان العرب قد فروا رعبا، وكان دايان فخورا بالنجاحات التي أحرزها باستخدام هذه التكتيكات، وأعتقد أنه استخدمها كثيرا، والحقيقة أن السكان الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم أو كانوا خارجها أثناء "حرب التحرير" لم يسمح لهم بالعودة·
دعاية صهيونية
والآن، وبعد وقت طويل أدركت أنه كان من السهل جدا تصديق الدعاية الصهيونية آنذاك بأن معظم السكان العرب قد فروا من بيوتهم بالرغم من جهود إسرائيل لطمأنتهم وإقناعهم بالبقاء! وبالإضافة الى ذلك، كان اليهود في عدد من دول الشرق الأوسط يعانون من الاضطهاد والمخاطر واضطروا الى الهجرة أو هكذا أقنعونا، أي أن في ذلك تبادل عادل! وكنت أصدق هذه الرواية حتى نهاية الخمسينات حين قابلت أحد المهاجرين "المضطهدين" وأعطاني صورة مختلفة تماما·
وفي أوائل الخمسينيات تم الاستغناء عن خدمات كل المدرسات والممرضات في الجيش الإسرائيلي، وبعد ذلك بقليل بدأت التعليم للمرة الأولى في بلدة الطيرة، التي كانت قرية فلسطينية تنعم بالرخاء وكنا نراها في أثناء مرورنا في الطريق بين حيفا وتل أبيب، وقد دهشت لرؤية مدرسة حديثة في مبانيها ومنشآتها وتجهيزاتها، وكان التصور العام عند اليهود عن سكان القرى العرب بأنهم أميون·
وقد أصبح يسكن هذه القرية الآن مهاجرون يهود معظمهم من بلغاريا وتركيا، في البداية لم تكن لدينا أية وسيلة للاتصال، ولكن مع مرور الوقت اتضح أن أولياء أمور الطلبة لم يكونوا سعداء كثيرا بالمنازل الجديدة، لقد تأقلم البلغار مع الحياة الجديدة، لكن الأتراك شعروا أن آمالهم بحياة سعيدة لم تتحقق، بل شعر القادمون من هاتين الدولتين أن لا حاجة لهم، بل إنهم ليسوا موضع ترحيب، فقد وضعوا في أماكن معزولة، وكان معظمهم يعاني من البطالة، أما الشباب منهم فقد انخرطوا في صفوف الجيش·
وقد أتيحت لي الفرصة لمقابلة بعض هؤلاء الجنود حينما استدعيت لخدمة الاحتياط في عام 1952 حيث أرسلت الى إيلات لمدة شهر، وكلفت بتدريس مجموعة من الجنود الذين لا يتحدثون اللغة العبرية، وقد صدمت لحجم السخط الذي يشعر به هؤلاء الشباب الذين قالوا إنهم لا يريدون تعلم العبرية، وقال أحدهم وهو مهاجر من اليمن إن كل هؤلاء الجنود جاءوا من دول مختلفة معظمها عربية تاركين وراءهم حياة مستقرة ومقنعة، لقد وقعنا ضحية الدعاية الصهيونية بالقدوم لمساعدة الدولة العبرية التي تتعرض لخطر التدمير من الدول العربية المحيطة بها، وكان يتم استخدام هؤلاء في الخطوط الأمامية للمعارك، ولكن لدى وصولهم الى المطار كان يتم رشهم بمادة الـ "دي· دي· تي" المطهرة، ثم يعزلون في معسكرات استقبال بدائية، وبعد أسبوعين أو ثلاثة يتم إلحاقهم بالخدمة العسكرية لمدة ثلاث سنوات، وكان يتم إرسالهم الى قواعد عسكرية لا يعرفون فيها مكان عائلاتهم أو كيف يعيلون أنفسهم، لكنهم كانوا على دراية تامة بالتمييز في المعاملة التي يلقاها المهاجرون من بلدان أوروبية وأولئك المنحدرين من أصول شرقية، فقد كان الأوروبيون يتلقون المساعدات لإيجاد المسكن المناسب والعمل المناسب، لقد كانت أعداد كبيرة من المهاجرين الشرقيين ترغب بالعودة الى البلاد التي جاءت منها، بل إن المهاجرين من الهند نظموا اعتصاما في وسط تل أبيب للمطالبة بإعادتهم الى بلادهم، لكن كان من الصعب تحقيق هذه الرغبة لأن، السلطات الإسرائيلية كانت تمنح المهاجرين - فور وصولهم - الجنسية الإسرائيلية دون إطلاعهم على حقيقة ما يعنيه ذلك أو استشارتهم في ذلك، ونتيجة لذلك، فقد معظم المهاجرين جنسياتهم الأصلية·
مؤشر خطير
وفي زيارة قمت بها أخيرا لإسرائيل وفلسطين التقيت بمهاجر عراقي كان من بين هؤلاء وأبلغني بأنه لا يزال يشعر بالمرارة لما حدث له ولأبناء مجتمعه ولكل المهاجرين غير الأوروبيين·
