كتب محرر الشؤون التربوية:
من المفترض أن تكون وزارة التربية والتعليم العالي قد بدأت تطبيق "استراتيجية التعليم العام في دولة الكويت" مع بداية العام الدراسي 2004-2005، ومن المفترض أن يكون قد تم الاستعداد لتطبيق هذه الاستراتيجية منذ أن وضعتها لجنة وصدرت بقرار من مجلس الوزراء (28/2003) كأول استراتيجية معتمدة في دولة الكويت، وطالبت منذ سطورها الأولى بالعمل على إعداد "الخطط التنفيذية والميزانيات والتشريعات والمشاريع والإجراءات التي يجب اتخاذها كي يتحرك القطاع التعليمي في الاتجاه الذي حددته هذه الاستراتيجية"·
هذه الاستراتيجية التي تلخص الرؤية والرسالة والغايات والأهداف وتحدد الإطار المرجعي، من الملحوظ أنها استخدمت لفظ "التحديات" في أكثر من موضع، وهذا يعني أنها لا تجيء لترسيخ رؤى وإطارات ووسائل قائمة ومرغوبة، بل تشير الى ضرورة التطوير والتغيير·
ولأنها موضوعة لتكون استراتيجية ربع قرنية (2005-2025) تقريبا، منعا لتأثير تغيير الأشخاص كما قيل، فمعنى هذا أن الإعداد لها، أي إحداث ما يستلزمها من تغيير في طبيعة الإدارة التربوية والمناهج الدراسية ونظم التقويم والمتابعة وطبيعة الإرشاد والتوجيه وتوفير الموارد المالية، وكلها كانت موضع تحليل ونقد في الحلقات النقاشية والمؤتمرات التي انعقدت لتطوير التعليم (آخرها في أبريل 2002) كان بحاجة الى تركيز ومدة زمنية أطول قبل المطالبة بالتطبيق· السؤال هو تطبيق ماذا؟ لا أحد يختلف مع الأطر الرؤيوية المتعلقة بالتحديات التي يواجهنا بها العصر، بين أن نحافظ على الثوابت أو نتغير، أو نوازن بين الثابت والمتغير، أو تلك المتعلقة بحالة دولة الكويت تحديدا، وحاجتها الى ترسيخ قيم الحوار الديمقراطي وتحقيق انصهار اجتماعي، وتعديل قيم سلبية في التعامل مع الثروة والاستهلاك والعمل الى قيم إيجابية تقوم على مفاهيم الإنتاج، أو تلك التي خصصتها الاستراتيجية بالنظام التعليمي ووضعتها تحت لفظ "التحدي" في كل فقرة من فقراتها، سواء تعلق الأمر بإعداد نشء لضمان تحقيق أهداف الدولة ومبادئها الدستورية· أم تنظيم قطاع التعليم، أم تلبية لحاجات المجتمع·
كل هذا حديث في الرغبة والرؤية، ولكن ماذا عن الوسائل؟
إن مطالبة القطاع التعليمي بأن يقرأ هذه الاستراتيجية أو يحفظها غيبا لا تعني أن ثمة موجة من التغيير والتطوير ستسري في مفاصله فورا، أو حتى على مدى عقد من الزمن، فالتحدي الأكبر، بعد كل هذه التحديات، هو إيجاد الوسائل العملية، ولا ندري لماذا اكتفت الاستراتيجية بوضع هوامش بالمراجع في نهاية صفحاتها (32 صفحة) وتضمنت ما يعني أن اللجنة التي وضعتها قد اطلعت على الوثائق المتعلقة بالتعليم في دولة الكويت، فأين هي الآليات التي وضعتها الحلقات النقاشية والمؤتمرات؟ وهل تم اعتمادها كآليات للعمل؟ إننا لا نعرف شيئا حتى الآن عن مصير تلك الجهود البحثية، النظري منها والميداني، التي شاركت بها قطاعات اجتماعية واسعة، ووضعت خلالها تصورات ومقترحات عملية لمواجهة "التحديات" ربما ترقد الآن في الأدراج لسبب بسيط، هو أنها تحتاج الى تشريعات ومشاريع وإجراءات وقرارات سياسية بالدرجة الأولى، فهل شهدت المؤسسات شيئا من هذا القبيل في الفترة الفاصلة ما بين صدور القرار الوزاري باعتماد الاستراتيجية، وبين موعد التطبيق (2004-2005)، أم أن المطلوب أن يبدأ التفكير بعقد حلقات نقاش ومؤتمرات أخرى، ليعود الجميع الى التفكير هذه المرة، ليس بوضع استراتيجية، بل بوضع آليات تطبيق الاستراتيجية؟ إن الإغفال الواضح لمسألة الوسائل وتقديم الغايات يشبه وضع العربة أمام الحصان، إذ كيف يمكن الحديث عن استراتيجية ورسمها من قبل لجنة من دون التطرق تفصيلا الى وسائل تنفيذها؟ أليس التنفيذ جزءا من الاستراتيجية، بل يكاد يكون عمادها؟ إن الجمع بين عنصر رؤية الأهداف لا ينفصل عن عنصر رؤية وسائل الوصول إليها، وهذا يعني أن الأرضية التي قدمتها جهود حلقات النقاش والمؤتمرات الوطنية كان لا بد أن تكون جزءا أساسيا من عمل اللجنة المكلفة بوضع التصورات، لا مجرد الاهتداء بأعمالها، ثم إدراجها كمراجع لمن يرغب في العودة إليها·
الاستراتيجية ليست مجرد بحث أكاديمي نظري، بل طريقة عمل، أي رؤية وفعالية، ولا نعتقد أن الجانبين ينفصلان عن بعضهما البعض، والسؤال هل ما ينقص هو رؤية الأهداف المتفق عليها أم الوسائل التي هي أصعب بما لا يقاس، بكل ما تتضمنه من تغيير في الهياكل الإدارية والقيادات والميزانيات وتشكيلات جديدة، وسياسات، أي بكل ما تتضمنه من تعليق للأجراس في عنق البيروقراطية والإدارة ومناهج التعليم التقليدية؟ إن القطاع التعليمي بكل آلته البيروقراطية الراهنة وأساليبه التي عفا عليها الزمن يمكن أن يستظهر استراتيجية التعليم العام المقدمة إليه، ويحفظها غيبا، ويمكن أن يقدم امتحانا في الحفظ إذا طلبت منه جهة ما، ولكنه سيعجز عن التحول بقدرة قادر الى أداة استراتيجية فاعلة كما هو مطلوب منه، إذا ظل وضع الاستراتيجية عملية تلقينية كما هي أساليب التربية والتعليم·