بقلم: بوب هيربرت
نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأسبوع الماضي قائمة أسماء ألف جندي أمريكي قتلوا في العراق خلال الثمانية عشر شهرا الماضية منذ بدء الحرب في شهر مارس 2003 حتى التاسع من شهر سبتمبر الجاري·
لقد ضحى هؤلاء الجنود بأرواحهم من دون مبرر، في حين أن الرئيس الذي اتخذ قرار إرسالهم الى العراق تخلف عن أداء واجبه حين كانت الولايات المتحدة تخوض الحرب في فيتنام، لقد قاتل هؤلاء الجنود بشجاعة وماتوا بشرف، ولكن - كما كان عليه الوضع في فيتنام - مهما بلغ حجم بطولاتهم، فإنها لن تخفي حقيقة أنهم أرسلوا تحت ذرائع زائفة، الى حرب لا يمكن تحقيق الانتصار فيها·
فكم ألفا آخر من الجنود الأمريكيين سوف يموت قبل أن يدرك الأمريكيون أن هوس الرئيس جورج بوش بالعراق وبصدام حسين جلب الكارثة للولايات المتحدة؟
إن عدد الأمريكيين الذين يعتقدون أن الحرب على العراق تستحق الخسائر البشرية والمادية التي يتحملونها في تناقص مستمر، ولكن لا أحد قادرا على إيجاد مخرج من هذه الورطة المأساوية، ولهذا السبب بدأت تسمع كلمة "مستنقع" التي ترددت كثيرا أيام الحرب في فيتنام، ويتفق معظم العارفين ببواطن الأمور في واشنطن مع تقديرات السيناتور الجمهوري جون ماكين بأن الولايات المتحدة ستبقى في العراق لفترة تتراوح ما بين 10-20 عاما·
وما الهدف من بقائها؟ يمكن للمرء أن يقول وداعا للفكرة الساذجة بأن الديمقراطية سوف تتجذر في العراق ثم تنتشر مثل أزهار الربيع الى بقية أرجاء الشرق الأوسط، فهذا الأمر لن يحدث أبدا، إذن ما مبرر بقاء القوات الأمريكية في العراق باستثناء إقامة قاعدة عسكرية قوية في المنطقة والسيطرة على تدفق النفط العراقي؟
ولن ينتهي التمرد في العراق طالما ظلت الولايات المتحدة تحتل البلاد، ولن يقاتل "حلفاء" أمريكا العراقيون إخوانهم العراقيين بالشدة التي تريدها، أكثر مما فعل الفيتناميون الجنوبيون ضد الشماليين، كما طالبتهم إدارة الصقور برئاسة جونسون·
مستنقع
فالمتمردون العراقيون - سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم - يعتقدون أنهم يقاتلون من أجل بلادهم ودينهم وعائلاتهم، ولكن الأمريكيين لا يعرفون بوضوح ما الذي يقاتلون من أجله، لقد انتهى صدام الى غير رجعة وليست هناك أسلحة دمار شامل، وظلت صلة صدام بالإرهاب مجرد شكوك·
وعند لحظة ما - كما حدث في فيتنام - سيتوقف الجمهور الأمريكي عند عمليات القتل المستمرة هذه وسوف تصبح هذه المغامرة المأساوية غير محتملة سياسيا، بينما ترتفع أعداد القتلى·
وربما كان من بين الأسباب التي تجعل المغامرة الأمريكية في العراق غير محتملة أن الشعب الأمريكي لا يعرف الكثير عن الشعب العراقي وثقافته، لقد سوقت إدارة بوش الحرب على أنها رد على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ثم تبين لغالبية الشعب الأمريكي أن الصلة بين العراق وتلك الهجمات زائفة وأن الولايات المتحدة لم تجن من هذه الحرب سوى حزن لا ينتهي، وأن الدعم السياسي لهذه الحرب سوف يتلاشى·
وهذا سوف يستغرق بعض الوقت، ففي استطلاع أجرته مجلة نيوزويك الأسبوع الماضي، تبين أن 42 في المئة من الأمريكيين - مثلا - مازالوا يعتقدون أن صدام حسين متورط مباشرة في هجمات الحادي عشر من سبتمبر·
لقد وضعت إدارة بوش القوات الأمريكية في العراق في وضع مستحيل، فإذا كان من المتعذر عليك تحقيق الانتصار في حرب ما، ففي النهاية سوف تُهزم فيها، فالولايات المتحدة لم تُقدم على شن حرب شاملة في فيتنام لأسباب عدة، على الرغم من أن العدو كان يشن علينا مثل هذه الحرب الشاملة، وبعد سنوات عدة وإثر سقوط 58 ألف قتيل في صفوف القوات الأمريكية، انسحبنا من هناك·
ولن تشن الولايات المتحدة - ولا ينبغي لها - حربا شاملة في العراق أيضا، ولكن بالنسبة الى المتمردين فإن الأمريكيين يجسدون الشر، وهم الغزاة الذين قتلوا المدنيين العراقيين الأبرياء، بمن فيهم النساء والأطفال وبالآلاف· واشنطن تزعم أن ذلك هو نتيجة غير مقصودة للعمليات العسكرية، ولكنهم "أي العراقيين" يسمونها عمليات اغتيال، وهم يعتبرون أن الولايات المتحدة تشن عليهم حربا شاملة·
ولم يعدّ الرئيس بوش الشعب الأمريكي أبدا لعنف طويل الأجل في هذه الحرب، بل إنه لم يتحدث بصراحة عنها حتى الآن، وإذا كانت لديه فكرة عن كيفية الخروج من هذا المستنقع، فإنه لم يكشف عنه·
إن قواتنا التي تقاتل وتموت في العراق تستحق ما هو أفضل مما نفعله فيها في العراق·
" عن نيويورك تايمز "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com