رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 8 شعبان 1425هـ - 22 سبتمبر 2004
العدد 1646

نووم تشومسكي في مقابلة ساخنة ومثيرة للجدل:
الولايات المتحدة تعطل حل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني منذ 30 عاما

   

 

·      اليمين الإسرائيلي يحاول  تدمير كل فرص الحل على أساس قيام دولتين

·         حرب 73 أنهت فرص قيام دولة ديمقراطية علمانية واحدة في فلسطين

·         لا توجد تسوية عادلة  وعلينا القبول بأفضل ما يمكن التوصل إليه

·         يجب ألا يطلب أحد من الفلسطينيين التخلي عن حق العودة ولكن عليهم عدم التمسك بآمال لا يمكن تحقيقها

·         شارون يريد حشر الفلسطينيين  في "بانتونات" على نصف أراضي الضفة الغربية

·         حتى ديسمبر 1942 لم تكن الحركة الصهيونية ملتزمة بإقامة دولة يهودية

·         يمكن إقامة فيدرالية بين إسرائيل وفلسطين تفضي الى دولة واحدة مستقبلا

·         المطالبة بحل "الدولة الواحدة" الآن يمثل دعوة الى تدمير إسرائيل

 

أثارت المقابلة التي أجراها ستيفن شالوم وجوستين بودر مع عالم اللغويات والمفكر اليهودي الأمريكي الشهير نووم تشومسكي ونشرها موقع Znet على شبكة الإنترنت في الثلاثين من مارس الماضي، سجالا حاميا بين تشومسكي والمفكر اليهودي الأمريكي نوح كوهين·

وقد رد كوهين على تشومسكي في أواخر أغسطس الماضي على الموقع نفسه، مما اضطر الأخير للرد في اليوم ذاته دفاعا عما طرحه من آراء بشأن المسألة الفلسطينية ورؤيته لحلها·

ووجه كوهين انتقادات حادة لتشومسكي لدفاعه عن حل يقوم على أساس دولتين في فلسطين إحداهما يهودية والأخرى فلسطينية معتبرا أن الحل العادل يقوم على أساس إقامة دولة علمانية ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية ويتمتع السكان فيها بالمساواة في الحقوق والواجبات·

ويهاجم كوهين نمطا من المفكرين الأمريكيين الذين يختارون التمسك بـ "المبادئ" حينا ويتذرعون بـ "الواقعية" أو "البراغماتية" أحيانا من أجل الترويج لحلول غير عادلة للقضية الفلسطينية بذريعة أن هذه الحلول لا تحظى بتأييد أمريكي أو دولي·

ويرفض كوهين الحل القائم على دولتين لأنه يشرع بقاء النظام الإسرائيلي الاستيطاني الذي يعتمد على سياسة الفصل العنصري كما كان عليه الوضع في جنوب أفريقيا والذي رفضه الغرب وساعد في "النهاية" في انهياره، ويتساءل عن السبب في رفض هذا النظام في جنوب أفريقيا والترويج له في فلسطين؟

لقد أجبر كوهين نووم تشومسكي - وهو المصنف ضمن المثقفين التقدميين اليساريين في الولايات المتحدة والمعروف بمواقفه المؤيدة للحقوق الفلسطينية والمعارضة للاحتلال الإسرائيلي والقمع ضد الفلسطينيين - على العودة الى الخطوط الدفاعية، مكررا القول إن أحدا في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني أو في الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بعامة، لا يقبل بإقامة دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين من جهة، ولأنه يعتقد أن قيام مثل هذه الدولة قد يجعل اليهود أقلية في دولة تهيمن عليها الأغلبية الفلسطينية في ظل وضع لا ضمانة فيه لاستمرار الديمقراطية·

وقد رأت "الطليعة" نشر المقابلة مع تشومسكي ثم رد كوهين عليها ودفاع تشومسكي عن آرائه، تباعا، لأهمية هذا الجدل حول الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني وآفاق الحل·

 

