في 8 يونيو 2004، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع القرار رقم 1546 "للعام 2004" بشأن العراق، ويقضي القرار بتشكيل حكومة عراقية موقتة ذات سيادة، ويعلن أنه "بحلول 30 يونيو 2004، سينتهي الاحتلال وتنتهي معه سلطة التحالف الموقتة، وأن العراق سيستعيد سيادته الكاملة· "كما يتضمن القرار تفويضا بإنشاء قوة متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة، تتمتع بصلاحية" اتخاذ جميع التدابير الضرورية للإسهام في المحافظة على الأمن والاستقرار في العراق" وفقا للبنود الواردة في رسالتي وزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول ورئيس الوزراء العراقي إياد العلاوي المرفقين بالقرار·
كما يتبنى القرار 1546 جدولا زمنيا مقترحا للعملية الانتقالية السياسية في العراق، يتضمن عقد مؤتمر وطني وتنظيم انتخابات ديمقراطية مباشرة لمجلس وطني وانتقالي بحلول 31 يناير 2005، وسيكون المجلس مسؤولا عن تشكيل حكومة عراقية انتقالية وصياغة دستور دائم، وىُتوّج بانتخاب حكومة بحلول 31 ديسمبر 2005·
ويدعو القرار الأمم المتحدة إلى المساعدة في تنظيم الانتخابات وإسداء المشورة بشأن صياغة الدستور، وتقديم المساعدات الإنسانية وفي مجال إعادة الإعمار والمساعدة على التخطيط لإجراء تعداد سكاني، وتعزيز حقوق الإنسان·
وقد تم تشكيل الحكومة العراقية الموقتة في مطلع يونيو حزيران 2004، عقب مشاورات مكثفة وشاقة بين المستشار الخاص للأمم المتحدة المعني بالعراق، الأخضر الإبراهيمي، ورئىس سلطة الائتلاف الموقتة السفيرز بول بريمر ومجلس الحكم العراقي، وتم في النهاية تعيين الشيخ غازي الياور رئيسا للجمهورية، وهو منصب رمزي إلى حد كبير، بناء على إصرار أغلبية أعضاء مجلس الحكم، والياور هو مهندس مدني عمره 45 عاما، ومسلم سني من الموصل كان قد عاش في المملكة العربية السعودية لسنوات عدة، وهو عضو في مجلس الحكم، واختير إياد العلاوي رئيسا للوزراء، وهو شيعي علماني كان معارضا للحكم السابق لمدة طويلة وتربطه بالولايات المتحدة علاقات متينة، كما أنه رئيس حركة الوفاق الوطني العراقية، وهي إحدى جماعات المعارضة الرئيسية في المنفى إبان عهد النظام السابق، وتمثل الحكومة العراقية الموقتة معظم الجماعات العرقية والدينية في العراق، وكان معظم أعضائها يعيشون في المنفى إبان حكم صدام حسين·
وكان مجلس الحكم العراقي، الذي لم يعد له وجود الآن، قد أُنشئ في يوليو تموز 2003، وتم تعيين أعضائه من قبل سلطة الائتلاف الموقتة، ومثّل الجماعات العرقية والدينية الرئيسية في العراق كذلك، إلا أن تعيين مجلس الحكم العراقي من قبل سلطة الائتلاف الموقتة أشعل فتيل الخلافات في العراق والمنطقة بأسرها حول شرعيته وسلطانه، وقد اغتيل ثلاثة من أعضائه، بينهم امرأة، على أيدي الجماعات المسلحة التي عارضت احتلال العراق، على ما يبدو·
ووفقا للبيانات التي تنقلها وسائل الإعلام، فإن الزعماء الأكراد غير راضين عن كون القرار 1546 لا يشير صراحة إلى القانون الإداري الانتقالي "الذي يُعرف أيضا باسم الدستور الموقت، ويعتبر نافذا إلى حين وضع دستور دائم يصوغه المجلس الوطني الانتقالي"، الذي وقّعه مجلس الحكم العراقي في 8 مارس آذار، ومن ناحية أخرى، بعث رجل الدين الشيعي البارز آية الله العظمى علي السيستاني، الذي يتمتع بنفوذ كبير في أوساط السكان الشيعة، برسالة إلى مجلس الأمن اعترض فيها على أي إشارة إلى القانون الإداري الانتقالي في القرار، ويحدد القانون الإداري الانتقالي المستقبل السياسي القريب للعراق، ويتضمن أحكاما تتعلق بحماية حقوق الإنسان، وعددا من المقاعد للمرأة في المجلس الوطني الذي سيتم انتخابه في المستقبل، وإنشاء دولة فدرالية، وينص على أنه يحق لأي ثلاث محافظات عراقية، وبأغلبية ثلثي أصوات سكانها، أن ترفض