
كتب المحرر الثقافي:
فنجان شاي مع مسز روبنسون هي مجموعة قصص للكاتبة غالية قباني بعد أن باشرت الكتابة الروائية عقب سنوات من العمل الصحافي في الكويت ولندن· اللافت للنظر في هذه المجموعة الصادرة عن دار ميريت في القاهرة، أنها تحاول استكناه يوميات وحياة الناس في لندن البريطانية، لا لندن الأخرى، لندن المهاجرين مثلا، أو الأحياء المكتظة ببشر من مختلف القارات·
ولأن المؤلفة قادمة من الشرق العربي تحديدا، فقد بذلت جهدا متعمدا لتكون "لندن" هذه بريطانية بالتفاصيل لا مجرد "لندن" مما يتراءى للسائح والعابر أو الصحافي، ويبدو هذا القصد واضحا من العنوان، البداية من الداخل، ومن الداخل تقود الكاتبة القارئ بتقديم حكايات تحمل بصمات أسلوب التقرير الصحافي الى ملامسة مواقف معينة مختارة لتقول شيئا إنسانيا مما يصادفه المرء في طريقه، أو طريقة حياته، والزاوية المختارة لتحقيق هذا القصد هي زاوية العلاقة بين الإنسان الطارئ على لندن "اللاجئ تحديدا" وشخصيات بريطانية متنوعة، بدءا من بائع الزهور المستر والدن، ومرورا بالسيد إيان سمث حاكم روديسيا سابقا، ووصولا الى مجهول في قطار أنفاق·
هي لندن إذن، كما تريدها الكاتبة، أن تكون وتصل ممتزجة بأفكار ومشاعر ويوميات غرباء عنها، أو فلنقل هي لندن منظورا إليها من الهامش، فما زالت مقاربة، وملامسة الواقع اللندني الغريب تتم بملاقط الكلمات، ويشعر القارئ رغم فيض الكلام الذي تضيق عنه أحيانا مساحة القصة القصيرة بالافتقار الى عمق حقيقي يستوقف النظر، لأن الكاتبة لا تتوقف أساسا وهي تسرع الخطى نحو نهاية القصة·
الشخصيات الإنجليزية لا تزال مغلقة تتراءى كأنما من وراء زجاج نافذة، وحين تتحدث ينقل كلامها بلهجة واحدة لا تتغير، هي لهجة الكاتبة ذاتها، ولا تشف حركات وتصرفات هذه الشخصيات (وهي المحور في الحقيقة) عن شيء يتجاوز السطح· في هذا بالطبع صدق كامل، وإن كان غير مقصود، لأن الكاتبة تعبر بالضبط عما يمثله هذا العالم لها، مع أنها تحاول تغيير زوايا الالتقاط، أي تحاول تغيير عيون هؤلاء الطارئين على لندن وجنسياتهم، فتبدأ القصة الأولى "زهور آدم" بعيون لاجئة عراقية، ثم تواصل قصة أخرى بعيون لاجئة إفريقية، وأخرى من مكان آخر عن العالم·· وهكذا· ولكن الملحوظ أن تغيير العيون لا يدخل أمرا جوهريا على القصة، لا على طريقة التصور ولا طريقة التفكير، ولا حتى على الخلفية (خلفية الشخصية وسماتها الفكرية) ولا يدخل أيضا، وهذا هو الأهم، أمرا جوهريا على موضوعات النظر، فهي شخصيات إنجليزية مبسطة، سيدة إنجليزية ضخمة تصفع لاجئة في الشارع تحت وطأة الضيق بوجود هؤلاء الملونين المتكاثرين في لندن، وأخرى تسرع وتتعاطف معها وتقرر أن تبلغ الشرطة بالحادث!
بريطاني في قطار، قد يكون "إيان سمث" أو غيره يعرض على رسامة الكاريكاتير التي تعرف ماضيه شراء الرسم الذي نفذته له، ويتوارى عن الأنظار بعد أن يعلن الكلمة الأولى من اسمه!
القصص بشكل عام تقف على خط فاصل بين وجودين، وجود الطارئين (لاجئين وغرباء وهاربين·· إلخ) على لندن، ووجود الإنجليزي المواطن المستقر، فلا هي تعتني بتعميق الوجود الأول، ولا هي معنية بالتعمق في حياة الوجود الثاني· تقارير من الهامش، هذا هو ما يمكن أن توصف به هذه القصص، ولغة التقرير عادة لا تمضي إلى ما هو أبعد من تقديم الأحداث والوجوه في صيغة الخبر والإعلام الصحافي المبذول·
المحاولة، محاولة لمس العلاقات بين الناس، وهي بوصلة هذه القصص، ملفتة للنظر وواعدة بالكثير، إلا أنها تتوقف ربما تحت قيود إمكانات الكاتبة المحدودة، عند نقطة لا تتجاوزها· الحديث، أي تقديم التقرير عن الحالات والعلاقات، لا تقديم هذه الحالات والعلاقات بذاتها كما هو مسعى الفن·· لا الصحافة، ولهذا يظل المحور ما تقوله الكاتبة لا ما تقوله "لندن" أو تنطق به، مهما اتخذت من أوضاع للنظر، وكيفما تحركت في الزمن، لأن المكان هنا، والزمان كذلك، يظل خارج أسوار تقيمها كلمات قليلة الحساسية، عجولة تود أن تقول أشياء كثيرة في مساحة تظل شبه خاوية على رغم هذه الكثرة·