·         ما بنظرك أنسب حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟

- يعتمد هذا على الإطار الزمني، فعلى المدى القصير يكون الحل الأنسب هو في إقامة دولتين على امتداد الخط الأخضر وبتعديلات طفيفة متبادلة وفقا للسياسة الرسمية على الرغم من اختلافها عن السياسة الواقعية للولايات المتحدة بعد العام 1971، الأمر الذي عارضته الولايات المتحدة طوال ثلاثين عاما، على الرغم من الموافقة الدولية عليه، والآن غير تأييد الولايات المتحدة لمشاريع الاستيطان والبنى التحتية الإسرائيلية من فحوى التغيير الطفيف، ومع هذا كله فهناك مشاريع تقوم على التعديلات الطفيفة على طاولة المفاوضات أبرزها "اتفاقية جنيف" التي أبرمت في ديسمبر الماضي والتي تعطي برنامجا مفصلا لتبادل الأراضي على أساس المساواة، بالإضافة الى جوانب أخرى لموضوع التسوية، الأمر الذي من المحتمل تحقيقه ويمكن تحقيقه إذا ما دعمته الولايات المتحدة، الأمر الذي نسعى بالتأثير عليه لكن الولايات المتحدة ترفض ذلك حتى الآن، وقد لاحظت صحيفة نيويورك تايمز "أن الولايات المتحدة لم تكن من الدول التي بعثت برسالة تأييد" عشية طرح اتفاقية جنيف·

 

·   يجادل البعض بأنه مع أن حل قيام الدولتين كان ممكنا في الماضي إلا أن العوامل - التي تتضمن التغيرات الاقتصادية والاستيطانية والتركيبة السكانية على مدى السبع وثلاثين سنة الماضية - قد أدت الى تداخل كبير بين اليهود الإسرائيليين وبين الفلسطينيين مما يجعل ذلك الحل القائم على دولتين غير منطقي على أرض الواقع فكيف تقيم هذا الرأي؟

- للتوضيح المسألة فيما إذا كان المجتمعان متداخلين في المناطق المحتلة لدرجة يستحيل معها التقسيم؟ فلطالما كانوا كذلك داخل إسرائيل، وبرأيي المناقشة خاطئة تماما كما يعتقد الرؤساء السابقون لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي الذين ناقشوا هذا الأمر علانية، فقد أجمعوا على إمكانية ووجوب تخلي إسرائيل عن قطاع غزة بالكامل وإمكانية إجلاء 85-%90 من المستوطنين باستخدام "خطة اقتصادية بسيطة" في حين يوجد احتمال بنسبة %10 بوجود من لا بد من الاصطدام معهم حتى يتم إجلاؤهم، فبنظرهم هذا الأمر ليس بمشكلة، كذلك اتفاقية جنيف وخطة "ايالون - نسيبة" المبنية على افتراضات مشابهة تبدو منطقية·

 

ضغوط شعبية

 

·  هناك من يجادل أن الوضع الراهن هو عبارة عن الحل القائم على دولتين وأن الحل الوحيد القائم على دولتين الذي تقبل به إسرائيل هو شكل من أشكال "البانتونات"، ومناطق فلسطينية مقطعة الأوصال تحت السيطرة العسكرية والهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية، وأن هذا هو منطق حل الدولتين وخصوصا اتفاق أوسلو، فما تقييمك لهذه الجدلية؟

- ما تقبله إسرائيل يتحدد بقرارات الولايات المتحدة أو الشريك الأكبر، أما بالنسبة للإسرائيليين فالآراء متباينة بتباين الأسئلة المطروحة لكنهم على ما يبدو يتبنون رؤية القادة السابقين لجهاز الأمن الداخلي، لكن لم تقترح اتفاقية أوسلو إقامة دولتين فإعلان المبادئ عام 1993 نص على أن الحل النهائي سيبنى على قرار الأمم المتحدة 242 والذي لا يعطي شيئا للفلسطينيين، وليس علي القرار الملحق بـ 242 والذي يطالب بإقامة دولة فلسطينية في المناطق المحتلة، وهو ما وافقت عليه دول العالم وعارضته الولايات المتحدة منذ أواسط السبعينيات، أي أن اتفاق أوسلو كرس مبدأ رفض قيام الدولتين، فلم تذكر حكومة رابين وبيريز دولة فلسطينية، كذلك لم تمنع الاتفاقية برامج بناء وتطوير الاستيطان المدعومة أمريكيا، فوصل الاستيطان الى ذروته العام 2000 وكانت مقترحات قيام الدولة عام 2000 مستحيلة، لكن المفاوضات تحسنت في طابا العام 2001 لكنها ألغيت من قبل باراك ولم تجدد رسميا واستمرت المفاوضات غير الرسمية مما أدى الى اتفاقية جنيف، لكن أيا من هذه المشاريع لم تناقش عدم التوازن الاقتصادي والعسكري الشاسع بين إسرائيل والدولة الفلسطينية النهائية·

