
· د· يوسف الإبراهيم: النمو في دول الخليج شابه الكثير من التشوهات
· م· عبدالرحمن النعيمي: مجتمعاتنا تعيش تحت خط الفقر السياسي
· د· محمد عبيد غباش: مداخل استراتيجية للإصلاح من الداخل
· د· علي الكواري: لابد من تصحيح العلاقة بين السلطة والمجتمع
كتب المحرر الثقافي:
في تعبير تلمس تحولا فكريا في أسلوب العمل الثقافي، أشار جاسم السعدون العضو في منتدى التنمية الى: أن أوراق المنتدى في لقائه الخامس والعشرين أصبحت أكثر جرأة، ووصل عدد الأعضاء إلى 120 عضوا بعد أن كان العدد بمتوسط 55 عضوا، ويمكن أن نضيف أن هذا المنتدى - الذي يضم عددا من المفكرين والمثقفين والسياسيين الخليجيين، والذي تأسس في العام 1979 - أصبح أكثر وضوحا في أطروحاته، وأكثر قدرة على ملامسة قضايا التنمية بمختلف أنواعها، كما كشفت الأوراق والمناقشات التي دارت في لقائه المشار إليه، والتي صدرت في كتاب جامع عن دار قرطاس - الكويت·
هذه الدورة التي تأتي بعد ربع قرن من المداولات والنقاشات افتتحت بالموضوع الدائم الذي ظل يصاحب كل مشروع دراسي سنوي ومتخصص عقده المنتدى عبر عمره المديد على حد تعبير د علي خليفة الكواري، ونعني به الإصلاح، ولكن مطلب الإصلاح هذه المرة جاء في مناخ مختلف عن مناخات العقود الماضية، فمن جهة هناك ضغوط ودعوات خارجية، تطالب الدول العربية، والخليجية "بخاصة"، بالإصلاح، وهناك حاجة مزمنة للإصلاح من وجهة نظر الداخل ظلت قائمة على مدى قرن من الزمن، تعرضت للإجهاض أو تم احتواؤها أمنيا، ولم تمهل حتى تنجح وتكون حركة دائمة، مع استثناءات قليلة وقصيرة تميزت بوضع دستور الكويت في العام 1962م ودستور البحرين في العام 1973م·
إذن كان من الطبيعي أن يصل المنتدى في تناوله لقضية الإصلاح الى منطقين: الأول أنه إصلاح جذري وداخلي في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربي، والثاني: أنه إصلاح لخلل قائم ومتواصل منذ عقود جوانب عدة·
آلات عدة ومعزوفة واحدة
تركزت الأوراق والنقاشات طيلة أيام المنتدى الذي عقد في مملكة البحرين حول محاور عدة، تشكل بمجموعها معزوفة واحدة بآلات عدة، وهذه مسألة لاحظها بعض المشاركين الذين رأوا في هذا التناغم تعبيرا عن حقيقة موضوعية قائمة، وهي تلازم وقائع الخلل السياسي والخلل الاقتصادي والاجتماعي والسكاني والأمني،·· إلخ وكأنها وجوه عدة لظاهرة واحدة·
ويمكن اعتبار الورقة الأولى التي قدمها د· محمد عبيد غباش فاتحة موضوع الإصلاح في أكثر جوانبه ضرورة وإلحاحا، لقد حملت عنوان "تصحيح العلاقة بين السلطة والمجتمع"، وهي تلك العلاقة التي رأت فيها بقية الأوراق مفتاح الدخول الى حل معضلات الاختلالات المتعددة·
لقد قدم الباحث تحليلا استعان فيه بأدوات مفاهيمية غربية للتعرف على طبيعة السلطة في أقطار الخليج العربية، ومنها مفهوم الدولة القبلية والميراثية، والربعية والطرفية، ليخرج من ثم بمفهوم يتناسب مع واقع هذه السلطة، فيلاحظ استقلالها الاقتصادي الذي سمح لها بتفكيك البنى الاجتماعية وإعادة تشكيلها، والاستقلال الأمني العسكري، وهو ما مكنها من تجميد الإصلاح السياسي أو الحاجة الى نيل الشرعية، وحررها من قابلية المحاسبة، المقصود بالاستقلال بالطبع هو الاستقلال عن الداخل، بحيث أصبحت السلطة الخليجية حسب تعبير د· غباش "لا تملك شعبا، والشعب لا يملك سلطة"·
