
· الحرب على الإرهاب جعلت الولايات المتحدة والعالم أقل أمنا
· بوش بدد التعاطف العالمي مع بلاده غداة الهجمات الإرهابية
يبدو أن دهرا يفصلنا عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك وواشنطن وليس مجرد ثلاث سنوات، فكل شخص يتذكر أين كان وهو يشاهد وهو في حالة ذعر، انهيار برجي مركز التجارة الدولي أهم معالم المدينة التي ترمز الى قوة الولايات المتحدة الاقتصادية والرأسمالية العالمية، ويبدو الآن، أكثر من أي وقت مضى أن تلك الهجمات تمثل حدثا فاصلا بين مرحلتين·
لقد فهمنا أخيرا أن العدو لمجتمعاتنا الغربية ليست الشيوعية التي طالما ساورتنا الشكوك حيالها، بل الأصولية الإسلامية اليائسة التي هي نتاج لإخفاقات العالم العربي الداخلية والإهانات التي لحقت به من الخارج·
وهكذا، بدأ "الحرب الأمريكية على الإرهاب" وأخذت الأحداث تتداعى الواحد تلو الآخر، أولا، الحرب على أفغانستان لإسقاط نظام طالبان الذي وفر الملاذ لتنظيم القاعدة، ثم أطلق بوش شعار "محور الشر" ثم غزو العراق بناء على معلومات نعرف الآن أنها غير صحيحة فضلا عن عدد من الأكاذيب·
ولم تقع أي حوادث إرهابية في الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر 2001 بالرغم من التحذيرات المتكررة، ولكن وقعت الكثير من الهجمات حول العالم مثل بالي (أندونيسيا) وإسطنبول والرياض ومدريد والدار البيضاء وأخيرا جاكرتا، وقد أصبح الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني أكثر عنفا وتفاقم الصراع في الشيشان ووصل أوجه في الأسبوع الماضي بالمجزرة التي وقعت في مدرسة بيسلان شمال روسيا·
كلنا أمريكيون
الحكومة الإسرائيلية تصور صراعها مع الفلسطينيين باعتبارها جزءا من الحرب الأمريكية على الإرهاب، ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الهجوم على مدرسة بيسلان بأنه "11 سبتمبر روسيا" وأعطى لنفسه - مثل بوش - الحق في مهاجمة الإرهابيين وقواعدهم في كل مكان من العالم، وهذان التطوران - بشكل أو بآخر - هما من الانعكاسات المباشرة لما حدث في نيويورك وواشنطن صبيحة ذلك اليوم الصافي من مشهد سبتمبر 2001·
وبمعنى آخر، عدنا الآن الى نقطة البداية، فردة الفعل الأولية على هجمات 11 سبتمبر كانت تدفق مشاعر التعاطف من مختلف أنحاء العالم مع الولايات المتحدة المنكوبة، وكانت افتتاحية صحيفة لوموند تحت المانشيت الشهير "كلنا أمريكيون" أفضل تعبير عن ذلك، لقد كان الافتراض الفوري أن الهجمات المدمرة شكلت تحولا في ميزان القوى العالمي، وبأنها بداية حقبة جديدة من "الحروب غير المتماثلة" التي أصبحت فيها قوة عظمى ضحية لا حول لها ولا قوة·
لقد أدخلتنا هجمات 11 سبتمبر في حقبة جديدة، ليس من الضعف الأمريكي بل من التصميم الأمريكي والقوة التي لا حدود لها على ما يبدو، فسرعان ما أثبتت الولايات المتحدة كذب الشهرة التي اكتسبتها أفغانستان ككقاهرة للإمبراطوريات الأجنبية، ثم جاء الدور على صدام حسين الذي قررت واشنطن إطاحته لأسباب لا تزال غامضة·