وقد فتحت تجربة إيلات عيني على حقيقة الحياة الجديدة خصوصا للمهاجرين غير الأوروبيين، وقد رأيت في ما بعد، عددا من القرى التي أقيمت على عجل في مناطق معزولة لإيواء الكثير من المهاجرين، ومن ثم أخليت هذه الأماكن وأعيد توطين هؤلاء في مساكن وضيعة، أما منازل الفلسطينيين فقد تم توزيعها على المهاجرين الأوروبيين·
لقد أصبحت المعاملة السيئة والتي تقوم على التمييز ضد من تبقى من المواطنين العرب في الدولة العبرية تثير القلق والشكوك والغضب، بل واعتبرت مؤشرا خطيرا من قبل التقدميين الإسرائيليين الذين كانوا قليلي العدد لسوء الحظ، وكانت الحجة الدائمة للسلطات هي "الاحتياجات الأمنية" وبأنه كان لا بد من التصدي لخطر "الفدائيين" الذين كان معظمهم من الفلاحين الذين طردوا من أرضهم ويتوقون للعودة إليها، ومع ذلك، كان الجميع يعلم أنهم قليلو العدد والتأثير واقتصر خطرهم على مناطق أقصى الشمال وأقصى الجنوب وليس على المراكز السكانية، ولم يكن هناك مبرر لحرمان الفلسطينيين من حرية الحركة أو حرمانهم من الخدمات الصحية أو التعليمية وغيرها وتقييد دخولهم الى فروع كثيرة من الدراسات الجامعية والمهنية، ناهيك عن رفض انخراطهم في النقابات العمالية والمهنية·
لقد جرت معالجة بعض هذه المسائل، لكن الكثير منها لا يزال قائما، وهناك اليوم الخطر الإضافي المتمثل بـ "تهويد" الجليل على سبيل المثال، حيث تتم مصادرة بعض القرى القديمة وترحيل سكانها الى أماكن أخرى رغما عن إرادتهم، والآن، تعلن السلطات الإسرائيلية أن هذه القرى بنيت بشكل غير شرعي وبالتالي، لا تحظى بخدمات الكهرباء والماء أو الطرق، ويتم ذلك في الوقت الذي لم يسمع فيه أحد داخل أو خارج الحكومة الإسرائيلية بشيء اسمه قرى غير شـــرعية أو غــير معترف فيها·
لقد انكشفت حقيقة هذه الدولة الجديدة الى أقصى درجة في أزمة السويس عام 1956، إذ لا يمكن لأحد تفسير مشاركة إسرائيل في العدوان الثلاثي على أنه جاء لبواعث أمنية، بل كان عدوانا سافرا، لقد كان معظمم الإسرائيليين سعداء بذلك العدوان باستثناء أعضاء الحزب الشيوعي وبعض الأشخاص المستنيرين·
هوس أمني
وقد بلغ الهوس الأمني بالسلطات الإسرائيلية درجة فرض الرقابة على البريد الشخصي للمواطنين الإسرائيليين أنفسهم، ناهيك عن العرب، فضقنا ذرعا بهذه الأوضاع وحين عرضت جامعة بريستول عام 1958 على زوجي وظيفة "زميل بحث" قررنا الهجرة الى بريطانيا·
وطوال السنوات منذ ذلك الحين، أقوم بزيارات متكررة لإسرائيل، ولكني توقفت عن زيارة الدولة العبرية منذ صعود مناحيم بيغن الى السلطة عام 1977·
وخلال سنوات وجودي في بريطانيا، اطلعت على الكثير من الكتابات للصهاينة الأوائل مثل هرتزل، وكذا لعدد من الفلسطينيين من أمثال إدوارد سعيد ورمزي الصايغ وغيرهما ممن لا تصل مؤلفاتهم الى إسرائيل، وبدأت أدرك أن تصوري عن الصهيونية أنها ضلت طريقها وأخطأت، قد تغير، إذ لم يكن لها ما يبررها منذ البداية، وقد التقيت أيضا، بالكثير من الشخصيات الفلسطينية ولاسيما من الطلبة في بريطانيا في السبعينات، وأصبحت أتفهم مطالبهم أكثر من ذي قبل، ولكن غزو لبنان عام 1982 جعلني أتحول من كوني غير صهيوني الى مناوئة للصهيونية·
ففي مظاهرة ضخمة في لندن في صيف عام 1982 تعرفت على عدد من الإسرائيليين أو اليهود من ذوي الأفكار المماثلة لتلك التي أؤمن بها، واكتشفت أن بوسعي أن أنخرط في نشاط سياسي فعال داخل بريطانيا قد يكون له تأثيره في إسرائيل، وأعتقد - بصفتي مواطنة إسرائيلية تقدمية سابقة، ولدي إدراك سياسي متواضع - أن الصهيونية في طريقها الى الأفول حتما·
ü كاتبة هذه المذكرات هي "حنة برون" الألمانية اليهودية التي تعيش في لندن الآن، وتناهض الصهيونية عبر عضويتها في لجنة التضامن مع الشعب الفلسطيني في بريطانيا·
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com