رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 1 شعبان 1425هـ - 15 سبتمبر 2004
العدد 1645

"الطليعة" تنشر الدراسة التي فصل على إثرها د· متروك الفالح من جامعة الملك سعود
المستقبل السياسي للسعودية في ضوء 11/9:
الإصلاح في وجه الإنهيار والتقسيم(الحلقة الثالثة)

                                      

 

أ· د· متروك الفالح

استاذ السياسة المقارنة والعلاقات الدولية (سابقاً)

قسم العلوم السياسية ـ كلية العلوم الادارية

جامعة الملك سعود ـ الرياض

 

العلاقات السعودية الغربية وبالذات بطرفها الأمريكي كانت تتسم بشكل عام بالتميّز طوال العقود الخمسة الماضية وحتى بداية الألفية الثالثة الميلادية· غير أن ذلك التميّزلم يكن، بالضرورة على وتيرة واحدة إذ شهدت العلاقات الغربية ـ السعودية، ومنها الأمريكية تحديدا، حالة من التوتر وعدم الاتساق خصوصا في فترة ما بعد 1995/1996 حيث تفجيرات الرياض والخبر ضد القوات الأمريكية والتي أسست وأرست لبداية قلق شعبي من الوجود الأمريكي، وكذلك عدم ارتياح رسمي من التدخل في الشؤون الداخلية خصوصا في إطار التحقيقات في تلك الأحداث· تلك الحالة العامة من العلاقات السعودية ـ الأمريكية والتي كانت على ما يبدو متميّزة، وان لم تخل من توتر كما أسلفنا، بدأت تتبدد على نحو لم يكن مسبوقا من قبل وذلك بعد الهجمات المميتة في واشنطن ونيويورك وبنسلفاينا في الحادي عشر من (سبتمبر) عام 2001·

ذلك الحدث وتوابعه في سباق ما سمي الحملة ضد الإرهاب بما في ذلك الحرب ضد أفغانستان ـ ولربما مستقبلا، ضد دول عربية أو إسلامية وكل ذلك يشير الى أن المسلمين ومنهم العرب تحديدا هم المستهدفون بدرجة واضحة من كل تلك الحملة واتجاهاتها ـ فتح ملف العلاقات الغربية العربية ومنها السعودية ـ الأمريكية تحديدا على مصراعيه باتجاه إعادة صياغتها أو تغييرها وعلى نحو بدا أنه يؤسس لأزمة ذات مخاطر على البلاد العربية عموما ومنها الدولة والمجتمع في السعودية تحديدا· تلك المخاطر تبدو هذه المرة مخاطر حقيقية وجدية وبالتالي تتطلب في المقابل معالجة حقيقية وجدية ولكن على أسس وصيغ جديدة لتتواكب وتتعامل مع مرحلة جديدة ومختلفة تماما عن سابقتها·

 

2 ـ في طبيعة الأزمة الداخلية ومشهد

(بديل) الانهيار

 

إن طبيعة الأزمة الداخلية ليست عارضة كما بدت وتبدو للوهلة الأولى أو أنها متصلة فقط في سياق الموقف من السياسات الأمريكية ذات الصلة بالحملة على الإرهاب والمشكلة الأفغانية في سياقها· إن تلك الأحداث منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 وصاعدا وحتى هذه اللحظة - ولربما تتصاعد مستقبلا على ضوء التقدم على مسار المشروع الأمريكي في إطار الحلقات الأضعف وبالذات ما يخص المنطقة العربية ـ هي بعض منها أومظاهرها وقواها المحفزة· إن طبيعة الأزمة تتصل بالعلاقة بين الدولة والمجتمع على خلفية عدة محاور منها محور الشرعية ومصادرها، ومحور التنمية والعدالة و الإدماج ومسألة الفساد المالي والإداري ومحور الأمن والعلاقة بالأجنبي ومحور المشاركة السياسية وما يتصل بالتكوينات الجديدة وصناعة القرار والميدان السياسي ونطاقه عموما، كل هذه المحاور تتصل أساسا وبدرجة كبيرة بمسألة بناء الدولة وما يتصل بذلك من مسألة قدرة الدول والأنظمة السياسية ونخبها على التحول أو التكيّف مع التحديات الداخلية والخارجية· إن واقع الدولة السعودية من حيث النظام وقدراته وإمكانياته الحالية هوالذي يقبع وراء الأزمة الداخلية أو انعكاسات الأزمة الخارجية (العلاقات السعودية - الغربية ومنها الأمـــريكية وحملتها تحديدا)·