فخلال أقل من 18 شهرا، بدد الرئيس بوش كل التعاطف الدولي الذي حصلت عليه بلاده في أعقاب الهجمات الإرهابية، وجعل الولايات المتحدة مكروهة في العالم الخارجي أكثر من أي وقت مضى في التاريخ الحديث، ولكن بدا أن كل ذلك غير مهم حين تجاهل الرئيس بوش الأمم المتحدة والرأي العام العالمي وأمر بغزو واحتلال بغداد خلال أقل من ثلاثة أسابيع، وظهر الرئيس بعد ذلك على متن حاملة الطائرات الأمريكية "إبراهام لينكولن" ليعلن "إتمام المهمة" في هذا الفصل من الحرب على الإرهاب، ولكن تبين أنه كان من السابق لأوانه الاحتفال بانتهاء الحرب·
بين نارين
فكما يعرف الجميع الآن، تحول عراق ما بعد الحرب الى كارثة، فالحرب الأهلية وتقسيم البلاد التي حذر منها خصوم الحرب، أصبحت الآن احتمالات حقيقية، وأكثر من ذلك، أن المأساة لم يكن لها تأثير كبير على فرص إعادة انتخاب بوش، ومرة أخرى، يمكنه أن يشكر هجمات 11 سبتمبر التي مكنته من إظهار الحرب على العراق كمعركة أخرى من معارك "الحرب على الإرهاب" التي تتحرك فيها الولايات المتحدة بثبات نحو النصر النهائي·
ولكن هل هذا ما يحدث حقا؟ لقد ظهر علينا أيمن الظواهري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة بمناسبة الذكرى الثالثة للهجمات، في شريط فيديو ليعلن أن الولايات المتحدة أصبحت "محاصرة بين نارين" في العراق، فهي - كما قال الظواهري - محشورة بين خياري الانسحاب المذل أو مواصلة الاحتلال الذي سيجعل الولايات المتحدة مكروهة أكثر من أبناء الشعب العراقي الذي يفترض أن تتولى قواتها حمايتهم·
لقد أعلن الرئيس بوش أمام المؤتمر العام للحزب الجمهوري الذي عقد في نيويورك أوائل سبتمبر الجاري أن أفعاله منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 جعلت الولايات المتحدة والعالم أكثر أمنا·
ولكن العكس تماما هو الصحيح، صحيح أن الإرهابيين الإسلاميين لم يشنوا أي هجوم على الأراضي الأمريكية منذ ذلك الحين "على الرغم من اقتناع خبراء الاستخبارات الأمريكيين بحتمية وقوع مثل هذه الهجمات خلال الشهرين المقبلين"، لكن عمليات أبو مصعب الزرقاوي في العراق تذكر العالم بأن أسامة بن لادن، العدو رقم (1) للولايات المتحدة الذي لم يعد الرئيس بوش يتحدث عنه، لا يزال طليقا·
وليس هناك أي خبير في مكافحة الإرهاب لا يعتقد أن غزو العراق زاد من خطر الإرهاب، صحيح أن الولايات المتحدة ألقت القبض على بعض الإرهابيين، لكن استمرار احتلال العراق غذى مشاعر الاستياء من الولايات المتحدة في شتى أرجاء المنطقة، وتمكن الحركات الإرهابية من تجنيد المزيد من الأنصار، وظهرت مجموعات إرهابية جديدة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي·
وبهذا المعنى، فإن العالم يعود الى ما كان عليه في العاشر من سبتمبر 2001·
ربما تغير العالم، ولكننا نواجه بعد ثلاث سنوات من 11 سبتمبر، ظروفا مشابهة لما قبل هذا التاريخ، وبالرغم من اللهجة الخطابية الحماسية للرئيس بوش في خضم الحملة الانتخابية، فإنه يتوجب عليه أن يدرك أن الولايات المتحدة بحاجة لإعادة بناء الجسور الدبلوماسية والعاطفية التي أحرقتها في أوروبا والعالم، ولكن للأسف، فإن من الصعب للولايات المتحدة أن تستعيد التعاطف العالمي الذي حظيت به غداة الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن قبل ثلاث سنوات·
" افتتاحية الإندبندنت "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com