مسودة الدستور الدائم، ويبدو أن هذا الإجراء يهدف إلى ضمان حقوق الأقليات، كالأقلية الكردية، ويخشى الأكراد، الذين كانوا يتمتعون بحكم ذاتي منذ العام 1991، أن يشكل حذف هذا البند خطرا على الضمانات المتعلقة بالحكم الذاتي الواردة في القانون الإداري الانتقالي، كما يخشون أن تحاول الأغلبية الشيعية فرض الشرعية الإسلامية في فقرات الدستور الدائم، وورد أن رئيس الوزراء العراقي إياد العلاوي قطع وعدا للزعماء الأكراد بأن تسترشد الحكومة العراقية الموقتة بالأحكام الواردة في القانون الإداري الانتقالي أثناء الفترة الانتقالية·
ويتناول هذا التقرير بعض القضايا الموقتة المتعلقة بنقل السلطة بعد 30 يونيو، بالإضافة إلى بواعث القلق المستمرة لمنظمة العفو الدولية، ويقدم توصيات إلى كل من الأمم المتحدة والحكومة العراقية الموقتة والقوة المتعددة الجنسيات وجماعات المعارضة المسلحة في العراق، وفي حال تنفيذ هذه التوصيات، فإنها ستساهم إلى حد ما في تحسين أوضاع حقوق الإنسان في العراق·
الحاجة الملحّة إلى إصلاحات تشريعية
ليس واضحا من القرار رقم 1546 أو من القانون الإداري الانتقالي، الذي يُفترض أن يكون بمثابة الدستور الموقت للفترة الانتقالية، ما إذا سيكون للحكومة العراقية الموقتة أي سلطة تشريعية· إلا أن مسؤولين حكوميين عراقيين صرحوا بأنها ستقوم بوضع تشريعات جديدة أو إجراء تغيير في التشريعات الحالية بعد نقل السلطة في 30 يونيو، وفي حال ما إذا كان للحكومة العراقية الموقتة صلاحية إجراء تعديلات على القوانين الحالية أو سن قوانين جديدة، فإن منظمة العفو الدولية ستدعوها إلى أخذ الأولويات التالية بعين الاعتبار:
أ) إنشاء لجنة خبراء
توصي منظمة العفو الدولية بأن تقوم الأمم المتحدة بإنشاء لجنة خبراء تتألف من خبراء دوليين وعراقيين في مجال القانون الدولي والقضاء الجنائي، وذلك بالتشاور مع المجتمع المدني وفي أقرب وقت ممكن، والغرض من إنشاء اللجنة هو مراجعة حاجات نظام القضاء في العراق، وإبداء الرأي بشأن التدابير المستقبلية التي من شأنها أن تجعل المحكمة متوافقة مع القانون الدولي، وإعادة بناء نظام القضاء الجنائى والمدني كي يستطيع التعامل بشكل فعال مع الجرائم التي ارتُكبت في الماضي، وكي يصبح سدا منيعا في وجه تكرار تلك الجرائم في المستقبل، ويتعين على اللجنة المقترحة أن تأخذ بعين الاعتبار توصيات المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية·
ب) القانون الأساسي
للمحكمة العراقية الخاصة
ينبغي تعديل القانون الأساسي للمحكمة العراقية الخاصة، الذي اعتمده مجلس الحكم العراقي، قبل أن يصبح نافذ المفعول، وتحث منظمة العفو الدولية الحكومة العراقية الموقتة على مراجعة الوثيقة وتفهم التعليقات والمقترحات المقدمة من قبل المنظمات غير الحكومية والخبراء في مجال حقوق الإنسان، ويمكن تلخيص بواعث قلق منظمة العفو الدولية بشأن القانون الأساسي على النحو التالي:
* ليس ثمة نص في القانون الأساسي يحظر الاعتقال التعسفي والحرمان من الحرية إلا بناء على إجراءات يقرها القانون، أو وفقا لها·
* لا يحظر القانون الأساسي استخدام أي شكل من أشكال التعذيب أو القسر أو الإكراه أو التهديد أو أي شكل آخر من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أثناء فترة الاعتقال قبل المحاكمة وفترة التحقيق·
كما أن القانون العراقي لا يحظر استخدام الإفادات التي يتم الحصول عليها تحت التعذيب أو بما يشكل انتهاكا للحقوق الإنسانية، وتجيز المادة 218 من قانون الإجراءات الجنائىة قبول اعترافات الأشخاص الذين تعرضوا للإكراه الجسدي "إذا لم تكن هناك علاقة سببية بين الإكراه والاعتراف، أو إذا كان الاعتراف مثبتا بأدلة أخرى من شأنها أن تقنع المحكمة بأنه صحيح أو إذا أدى إلى الكشف عن حقيقة معينة"·