إن العلاقة بين الدولة والمجتمع في السعودية كانت بداية وفي بداية التأسيس علاقة تقوم على فكرة المساهمة والمشاركة بين الفاعلىات والتكوينات الاجتماعية آنذاك سواء كانت حضرية قروية أو قبلية أو مناطقية من جهة وبين السلطة السياسية ممثلة بالملك عبد العزيز آنذاك والذي مثل الزعامة التاريخية ونال شرعيتها· تلك المعادلة وصياغتها كانت ترتكز على عملية التوازن بين السلطة وتلك القوى وكأنها عقد اجتماعي غير مكتوب يترك القرار السياسي وصناعته للملك والأسرة الحاكمة (المحدودة آنذاك) ولكنه في الوقت نفسه يترك مجالا للتوازن مع تلك القوى من حيث فكرة المساهمة والمشاركة على الطريقة الخلدونية·

تلك الصيغة يبدو أنها وخلال العقود الخمسة الماضية عبرت عن تلك المرحلة وقواها الاجتماعية، غير أن التحولات في طبيعة القوى الاجتماعية والمتصلة بالتحولات المادية والتحديثية ذات الصلة بآثار مداخيل النفط بدت وكأنها تتغير من طرف واحد ألا وهو تشكل وتكون قوى جديدة بتطلعاتها ورغباتها (رغم ما لحقها هي الأخرى من تآكل أو فساد أو انحرافات نتيجة تعطل قدراتها أوتعطيلها بسبب جمود الطرف المقابل والأبعاد الاجتماعية المتداخلة معه)، بينما الطرف الآخر وهوالمجال السياسي ولمن الحق في المشاركة فيه بقي كما هودون تغير يذكر عدا لمسات تجميلية شكلية (النظام الســـياسي - ومجلس الشورى - والمناطق) وهذه الأخيرة لم تكن تتوافق وتغيرات العلاقة الجديدة المتكّونة، وخلال تلك الفترة السابقة بدا أن المعالجة المالية للأمور تأخذ الحيز الأكبر من عملية تعديل الاختلال في العلاقة علما أن ذلك أيضا تركز على فكرة الاحتواء التوظيفي وبعض المشاريع والبنى الأساسية غير المتكاملة أصلا وبشكل عام وغير المتوازنة تحديدا وبشكل خاص على مستوى أو بين المناطق والمجموعات·

ومع أزمة الخليج التالية 1990/1999وتوابعها بدأت الأسئلة المجتمعية في البروز، وخصوصا من قبل القوى والفئات والعناصر الجديدة وسواء كانت ليبرإلىة أو إسلامية وحتى التقليدية، عن الأمن والعلاقة مع الأجنبي وكذلك إدارة موارد الدولة وتوازنها والحاجة إلى مؤسسات سياسية وقانونية عصرية، ومع أن تلك الأزمة كانت فرصة ثمينة لتكيّف النظام السياسي بصياغة أكثر استجابة مع تطلعات القوى الجديدة واستمرار تقدم المجتمع ككل واستقراره، إلا أن المراهنة على الوقت كانت لها الأولوية، ومع تزايد الانكشاف الأمني المتصل في العلاقة مع الولايات المتحدة وفي سياق المسألة العراقية وتواصلها وخصوصا منذ 1995 فصاعدا، بدا أن هناك توجها لتقلقل من فئات اجتماعية وصل بها الامر إلى قضية التفجيرات في 1995/1996· تلك التفجيرات ورغم إعدام بعض مرتكبيها وخصوصا منفذي عملية 1995، بدأت تؤسس لموقف شعبي معاد للوجود الأمريكي في الخليج وفي السعودية تحديدا، ورغم أن السلطة السعودية نفسها بدأت هي الأخرى تتقلقل من تأثيرات ذلك الوجود ومسألة التدخلات في الشؤون الداخلية (مسألة التحقيقات في التفجيرات وخصوصا تفجير الخبر 1996 والذي لم تكن التحقيقات في اطاره قد انتهت حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001) وكذلك رغم الاتفاق الناتج عن تلك التفجيرات بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية على إعادة نشر القوات الأمريكية وتجميعها في منطقة الخرج تحديدا إلا أن تلك المعالجات لم تكن تكفي لردم الفجوة الداخلية بين رغبات وتطلعات الفئات والقوى الشعبية وبين رؤية النظام وضروراته أوخياراته للتعامل مع تلك القضية·