 

·     ما رأيك في حل الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية؟ هل هو محبذ أو واقعي اليوم؟

- لم يطرح أي اقتراح مشروع لدولة ديمقراطية علمانية من فلسطينيين أو إسرائيليين، قد يناقش هذا الحل على أساس أنه محبذ لكنه غير واقعي، فهو لا يحظى بدعم دولي ويعارضه كل الإسرائيليين تقريبا، ولكن سرعان ما سيؤدي الى دولة فلسطينية ذات أقلية يهودية من دون ضمان للديمقراطية أو العلمانية وبرأيي يعطي الدعاة لمثل هذا الحل أسلحة للعناصر المتطرفة في إسرائيل والولايات المتحدة·

 

·  هل حقا "يفهم" كل من يدعو الى دولة ديمقراطية علمانية أن مثل هذه الدولة لن تضمن الديمقراطية ولا العلمانية؟ ولم هو أمر حتمي أن تتفكك مثل هذه الدولة؟ وهلا شرحت لنا قولك إن هؤلاء الدعاة يقدمون سلاحا للمتطرفين؟

- لا أستطيع إخبارك بما هو "مفهوم" لكن من الواضح ما سيحدث إذ لم تستطع الضغوط الشعبية في كل من إسرائيل ولاولايات المتحدة إجبار الحكومتين على قبول حل إقامة دولتين بما يتفق مع الإجماع الدولي، فإنها لن تستطيع كذلك إجبارهما على القبول بإزالة إسرائيل لصالح دولة فلسطينية واحدة يشكل فيها يهود إسرائيل الأقلية، كما أنه من المعلوم أن لا أحد في إسرائيل مستعد لقبول مثل هذا الرأي، كما أنه لا يحظى بأي دعم دولي، وعليه فمثل هذا النقاش نظري بحت ولا يمت بصلة للواقع، لكن في حال متابعته فالسؤال النظري الذي يطرح ليس عن إمكانية تفكك الدولة الديمقراطية والعلمانية في حال إعلانها بل عما إذا كان هناك أي ضمان للديمقراطية والعلمانية ولن يكون، فإسرائيل تطلق على نفسها سلفا بالديمقراطية العلمانية لكنها عمليا ابتكرت منظومة كاملة من الآليات التي تعطي اليهود امتيازات هائلة وهذا ينطبق على غيرها من الدول "الديمقراطية" أو العلمانية، وليس هناك ضمان لتوافرهما في حال قيام الدولة الفلسطينية المقترحة، فالدعوة لدولة واحدة ديمقراطية علمانية هي عمليا دعوة لتدمير إسرائيل ليس للإسرائيليين فيها سوى الأمل بمساحة من الحرية في الدولة الفلسطينية النهائية، وسوف ترحب الحملة الدعائية في إسرائيل والولايات المتحدة بمثل هذا الاقتراح إذا ما حظي حتى بالقليل من الاهتمام، وستعمل على نشره مفسرة إياه على أنه دليل آخر على "عدم وجود شريك في عملية السلام" وأنه لا خيار أمام إسرائيل والولايات المتحدة لتحقيق الأمن سوى بحشر الفلسطينيين "البرابرة" في زنزانة الضفة الغربية في الوقت الذي يسيطرون فيه على الأراضي المهمة والموارد، ولن يسعد المتطرفون في إسرائيل والولايات المتحدة بهدية أفضل من هذا الاقتراح·

 

فرصة ضائعة

 

·   في وقت من الأوقات دافعت عن قيام دولة واحدة ذات قوميتين كأفضل حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فهل ترى أن مثل هذا الحل مرغوب فيه حاليا؟ وهل هو واقعي؟