كان هذا التحليل في الختام متشائما، وهو أمر لا ينكره صاحبه ولكنه برر الأمر بأن الأمانة تقتضي من الباحث كشف الوضع على علاته، ثم التنبيه على أن دولة ضعيفة بضعف مجتمعها المدني، كما هو الحال الآن، ثقافة واقتصادا وإعلاما وتعليما، لا تستطيع كسب الصراعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تميز العصر الراهن، وستكون منكشفة أمنيا واقتصاديا بسبب الاعتماد على التصدير النفطي وحده، وأشار الباحث في ختام تحليله الى أن التجارب الديمقراطية في ظل هكذا خلل بين السلطة والمجتمع ستظل في حدها الأقصى تجارب شكلية كأي تجارب في مصر والأردن والمغرب·
الداخل أولا
د· علي الكواري في صياغته الأولية لمحاولة تصحيح هذه العلاقة، أكد على النقاط السابقة، وأضاف نقاطا تشدد على أهمية تصحيح هذه العلاقة استجابة لاستحالة بقاء الأوضاع الراهنة على ما هي عليه في ظل ضغوط من الخارج والداخل، ونبه الى أن فرض أجندة التغيير من الخارج سيقضي على كل طموحات الإصلاح الجذري من الداخل، ويدخل المنطقة في اضطراب وعدم استقرار وربما تفكك لدولها·
في تلميح الى أن مطالب "الإصلاح" الخارجية، ليست "إصلاحا حقيقيا" بقدر ما هي مصادرة لكل دعوات الإصلاح الوطنية، وتسريب لضواغط التغيير الداخلية الملحة، في قنوات تخدم مصالح القوى الخارجية واستراتيجياتها·
من هنا يجيء الاقتراح بالدعوة على مصالحة في اتجاهات عدة، مصالحة مع العقل، ومصالحة بين التيارات والقوى الإصلاحية، وتصالح السلطة مع مجتمعها·
الخلل اقتصادي - سياسي
د· يوسف حمد الإبراهيم وزير التربية الكويتي الأسبق وأستاذ الاقتصاد في جامعة الكويت، قدم مدخلا اقتصاديا سياسيا الى الخلل الإنتاجي في دول مجلس التعاون، أي الخلل في نمط إنتاج واستخدام الثروة الوطنية، فاستعرض أنماط التنمية، في دول مجلس التعاون، وأشار إلى أنه على الرغم من حقيقة النمو الذي حققته دول المجلس مقارنة بباقي الدول النامية إلا أنه كان نموا شابته الكثير من التشوهات في هياكل الأسعار والسلع والعناصر، وفي هياكل الإنتاج والسكان وأسواق العمل، وهي تشوهات جعلت هذه الاقتصادات عاجزة عن إيجاد بدائل ملائمة، لتنويع هياكل اقتصاداتها وتخفيف اعتمادها على النفط، ودلل بالأرقام على الملامح الأساسية للخلل في الهيكل الإنتاجي بذكر الاعتماد المفرط على القطاع النفطي، وارتفاع مساهمة قطاع الخدمات في الناتج المحلي للقطاع غير النفطي، وارتفاع معدلات التسرب من دورة الدخل أي الإنفاق القومي بسبب ارتفاع مستويات الواردات من الخارج، وهيمنة القطاع العام على حركة النشاط المحلي، واختلال هيكل الميزانية العامة، حيث تسيطر الإيرادات النفطية وتنخفض نسبة الإنفاق الرأسمالي مقارنة بالإنفاق الجاري، أي الإنفاق على الرواتب والدعم وما الى ذلك من إنفاق استهلاكي، وعدم تناسب الإنفاق العام مع الإيرادات العامة·
وأخيرا، يحلل د· الإبراهيم اختلال هيكل السكان والعمل، وأبرز ظواهره تهميش العمالة الوطنية وسيطرة العمالة الوافدة على أسواق العمل·
ومن هذه الاختلالات تخلص الورقة الى أن تبعات هذه الاختلالات ذات الطابع الاقتصادي - السياسي ستكون خطيرة ويلخصها في نقاط عدة، مثل تزايد اعتماد دول المجلس على النفط بما يعمق آثار التقلبات في أسعاره والصدمات، واستمرار تكدس العمالة الوطنية في القطاع العام، وهو ما يعيق مسار التنمية، مع استمرار اضمحلال القطاع الخاص، وتزايد انكشاف الاقتصاد الوطني على العالم الخارجي·
في نهاية التحليل تشير الورقة الى الأهمية الاستراتيجية لمواجهة هذه الاختلالات بتنويع الهيكل الإنتاجي ومعالجة خلل الميزانية وتطوير التعليم وتنمية القوى البشرية، ودعم برامج الخصخصة وإعادة تشكيل دور الدولة، وما الى ذلك من نقاط تتعلق بتنظيم السياسات النقدية ودمج أسواق رأس المال، وتعظيم الاستفادة من العولمة، وتفعيل دور مجلس التعاون، ومعالجة اختلالات هيكل سوق العمل·
