قراءة في ديوان الشاعر "صلوات مصرية"
عباس منصور··· إرهابي

بقلم: حميد الأمين
أعادنا الديوان إلى قصيدة الشعر الحر بأوزانها مداعبة موسيقاها للأذن إلا أن ما أعطى قوة للعديد من هذه القصائد ليس هذا السبب إنما في استنادها الى مخزون التوراة الأسطوري الرهيب الذي كان يدون القوة والبطش والسيطرة وأهمل تماماً الضحايا فقد كان تكسير عظامهم آنذاك كتكسير أغصان جافة لأشجار في برد الشتاء مصراً على أن ذلك لم يتم صنعه بيد الإنسان بقلبه القاسي إنما بأوامر الرب لم يكونوا سوى أدوات لتحقيق ذلك بدأ العنف في التوراة منذ أول أيام سيدنا موسى الذي انتقم من أهل" مدين "وهم الذين آووه حين خرج خائفا يتلفت" فقد قتل جيشه كل الذكور سبوا النساء والأطفال ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم فأحرقوا جميع مدنهم ومساكنهم وجميع حصونهم بالنار (التوراة - 31) " إلا أن موسى سخط على وكلاء الجيش ورؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب لإبقائهم على حياة الأطفال والنساء وطلب منهم قتل كل الأطفال الذكور وكذلك كل امرأة متزوجة فلربما كانت حاملاً (المصدر السابق)، أي أن هذا القتل الجماعي الوحشي الذي قام به الإنسان صُبغ بصبغة الأمر من أعلى الأنبياء·
الضحية المهملة في التوراة هي من التقطها عباس منصور وصاغ عليها معظم قصائده وجعلها موازية لقوة البطش ومن ذلك اكتسبت قصائده قوة كبيرة وصنعت القسم الأعظم منها نصوص التوراة وأضاف لها عباس منصور الجزء المكمل، لكنه حين رجع في بعض المقاطع من قصائده إلى الحاضر انسحب ضعف الحاضر على قوة القصيدة فأضعفها وكذلك اختلف إيقاع القصيدة حين عاد عباس منصور إلى القصيدة النثرية مقطعة الأوصال المهلهلة خافتة الصوت بدلا من العزف الصاخب الذي بدأه من أول الديوان إلى معظم أجزائه·· إيقاع طبول وسيوف وخيول وقسوة التوراة وعزيمة الشعر الحر ·· حين قرأت الكتاب المقدس لأول مرة هالني ما فيه من كميات العنف والقسوة والقتل فاتصلت بصديقي القبطي المؤمن الذي أهدانيه متسائلا عن هذا القدر من العنف فرد علي صديقي قائلا "إننا نسمي عهد التوراة بعهد القسوة وعهد الإنجيل بعهد الرحمة"· هذه القسوة التي أدانها عباس منصور في معظم قصائد الديوان كانت انتصارا للضحايا لكنه حينما أراد أن يسقطها سياسياً بالاسم على الحاضر أفلتت من يده فهو قادر على الهتاف في مظاهرة لكنه غير قادر على قيادة المظاهرة، إلا أنه نجح حين استمد من التوراة حكاية المواءمة ما بين وسلطة السيف سلطة الكهان فرغم أن داود نبي مقاتل إلا أن ناثان الكاهن هو الذي كان يرشده يحذره، فقد أسقطها عباس منصور على الحاضر بشكلها الصحيح وكذلك فضح عباس منصور مقولة أن ما يقع من ظلم كان بسبب الخطايا التي ارتكبها عامة الشعب، ثم عاد الشاعر في أول مقطع لقصيدة "موجدة الغريب" ليضمنها استعارات قرآنية أعطت للقصيدة بعض القوة لكنها لم ترق إلى زخرفة الأساطير التي تضيف غنىً إلى الشعر الذي هو حالة من حالات الخيال المتجلي المملوءة بها التوراة·