- أما بالنسبة للرغبة فيه فمنذ طفولتي وحتى هذه اللحظة وأنا مؤمن بذلك وكان هناك أوقات بدا فيها هذا الحل واقعيا، فمن عام 1967 وحتى 1973 كتبت عنه كثيرا لكنه لم يحظ بأي دعم لا من قبل الفلسطينيين ولا الإسرائيليين بل أثار انتقادا حادا حتى من قبل الحمائم، وأحدث هستيريا في الولايات المتحدة وفي الفترة نفسها كان من الممكن إبرام معاهدة سلام مع الدول العربية الكبرى، وفي الواقع تم اقتراح معاهدة سلام شامل مع مصر في عام 1971 ومن ثم مع الأردن وناقشت هذا مطولا في كتاباتي منذ ذلك الحين· وفي رأيي لو أن مثل هذه الإجراءات تمت متابعتها لكان بالإمكان تجنب الكثير من المعاناة والموت والدمار، لكن الفرصة ضاعت عام 1973 وكان الحل الممكن الوحيد على المدى القصير هو في إقامة دولتين، وهذا يبقى صحيحا فلو بدا تنفيذ هذا الأمر وفقا لاتفاقية جنيف، فسوف تنتهي دائرة العنف، ولتحركت في الاتجاه المعاكس، أما على المدى الطويل فلربما عندما يزول الحقد والخوف وتتطور العلاقات بشكل أقوى بين الشعبين ستوجد هناك احتمالية الانتقال الى فيدرالية ذات قوميتين وبعدها نحو تكامل أقرب الى دولة ديمقراطية علمانية·

 

·    ما الذي تغير؟ لماذا لم تعد الدولة ذات القوميتين حلا واقعيا على المدى القصير؟

- ما تغير هو حرب عام 1973 وتحول الآراء في العالم العربي والمجتمع الدولي لصالح حقوق الفلسطينيين الوطنية مما نتج عنه قرار الأمم المتحدة 242 لكن أضيف إليه بنودا تنص على قيام دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة والتي يتوجب على إسرائيل أن تنسحب منها، وكما ذكرت فقد منعت الولايات المتحدة تنفيذ هذا القرار منذ أواسط السبعينيات ومازالت تفعل، وسوف أكون سعيدا جدا إذا ما توافر أي دعم لقيام شكل من أشكال الفيدرالية ذات القوميتين والتي كان بالإمكان قيامها خلال الفترة ما بين 1967 و1973 لكنني على علم بعدم وجود أي دلائل على مثل هذا الأمر الآن·

 

هستيريا

 

·    قلت إن كلا من الدولة الديمقراطية العلمانية والدولة ذات القوميتين حاليا ليستا بالأمر الواقعي لعدم وجود التأييد، لكنك أيضا قلت بأن أيا من الفلسطينيين أو الإسرائيليين لم يوافق على دولة ذات قوميتين خلال الفترة ما بين 1967 و1973 ومع ذلك ترى أن مثل تلك الدولة كان ممكنا خلال تلك الفترة، طبعا إذا ما حظيت بتأييد الشعوب ولكانت أمرا واقعيا الآن، لكن أليس هذا هو الحال اليوم؟

- ليس بإمكاننا محو ما في التاريخ والشعور من أحداث تلت تلك الفترة، فالحقيقة ببساطة أن أيا من الطرفين "والأهم الولايات المتحدة" لم يبد اهتمامه حتى في محاولة التفكير في اقتراح واقعي لفيدرالية ذات قوميتين يمكنها الاندماج بشكل أقرب حين تسمح الظروف بذلك، وكانت النتيجة حروبا ودمارا واحتلالا عسكريا قاسيا والاستيلاء على الأراضي والموارد والمقاومة، وأخيرا في تصاعد دائرة العنف، وبالتأكيد في الكراهية المتبادلة وعدم الثقة، كل هذا لا يمكن إزالته، وعليه فالأساس للتحرك نحو الدولة ذات القوميتين أضعف بكثير مما كان عليه قبل العام 1973 وعليه يجب أن يحظى مثل هذا الأمر بتبني كلا المجتمعين لمثل هذا الحل، وأن يحظى بالدعم الدولي الشامل الى جانب دعم الولايات المتحدة، من المثير للاهتمام أن المقترحات التي قوبلت من قبل بهستيريا الرفض ينظر إليها الآن كحلول محتملة·

 

·   تقول بأن حل الدولتين ليس مثاليا، لكن تحقيقه سيخفف الكثير من معاناة الشعب الفلسطيني، ومع هذا وفي حالات أخرى تعارض "التسوية" والتي "كما هو الحال بالنسبة لحل الدولتين" تعكس عدم التوازن في القوى بين الدولة الإسرائيلية والفلسطينيين، مثل أوسلو ومحادثات كامب ديفيد عام 2000 فما الفرق؟