إن الحل الأمني لتلك المسائل وخصوصا الإعدامات للعناصر المعارضة والمتصلة بالتفجيرات لم يحل المشكلة بل إن المسألة أخذت بالتطور، وخصوصا بعد 1996 ثم لاحقا بعد أحداث 1998 بضرب العراق والسودان وأفغانستان ثم انفجار الانتفاضة ضد الاحتلال الصهيوني منذ 28 سبتمبر 2000 وما رافق ذلك كله من بعض التقلقلات على صعيد بعض الأحداث الاجتماعية كالمظاهرات التي حدثت في الجوف وإلى حد ما في جدة والرياض والدمام وإن كانت الأخيرات قليلة في حجمها) وكذلك اختطاف الطائرة إلى بغداد· كل ذلك ـ مع استمرار الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال والحملة الوحشية الصهيونية المتواصلة، وصلة ذلك كله بالسياسات الأمريكية الداعمة للكيان الصهيوني من دون حدود، ـ أدى، بالتعاضد مع التراجع الاقتصادي وقلة فرص العمل وتزايد البطالة وصلة ذلك بموارد الدولة وإدارتها، إلى تكوّن وتعزز بيئة تتنامى فيها أسئلة مجتمعية مفتوحة عن تلك الأوضاع وكذلك إلى تزايد العناصر المعارضة للوجود الأمريكي ولسياسات أمريكا في المنطقة والمنحازة للكيان الصهيوني، ثم وفي أعقاب أحداث، الحادي عشر من سبتمبر واتهام السعوديين بالهجمات، بدا أن الأمر يتعلق بمسألة أساسية لم يفكر فيها كثيرا ألا وهي أن هناك مجموعات سعودية تجاوزت مجموعة الـ1995  عددا وعدة وتخطيطا ومتجاوزة، فوق ذلك الدولة السعودية من حيث إعطاء الانتماء والولاء السياسي لمجموعة ومركز غير الدولة وهذه الأخيرة لا تعترف بها بل وتناصبها العداء، وإذا افترضنا أن هولاء الخمسة عشر مهاجما بالفعل سعوديون - كما يبدو أن السلطات السعودية أقرت به مؤخرا كما سبقت الإشارة إلىه - وكذلك مابدا من تفاقم الأزمة الأفغانية وما بعدها من أعداد متزايدة متعاطفة مع تلك المجموعة من تنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن فإن الأمر يعني فيما يعنيه، ولا يقتصر فقط علىه، أن الدولة السعودية من حيث هي سلطة ومركز سياسي تعاني بالفعل مما يمكن تسميته بـأزمة الشرعية · إن الافتراق الشعبي مع الحكومة السعودية في إطار سياساتها الخارجية والمستند على اختلالات في السياسة الداخلية خصوصا في سياق انغلاق الأفق السياسي واختلالات في التنمية وعدم توازنها خصوصا بين المناطق إضافة إلى مشاكل اقتصادية عامة ذات صلة بإدارة الموارد بشكل عام، قد أصبح واضحا جدا في ثنايا ازمة أحداث (سبتمبر) 2001 وما بعدها·