أدان عباس منصور في ثلثي ديوانه القتل والإرهاب وتشريد الشعوب ثم تناسى كل ذلك وانقلب رأساً على عقب ليمجد الإرهاب في قصيدته "المجد للفلوجة"، لقد عمل عباس منصور سبعة شهور مدرساً في الفلوجة من عام 1989 قد حكى لي عن أناس يكرهون نظام صدام حسين·· أناس بسطاء دعوه إلى بيوتهم وأرسلوا الخضار والفواكه إلى سكنه في المدرسة·· أنا اسأل صديقي عباس منصور هل تعتقد أن هؤلاء الناس الطيبين هم الذين قاموا بقتل ستة سائقين عراقيين استأجرهم أحد أهالي الفلوجة من المقاولين ليوصلوا له الطابوق والإسمنت بسبب كونهم ينتمون إلى مذهب إسلامي آخر أم أنهم الآن محتجزون في بيوتهم يتلفتون في مشيهم عند السير في شوارع الفلوجة·· الفلوجة الآن محتلة من الإرهابيين الذين يفخخون السيارات ويقطعون الرؤوس إليك· ما نشرته جريدة الحياة في عددها المرقم 15140 بتاريخ 9/9/2004 بعنوان "الفلوجة·· حلقة الخطف الأولى" عن لسان الرهينة اللبناني المفرج عنه محمد رعد يصف فيه ذبح مواطن مصري:
"أدخل الخاطفون محمد إلى أحد المنازل، وقال له أحدهم إنه سيكون شاهداً على عملية إعدام أحد المصريين الذين تعاملوا مع القوات الأمريكية، وإن الهدف من حضوره عملية الإعدام إبلاغ اللبنانيين بمصير المتعاملين مع الأمريكيين، وبعد ساعات من الانتظار وصل أمير الجماعة الذي تمكن محمد من تحديد مرتبته عبر ملاحظته درجة الاحترام التي يبديها له العناصر الآخرون، وهو كما يقول محمد رجل خمسيني كان مرتدياً ثوباً شرعياً أبيض، وبصحبة الأمير كان ثمة شيخ معمم وعناصر آخرون اصطحبوا معهم الشاب المصري الذي يقول محمد إنه لم يقوَ على النظر في ملامحه، فقط لاحظ أنه كان موثوق اليدين والقدمين بإحكام، ونصب المسلحون كاميرا فيديو ووقف الشيخ خلف المخطوف المصري بعد أن خلع عمامته وارتدى قناعاً، وكذلك فعل الأمير، الذي بدأ بتلاوة رسالة، وقبل أن ينهيها وبحركة سريعة استل خنجره وقام بذبح الشاب المصري، وفي هذه اللحظة فقد الرجل الذي كان خلف الكاميرا توازنه وسقط أرضا، إلا أنه عاد ووقف بعد لحظات قليلة واستكمل عملية التصوير"·
لكن ما فعله عباس منصور في تمجيده لقتلة الفلوجة ليس بمستغرب كثيرا فالشاعر تسيره العواطف وليس العقل فها هو سعدي يوسف قد كتب مادحاً علي ناصر محمد رئيس جمهورية اليمن الجنوبي السابق بعد سقوطه يصف عهده كأفضل العهود الاشتراكية منذ أيام القرامطة هذا الرئيس هو بعينه من قام بنصب مكيدة لرفاقه وذبحهم جميعاً ها هو أيضاً سعدي يوسف يهاجم في قصائده الآن فجر العراق الجديد الذي لم يبزغ مثله فجر واعد في كل تاريخ العراق المليء بالمآسي·
لقد ناقض صديق سعدي يوسف الشاعر محمود درويش ما قاله صديقه فكتب يقول عن أحداث اليمن نفسها: "إن الحزب قد انتفض ضد الشعب" قال هذا وهو لايزال آنذاك عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تحت قيادة ياسر عرفات بكل فسادها وتفريطها بأماني الشعب الفلسطيني، لذلك فلم يكن عباس منصور استثناء بين جمهرة الشعراء حين كتب قصيدته "المجد للفلوجة"·· لا أدري أي مجد هذا الذي رآه عباس منصور لكن عباس بالحقيقة يظل بالنسبة لي استثناء فهو الوحيد من بين جميع أصدقائي الذي كلما اختلفت معه ازدادت روابطي به قوة وازداد حبي له ·