كتب محرر الشؤون العربية:
بعض مراقبي شؤون الشرق الأوسط مثل محرر "الإيكونومست" البريطانية في 31 يونيو الماضي، يعتقد "أن شيئاً مثيراً على وشك الحدوث"، فرئيس الوزراء الصهيوني آرييل شارون بدأ يبرز "كبطل" براغماتي من نوع جديد في تحديه لثوابت يمين الليكود والمستعمرين (سكان المستعمرات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية) في بحثه عن فك ارتباط من جانب واحد مع غزة، ومن جانب آخر لا يتحدى الجيل القيادي الفلسطيني الشاب الواثق من نفسه البطانة الفاسدة المحيطة، بياسر عرفات فقط، بل يتحدى زعيم الحركة الفلسطينية ذاته·
كل هذا يثير تفاؤل عدد من الأوروبيين والإعلاميين إلا أنه كما يقول "هنري سيغمان"، أحد زعماء المؤتمر اليهودي الأمريكي في الهيرالد تريبيون (الطبعة الدولية - 2004/8/20) يستند لسوء الحظ إلى "قراءة خاطئة للواقع الفلسطيني والإسرائيلي"· ويؤكد سيغمان على أن "شارون" ليس في وارد الموافقة على أدنى شرط من شروط قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة·
ودليله هو إصرار "شارون" الثابت على تجنب التعامل مع الفلسطينيين، حتى إن كان لمنع حدوث فوضى بعد الانسحاب المأمول من غزة، وإصراره على توسيع المستعمرات اليهودية، في أرجاء الضفة الغربية·· وهذا الإصرار يكذب تفكير الراغبين بحدوث تغيير مثير·
ما يقوله "سيغمان" بعد ذلك هو ما يكشف عن الاتجاه الصهيوني· فشارون يصر بوضوح لا مثيل له على أنه ينوي فك ارتباطه مع غزة فقط لأنه يؤمن أنه الثمن الذي يجب أن تدفعه إسرائيل للاحتفاظ بأراض كافية، من الضفة الغربية لضمان سيطرة إسرائيلية دائمة على المنطقة، إنه لا يتوقف عن الإعلان عن منشآت جديدة وتوسيع للمستعمرات·
مع ذلك فإن "سيغمان" لا يتطرق أيضاً إلى أن الانسحاب المزعوم من غزة لن يعدو وضعها تحت حصار يعمل على خنقها والضغط على عنقها كلما اقتضت الظروف، وهذا هو ما يقوم به الجيش الإسرائيلي فعلياً·
في الجانب الفلسطيني، يبلور "سيغمان" رؤية موازية، تقول بأن ظهور الجيل الفلسطيني الشاب لا يعني اتفاقاً مع تصور شارون لاتفاقية سلام (ترتيبات موقتة) تترك لإسرائيل السيطرة على الضفة الغربية، وتؤجل قيام دولة فلسطينية لعدة عقود قادمة، تواصل خلالها إسرائيل تفتيت ما تبقى من مناطق فلسطينية إلى كانتونات معزولة عن بعضها البعض·
هذا الجيل الفلسطيني يطالب بوضع حد لفساد قادته، ويطالب بانتهاج استراتيجية متماسكة للصراع من أجل دولة فلسطينية فشل عرفات في توفيرها· أما نجاح هذا الجيل في تقديم مثل هذه الاستراتيجية، أو تبنيه للعنف أو التخلي عنه فهما أمران يرى "سيغمان" أن إرادة إسرائيل هي التي ستحدده، إرادتها في التأكيد للفلسطينيين أن قيام دولة قابلة للحياة يتحقق بوسائل لا عنفية، وهو تأكيد لا يبدو أن مقترح شارون بفك الارتباط مع غزة من جانب واحد يقدمه·
ينتقل "سيغمان" بعد ذلك إلى الداخل الصهيوني، فيلاحظ أن الخلاف بين "شارون" ومن ينتقد خطته للانسحاب في أوساط اليمين الإسرائيلي ينصب على الصفقة شكلياً ولايمس جوهر موقف الطرفين· فهم مختلفون مثلاً على ما إذا كان يجب السماح للفلسطينيين بأن يطلقوا على ترتيبات فصل شبه عنصرية، لكانتوتات متفرقة اسم دولة· شارون من جانبه يصر على أن الليكوديين المخالفين يجب أن يقبلوا هذا، وإلا فإن الترتيبات التي يقوم بها لإعداد الكانتونات سترفضها الولايات المتحدة الأمريكية، ويرى كثير من الليكوديين، بمن فيهم بنيامين نتنياهو، أن مجرد القبول بحق فلسطيني في دولة سيطلقون شرارة فاعليات تسعى نحو السيادة ولن يكون بمقدور إسرائيل السيطرة عليها·