وكل هذه بالطبع تستدعي متطلبات أي مواجهة معوقات إصلاح الخلل، وهي معوقات متعددة، منها سياسية واجتماعية وتقنية ومؤسساتية، ولهذا تقترح الورقة متطلبات إصلاحية، مثل وضع رؤية واضحة ومتكاملة مستقبلية لدى متخذي القرار، ودعم قدرة المؤسسات على إدارة عملية التغيير، ودعم حرية التعبير وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني ومشاركة المؤسسات الحاكمة في تحمل أعباء التغيير وتعميق المشاركة الديمقراطية·
خط الفقر السياسي
ورقة مطلب الديمقراطية وحقوق الإنسان وتنمية المجتمع المدني، كانت من الأوراق المهمة التي طرحت في المنتدى، وقدمها المهندس عبدالرحمن النعيمي من البحرين، وفيها توصيف للخلل السياسي، الذي هو في رأي الباحث سيطرة أسر حاكمة علي السلطة السياسية نتيجة ظروف تاريخية متباينة إلا أن خلاصتها كانت أن الأسر الحاكمة أصبحت العائلة المهيمنة، واعتبرت نفسها فوق المجتمع ولها امتيازات يتوارثها الأبناء عن الآباء، واعتبرت الأرض وما عليها ملكا للأسرة الحاكمة، وأعطت نفسها حق التصرف بحرية المواطنين الآخرين، بالتقريب والإبعاد، ولهذا تشهد المجتمعات الخليجية في ضوء هذا تشوها كبيرا في أوضاعها جعلها تعيش حسب تعبير الباحث تحت خط الفقر السياسي بمراحل، ولخص الباحث أبرز مظاهر التشوه في حرص الأسر الحاكمة على استمرار الاستراتيجية القديمة، سواء القبلية أو المذهبية، وخلق حالة بحبوحة للمواطنين عندما تفيض الموارد، وتوفير فرص عمل غير حقيقية للمواطنين عندما تسمح الميزانية، لتغطية الفشل في خلق وظائف إنتاج حقيقية، وقاعدة اقتصادية بديلة للنفط، والاعتماد على العمالة الأجنبية، وتزايد الهوة بين النظام السياسي في المنطقة وما وصل إليه العالم من تقدم ديمقراطي وحقوقي، ويرصد الباحث بعد ذلك مخاطر هذا الاختلال، ويضع نقاطا محددة للإصلاح، تعكس كل ظواهر التشوه، على رأسها وضع دساتير ديمقراطية، وحياة برلمانية سليمة، وحرية تعبير وصحافة وفصل بين السلطات وإصلاح القضاء واستقلاله·
اندماج إقليمي وتكامل عربي
تناول المنتدى في جلساته موضوعات أخرى، مثل ضرورة إقامة شبكة تأمينات اجتماعية ضد البطالة، والخلل السكاني في دول مجلس التعاون، وإصلاح الخلل الأمني، أي الانتباه الى مسألة أمن دول مجلس التعاون والتوقف عن التسليم بأنه مصلحة لدول كبرى خارجة كما هو جار حاليا، وإيجاد نسق فاعل يكون فيه دور فعال لدول المجلس·
وأخيرا وضع د· علي خليفة الكواري متطلبات تحقيق أجندة إصلاح جذري من الداخل موضع النقاش، وهي عبارة عن مسودة مشروع حدد دواعي الإصلاح، ومحدداته وعقباته، ووضع بنود أجندة إصلاح جذري داخلي مستقاة مما ورد من أوراق وجاءت محددة في النقاط التالية:
تصحيح العلاقة بين السلطة والمجتمع·
· تأسيس شبكة أمان اجتماعي·
· إصلاح الخلل السكاني·
· إصلاح الخلل الإنتاجي·
· إصلاح الخلل الأمني·
· مطلب الديمقراطية وحقوق الإنسان وتنمية المجتمع المدني·
ومن بين كل هذه النقاط، من المفيد الإشارة الى أن إصلاح الخلل الأمني تم تحديده كعملية تتم عبر الاندماج الإقليمي والتكامل العربي من أجل تقليل الحاجة الوطنية والإقليمية والعربية لأي مظلة أمن خارجية·
ومن المفيد أيضا ملاحظة أن كل نقاط أجندة الإصلاح تشكل كلا متكاملا، تسند إحداها الأخرى، بمعنى أنها تشكل خيوط شبكة واحدة سيكون فقدان إحداها نوعا من الخلل البنيوي في مطلب الإصلاح الشامل·