"الطليعة" - خاص:
تتطابق الأقاويل الأخيرة التي أطلقها د· يوسف القرضاوي مع كل الأقاويل التي دأبت على إطلاقها مجموعات اتخذت الدين الإسلامي غطاء لنشاطاتها ومنذ زمن طويل، وتوجتها أقاويل "بن لادن" التي تنشرها بعض الفضائيات العربية بحماسة، فهي دعوة إلى القتل العشوائي "لليهود والصليبيين" و "الكفار" وما إلى ذلك من تعابير امتدت حتى إلى الدعوة إلى "قتل المسلمين" بهذه الحجة أو تلك أي أنها بعبارة مختصرة دعوة إلى القتل الذي تمتد وتتسع ساحته، أو هي "الإرهاب" بعينه الذي نأخذه على الصهاينة والمحتلين سواء أكانوا أمريكيين أم غيرهم·
جاءت أقاويل القرضاوي في ندوة عقدت في القاهرة وتحت عنوان "التعددية في الإسلام"، حيث نصّب القرضاوي نفسه أو نصبته جماعة ما ممثلا للإسلام وناطقا باسمه، فلم يقل "أنا أرى هذا" مثلا، بل الإسلام يرى هذا" وفي هذا اجتراء خطير ومصادرة لكل رأي آخر، سواء أكان صادرا عن مسلم أم غير مسلم في ندوة تحمل عنوان التعددية·
لبّ هذه الأقاويل هو الدعوة إلى قتل الأمريكيين في العراق سواء أكانوا مدنيين أم عسكريين، مع عدم إجازة التمثيل بالجثث، وهي الدعوة نفسها التي يوسعها بن لادن وصحبه لتشمل كل أقطار العالم، وهي الدعوة نفسها التي توسعها هذه الجماعات لقتل كل حي مهما كان وفي أي مكان بغض النظر عن جنسيته ودينه وعمره ولونه، ونجدها تحدث في أمكان متعددة في آسيا وأوروبا آخرها وليس أخيرها ما حدث لمئات الأطفال والأبرياء في المدرسة الروسية على أيدي مجموعة إرهابية نصفها من العرب·
والواضح من هذه الأقاويل التي تلبس لبوس الدين الإسلامي، وتنثر مصطلحاته في ثنايا خطابها تعمدا، أنها بدأت منذ وقت مبكر، ونشطت في البداية ضد "الشيوعية" بتسليح عسكري ومالي أمريكي منذ السبعينات ثم بدأت الآن بخلق سياق إرهابي عالمي واسع النطاق ضم الأمريكيين إلى ضحاياه أيضا·
وجاء هذا التخليق لسياق الإرهاب سابقا لحدث تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك "11 سبتمبر 2001"، ما أن بدأت تلوح علائم انهيار نظام الدولة السوفييتية والأنظمة الاشتراكية الحليفة لها ففي أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات بدأت تتسرب إلى الصحافة الغربية أطروحات تتساءل عن "العدو" الملائم أو البديل بعد أن ذهب "العدو" الشيوعي، وكان جواب هذه الأطروحات في الصحافة الغربية واحدا لا يتغير هو "الإسلام"، كان الأمر مدهشا آنذاك، فلم يكن أحد يرى أمامه كيانا "إسلاميا" يشكل خطرا على الغرب، وحتى حين طرح "صموئيل هنتنغتون" الإسلام كعدو مقبل في العام 1993 نظر المراقبون إلى الأمر على أنه مزاح أو رغبة جامحة في التخيل·
الآن تكاد تذهب الدهشة والاستغراب أمام هذا الانسجام والتطابق بين أطروحات الذين اتخذوا الإسلام تجارة وحولوه إلى "عدو" خطر على البشرية، وبين خطاب الإدارة الأمريكية وملحقها الإدارة الصهيونية اللتين حولتا المسلمين والعرب إلى "عدو" خطر على البشرية فهاتان الإدارتان تتهمان المسلمين والعرب بالإرهاب بلا تمييز، وهؤلاء المتاجرون بالأقاويل ذات الظاهر الإسلامي يؤكدون هذه التهمة، بل ويعززونها كما تفعل أقاويل بن لادن والقرضاوي وبقية الجماعات الغامضة التي تنتشر الآن في العراق تحت شعارات إسلامية فتقطع الرؤوس وتمثل بالجثث، أو تختطف أو تكتفي بالفدية المالية، أوبمجرد بث شريط تسارع الفضائيات إلى تلقفه (ولا ندري كيف؟) وبثه·
هل ما يدور الآن من تزويد لخطاب الإرهاب بالأقاويل، أو مايسمى بالفتاوى يتجاوز تأكيد وإسناد خطاب الاتهام المعلق الذي ترتكز عليه سياسات وتوجهات الإدارة الأمريكية والصهيونية؟ ألا يشير هذا الخروج على العقل والمنطق، أو الجنون بقتل الناس إلى تطابقه مع الخروج على العقل والمنطق أو الجنون باتهام كل عربي ومسلم بالإرهاب؟