- ليس هناك صيغة عامة لقبول التسويات، فكل اتفاقية أو معاهدة عبارة عن تسوية وسط، ولا تكون عادلة وبعضها يستحق القبول والبعض الآخر لا، خذ مثلا جنوب أفريقيا العنصرية فكلنا كنا مع نهاية نظام الفصل العنصري مع أن التسوية لم تكن عادلة تماما، يجب أن تقبل التسويات إذا ما كانت أفضل ما يمكن التوصل إليه، ويمكن أن تفضي الى نتائج أفضل هذا هو المعيار الواجب علينا اتباعه وعليه يجب رفض تسوية الدولتين التي اقترحها شارون والتي تترك الفلسطينيين حبيسي "بانتونات" في قطاع غزة وحوالي نصف الضفة الغربية، لأنها لا تطابق هذا المعيار بشكل جذري، لكن اتفاقية جنيف تقترب من هذا المعيار وعليه يجب قبولها في رأيي·

 

أقلية يهودية

 

·   هل يجب أن يكون اللاجئون الفلسطينيون على استعداد للتخلي عن حق العودة كجزء من التسوية؟ هل يفيد هذا قاطني الضفة الغربية وقطاع غزة على حساب الفلسطينيين الذين يعيشون في ظروف مروعة في مخيمات اللاجئين خارج فلسطين؟

- بالطبع لا يجب أن يتخلى اللاجئون عن حق العودة لكن الواقع في هذا العالم يقول إن مثل هذا الحق لن يمارس سوى في نطاق ضيق جدا في إسرائيل، كما أنه لا يحظى بتأييد يذكر وبافتراض وجود هذا التأييد ستلجأ إسرائيل الى أقوى أسلحتها حتى لو أدى هذا الى مواجهة الولايات المتحدة لمنع ممارسة هذا الحق، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن المناقشة، فبشاعة الحقائق لاتعني أنها تلغى من الوجود، وفي رأيي فمن غير المناسب تعليق آمال لا يمكن تحقيقها أمام أعين أناس يعانون في بؤس واضطهاد بل يجب بذل الجهود البناءة لإنهاء معاناتهم، والتعامل مع مشاكلهم في العالم الواقعي·

 

·    لماذا يمكن للرأي العام المنظم أن يجبر إسرائيل على قبول الحل القائم على دولتين وليس دولة ديمقراطية أو ذات قوميتين أو حق العودة؟ لماذا ستلجأ إسرائيل الى أقوى أسلحتها في الحالتين الأخيرتين وليس في الأولى؟

- يلقى حل الدولتين دعما دوليا بالفعل لدى شريحة واسعة من الرأي العام الإسرائيلية حتى بالنسبة لبعض صقوره المهتمين بمشكلة "التركيبة السكانية" لدرجة تقديمهم اقتراحا بنقل المناطق المكتظة بالعرب في إسرائيل الى الدولة الفلسطينية الجديدة، ولذلك نرى كم هو مقبول لكن لا يوجد أي احتمال لتنظيم رأي عام في الولايات المتحدة أو أي مكان آخر لصالح إزالة إسرائيل وقيام الدولة الفلسطينية ذات أقلية يهودية تكون صغيرة جدا ومفككة في حال عودة اللاجئين، فهذا أمر خيالي وسيعارضه كل الإسرائيليين وفي هذه الحالة سيلجؤون الى أقوى أسلحتهم لمنع ما يعتبرونه تدميرا لهم·

 

·    من المستبعد قيام دولتين ما دامت الولايات المتحدة تعارض ذلك، فما الذي يدعوك الى الاعتقاد باحتمال دعم حكومة الولايات المتحدة لمثل هذا الحل الآن؟

- لأن الحكومة يمكن أن تفعل ما يجبرها عليه الرأي العام المنظم كما حصل في انسحابها من فيتنام وغيره من الحالات، فقرابة الثلثين من الشعب يساند المقترح السعودي الداعي الى انسحاب إسرائيل الكامل من المناطق المحتلة وهذا أمر أبعد مما نصت عليه اتفاقية جنيف، ولعل الناس محرومون من المعلومات المتعلقة بما تعنيه مطالبهم، لكن هذه هي المواقف التي يمكن فيها للجهود الواعية والمنظمة أن تحدث فرقا·

 

مرحلة فاصلة

 