إن الشرعية لأي نظام سياسي غالبا ما تأتي من رضاء وقبول الناس لذلك النظام وسياساته ومخرجاته، ومصادر الشرعية عادة ما ترتكز إلى عدة عناصر منها الزعامة التاريخية، العقيدة والدين (الأيديولوجيا) والهوية وكذلك الإنجازات التنموية وتوفير الحماية والأمن وبشكل عام قدرة النظام على التعامل والتكيّف مع الاحتىاجات الشعبية والتحديات بجميع تجلياتها، وحيث إن الزعامة التاريخية (الملك عبد العزيز) للدولة السعودية لم تعد هي الماثلة والقائمة في المرحلة الحالية وذلك بانقضاء مهامها أصلا مع بداية تكوين الدولة، وكذلك مع تغليب المصالح السياسية على مسألة العقيدة والدين والهوية وخصوصا بالانسياق وراء العلاقات الدولية وبالذات الغربية والأمريكية تحديدا، وكذلك حيث إن الدولة منذ 1990 فصاعدا بدأت وبشكل مكثف تعتمد على الحماية الأجنبية والأمريكية تحديدا وبالتالي عدم - قدرتها أو لربما رغبتها في توفير الحماية الذاتية، ومع تنامي عجز الدولة في اداء متطلبات التنمية وتوازنها بين كافة المناطق والمجموعات وعلى أسس تحقق العدالة والكرامة والرفاهية للجميع وبشكل متوازن، وكذلك مع تزايد البطالة والتي سوف تتفاقم مع تزايد السكان، ومع انعدم الشفافية والمكاشفة تجاه تلك القضايا والمسائل، فإن أزمة الشرعية للدولة السعودية لم تعد منطقة غير واضحة، وبغياب الأنظمة والقوانين المؤسساتية والتي توازن بين تلك الحاجات وتحقق الرضا والتوازن والاستقرار، ومع سيطرة قوى ونخب مغلقة ذات امتدادات عائلية (عدد من العائلات والأسر) ومناطقية بعينها (وعدد من قرى أومدن من تلك المناطق وليس بالضرورة كلها) على صياغة السياسيات التنموية وتوزيعات مخرجاتها وعلى نحو يأخذ في حسبانها مصالحها هي بدرجة اساسية أو امتداداتها المناطقية إلى حد ما، فإن الفساد والمحسوبية أصبحت هي الأخرى مستشرية في الدولة والمجتمع على حد سواء· وبموازاة ذلك كله، أصبحت المصلحة الخاصة والخاصة جدا هي معيار العمل وعلى حساب المصلحة العامة وخصوصا في مرافق الدولة ومؤسساتها· كل ذلك أدى إلى انحرافات من قبل فئات اجتماعية متنامية سواء على مستوى الأفراد أوالمجموعات أوالمناطق وتلك الانحرافات بدأت تأخذ أشكالا متعددة بما في ذلك الانحرافات الأخلاقية والمادية وكذلك الانحرافات في الولاءات السياسية وتجاوز الدولة، وحيث إن الأفراد والمجموعات الشعبية ليست مشركة في العملية السياسية على نحو واضح ومحدود بحيث تدخل في عملية صناعة القرار وإنتاج السياسات المطلوبة وتتحمل مسؤولياتها، فإنها لن تكون بمنأى عن تلك الانحرافات وبالذات السياسية منها بما في ذلك التطرف والنزوع للعنف ضد الدولة وسلطتها وسياساتها وارتباطاتها الخارجية ومنابعها الداخلية، وبالتالي فإن الأزمة الداخلية، إن لم يتم تداركها على نحو يقترب مما سوف نفصل فيه تاليا، سوف تتفاقم مع الوقت ولربما تعجل بنمو بذرة الانهيار وبروز مشهده·

يتبع

طباعة  

في منتدى التنمية بعد ربع قرن الذي عقد في البحرين:
عدد الأعضاء في ازدياد والأوراق المقدمة ازدادت جرأة