الرؤية بين الطرفين واحدة في الجوهر، مهما كان من شأن الاختلاف في التكتيك ودلالة الأسماء، والأكثر وضوحاً في التعبير عن هذه الرؤية وإعطائها شيئاً من "العقلانية" هو "أوزي آراد" الذي كان مستشاراً في الشؤون الخارجية لنتنياهو·
سخر "آراد" المطلع على خلفيات وآراء شارون ورؤساء الأجهزة الأمنية عبر معهد دراسات يعمل فيه في "هوتسليا"، في صحيفة هآرتس (6 أغسطس 2004) من الحجة القائلة بأن على اليهود أن ينسحبوا من المناطق (تسمية إسرائيلية للضفة الغربية المحتلة) أو يفرضوا نظام فصل عنصري على الفلسطينيين إذا أرادوا الحفاظ على دولة يهودية، ومن دون ذلك سيتحولون إلى أقلية، في فلسطين· وقال إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في العقد الأخير قامت بفك الارتباط السياسي مع سكان المناطق الفلسطينية، وتم إخلاء المدن والبلدات منذ زمن طويل، ولم يعد عدد الفلسطينيين بين النهر والبحر ذا علاقة بكون إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية·
يقول "سيغمان" تعليقاً على هذه المعضلة لمشروع شارون، إن حكومة جنوب إفريقيا فكت ارتباطها أيضاً من البانتوستاتات التي أقامتها كأوطان للأغلبية، الإفريقية السوداء، ولا يفهم أو لا يهتم "آراد" و "شارون" ومن يواليهما بفهم أن "فك الارتباط" الجنوب إفريقي بالذات هو الذي أعطى نظام جنوب إفريقيا سمته العنصرية، وأن فك الارتباط سيفعل الأمر نفسه مع إسرائيل إذا واصلت اتباع نموذج جنوب إفريقيا·
ويصل "سيغمان" إلى أنه إذا استخدم "شارون" بدعم من الإسرائيليين واليهودية العالمية والولايات المتحدة الأمريكية، انسحابه من غزة كرافعة لتمكين إسرائيل من الوجود في الضفة الغربية وجوداً يصبح تفكيكه محالاً، فإن سياسته هذا ستفتح مشروعاً عنصرياً لا شك فيه·
ويعتقد "سيغمان" أن النضال الوطني الفلسطيني، والإرهاب الذي يستخدم اسمه، والذي خلق مشاكل أمنية كبيرة لإسرائيل، هي أمور لا يصح استخدامها كذريعة لسياسات ستأتي بحكم فصل عنصري إلى الضفة الغربية وغزة" ولا يعتقد أن العنف الفلسطيني يمثل تهديداً وجودياً لإسرائيل فمهما كان من جدية هذا التهديد، حسب رأيه، فمن الممكن أن تتعامل معه إسرائيل بفعالية من داخل حدود العام 1967، بالفعالية نفسها التي تتعامل بها الآن وهي تحتل الضفة وغزة·
في النهاية يصل الكاتب في تحليله إلى أن غالبية الإسرائيليين ظلوا يؤمنون طويلاً بأن أكثر مصالحهم الأمنية حيوية يتطلب أن يظلوا في جنوبي لبنان، ويؤمنون بالأمر نفسه فيما يتعلق بوجودهم في هضبة الجولان، ولكن بعد الانسحاب من جنوبي لبنان تحسن الأمر على امتداد الحدود الشمالية بسرعة كما يقول، ورئيس الأركان الإسرائيلي يؤمن الآن مثل سابقيه في هيئة الأركان أن لا أهمية أمنية لهضبة الجولان·
المحزن في رأيه، وهو ما يختم به مقالته، أن إسرائيل ما زالت باقية، في هضبة الجولان وفي الضفة الغربية، والسبب هو أن قادتها السياسيين وعدداً كبيراً من الإسرائيليين أصبحت العقارات أكثر أهمية من العدالة أو السلام أو مبادئ الصهيونية المؤسسة!
ونتساءل: متى لم يكن الأمر كذلك، سواء مع مبادئ الصهيونية المؤسسة أو مع بقاياها، وهي في الأساس حركة استيلاء على أرض الآخرين وعقاراتهم ومزارعهم وإبادة السكان أصحاب الأرض؟
لقد عنون "هنري سيغمان" مقاله بالعنوان التالي:
"شارون يخون مؤسسي إسرائىل" فهل ما يفعله شارون من مواصلة مشروع الاستيلاء على أرض الفلسطينيين كما هي وصايا المؤسسين خيانة؟ إنها "خيانة" إذا صدقنا المزاعم التي ينسبها ستيغمان للصهاينة الأوائل بأنهم "أهل حضارة وتنوير" وهي أكذوبة من العبث الدفاع عنها لتبرئة الصهيونية من جريمة أقامتها دولة عنصرية، زعزعت استقرار المنطقة العربية طوال نصف القرن الماضي وأصبحت تهدد سلام العالم لا هذه المنطقة وحدها·