·   هل تعتقد أن الرأي العام الإسرائيلي سيتقبل جديا حل قيام الدولتين؟

- حتى من دون الضغط الأمريكي هناك رغبة واضحة لدى الأغلبية مجددا بحسب كيفية طرح الأسئلة في الاستفتاءات، لكن تغيير موقف الحكومة الأمريكية سيحدث فرقا كبيرا، أعتقد بوجود كل الأسباب الداعية لقبول ما خلص إليه القادة السابقون لجهاز الأمن الداخلي، وكذلك حركة السلام الإسرائيلية "غوش شالوم" والشعب سيتقبل مثل هذه النتائج لكن همنا هو جعل سياسة الحكومة الأمريكية تتفق مع باقي دول العالم وأيضا مع غالبية الرأي العام الأمريكي·

 

·   قلت قبل قليل إن حرب عام 1973 كانت مرحلة فاصلة أدت الى تغيرات لا يمكن التراجع عنها على الأرض، فهل نشهد الآن مرحلة فاصلة أخرى؟ هل تسعى إسرائيل الى تدمير كل احتمالات إقامة دولتين عن طريق تصعيد سياسة الاغتيالات ابتداء من الشيخ أحمد ياسين والآن بالسياسة المعلنة باغتيال كل قادة حماس وربما أيضا عرفات أو حسن نصر الله من حزب الله اللبناني؟

- يحاول اليمين الإسرائيلي تدمير أي احتمال منطقي لتسوية تقوم على أساس دولتين باستخدام هذه الطريقة بلا شك، بالتحديد افترض أن الغرض من اغتيال الشيخ أحمد ياسين وتدمير رفح وغيرها من الممارسات هي لتدمير قطاع غزة وعزل الناس فيه لدرجة الموت وأن يدفعهم اليأس للانقلاب ضد بعضهم بعد الانسحاب الإسرائيلي الجزئي المتوقع من القطاع، وفي هذه المرحلة يتم وقف المساعدات الإنسانية الغربية بحجة عجز الفلسطينيين عن إدارة شؤونهم عندما سنحت لهم الفرصة لذلك، وعليه فإن علينا تقبل تحركات إسرائيل "الدفاعية" على مضض وخصوصا استيلاءها على الأراضي والموارد المهمة في الضغة الغربية وترك بقية الشعب محاصرا في زنزانة هناك، أما لبنان فالأمر مختلف بعض الشيء إذ يتعلق بالخطط الأمريكية الإسرائيلية بشأن سورية، وهذه أسباب إضافية لعدم وجوب منح المتطرفين أسلحة إضافية·

 

دعاية

 

·    أحيانا تصرح في المقابلات والأحاديث الصحافية بأنك كنت تسمى "صهيونيا" ويطلق عليك الآن "معاد للصهيونية" لكن آراءك لم تتغير، قد يجد العاملون الجدد في القضايا الإسرائيلية الفلسطينية هذا الأمر مربكا بعض الشيء إذ يؤيد من يسمون أنفسهم بالصهاينة السياسات العنيفة للحكومة الإسرائيلية، فهلا وضحت لنا هذا الأمر، ماذا يعني أنك كنت صهيونيا حينها؟ وماذا يعني هذا الآن؟

- حتى ديسمبر عام 1942 لم يكن ثمة التزام رسمي من قبل الحركة الصهيونية بإقامة دولة يهودية، وحتى إقامة الدولة في مايو 1948 كانت المعارضة للدولة اليهودية محصورة داخل الحركة نفسها وفيما بعد تم تضييق مفهوم الصهيونية جدا لأغراض دعائية، وخلال السبعينات عندما اختارت إسرائيل التوسع والاعتماد على الولايات المتحدة في أمور الأمن، والاندماج في المنطقة أصبح مفهوم الصهيونية ضيقا لدرجة أنه استخدم فقط للإشارة الى دعم سياسات الحكومة الإسرائيلية، وعليه فعندما قال وزير الخارجية الأسبق أبا إيبان أن مهمة الحوار مع غير اليهود هو إثبات أن "المعادين للصهيونية" هم إما "معادون للسامية" أو متعصبون كارهون لأنفسهم وأشار الي والى أ· ف· ستون كأمثلة، عندها كان يضيق نطاق السامية الى تأييد دولة إسرائيل، واستبعاد أي نقد منطقي، وعليه يصبح مصطلح "معادي للصهيونية" مرادفا "لمعاداة أمريكا" المستخرج من قاموس السلطوية والقائم على مبادئ السلطوية، والآن حطت الدعاية من قدر هذا المصطلح للدرجة التي أصبح فيها من الأفضل - في رأيي - التخلي عنه·

 

" المصدر: Znet "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

 

طباعة