* يتضمن القانون الأساسي حدودا للولاية القضائية للمحكمة الخاصة فيما يتعلق بوقت وقوع الجرائم وجنسية الأشخاص الذين يمكن محاكمتهم، ويدعو إلى التحقق من حيدة المحكمة، وتكفل هذه الحدود، مثلا، عدم جواز محاكمة مواطني قوى الاحتلال أمام هذه المحاكم·
* ينبغي بذل كل جهد ممكن لضمان تمتع بعض القضاة بخبرة قانونية خاصة في القضايا المعروضة على المحكمة الخاصة، ومنها قضايا حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي والعنف ضد النساء والأطفال، كما يجب أن يتمتع القضاة باحترام ظاهر لحكم القانون وحقوق الإنسان، ولكن لا يجوز منع أحد بناء على معايير تعسفية·
* ينبغي تعديل القانون الأساسي بحيث يشترط على قضاة التحقيق وقضاة المحكمة الخاصة ومحاكم الاستئناف أن يتصرفوا بشكل محايد ومن دون أي تمييز· كما يجب أن يتضمن القانون الأساسي أحكاما تتعلق بإعفاء القضاة من تولي المحاكمة في الحالات التي يمكن فيها التشكيك في حيدتهم، ويسمح القانون الأساسي لقضاة غير عراقيين بالمشاركة في المحكمة الخاصة شريطة موافقة مجلس الحكم العراقي، الذي لم يعد موجودا الآن، إلا أنه لا يسمح لغير العراقيين من منطقة الشرق الأوسط وغيرها من المناطق، ممن لديهم الخبرة المناسبة، بالعمل كمدعين عامين·
ج) المقاربة الشاملة للعدالة·
لا يمكن النظر إلى المحكمة الخاصة بمعزل عن كل شيء، بل يجب أن تكون جزءا من جهد أكبر يهدف إلى تقديم جميع المسؤولين عن الجرائم - بموجب القانون الدولي - التي ارتُكبت في العراق أو على أيدي مواطنين عراقيين أو مقيمين خارج العراق في العقود المنصرمة، إلى العدالة، والوصول إلى الحقيقة بشأن ما حدث، وتقديم تعويضات كاملة إلى الضحايا وعائلاتهم، إن الأعمدة الثلاثة التي تقوم عليها مكافحة الإفلات من العقاب - وهي العدالة والحقيقة والتعويضات - تعتبر جميعها أساسية إذا أريد تحقيق سلام دائم ومصالحة حقيقية في العراق، وينبغي عدم إصدار أي قرارات عفو عن الجرائم الكبرى بموجب القانون الدولي، وبالإضافة إلى الحق في الوصول إلى الحقيقة وفي تحقيق العدالة، فإن لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وعائلاتهم الحق في التعويض عما لحق بهم من أضرار، بما في ذلك الإنصاف ودفع التعويضات وإعادة التأهيل وبلوغ الرضى وضمان عدم تكرار تلك الجرائم·
د) قانون العقوبات العراقي
يساور منظمة العفو الدولية القلق بشأن أحكام معينة في قانون العقوبات العراقي وقانون الإجراءات الجنائية، ويجب أن تعطي الحكومة العراقية الموقتة الأولوية لإدخال تعديلات على هذين القانونين، ومن بين بواعث القلق هذه: أن القانون لا يحظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بطريقة تتسق مع المعايير الدولية، كما أن القانون لا يحتوي على الكثير من الضمانات المهمة للمحاكمات العادلة، ومنها توفير الترجمة الكتابية والفورية في جميع الإجراءات، سواء عند إلقاء القبض على الشخص أو في فترة احتجازه أو أثناء محاكمته، وضمان حق كل معتقل في الطعن في شرعية اعتقاله، وحق كل شخص يُدان بارتكاب جريمة جنائية في إجراء مراجعة من قبل محكمة استئناف لقرار الإدانة أو الحكم الصادر بحقه، وأخيرا عدم توفير حصانة للأشخاص عن الجرائم بموجب القانون الدولي، سواء كان ذلك من خلال إصدار قرارات عفو أو تدخل السلطات التنفيذية أو قانون التقادم أو تقييد الولاية القضائية·
هـ) عقوبة الإعدام
في أبريل 2003 تم عقوبة الإعلام في العراق، أولا من قبل الجنرال تومي فرانكس، آمر القيادة الوسطى لقوات الولايات المتحدة الأسبق، ومن ثم من قبل سلطة الائتلاف الموقتة في 10 يونيو 2003، وذلك بواسطة الأمر رقم 7 "البند 3 "1"، وصرح عدد من المسؤولين في الحكومة العراقية الموقتة مؤخرا بأن العراق قد يعيد العمل بعقوبة الإعدام بعد 30 يونيو 2004، فعلى سبيل المثال، صرح وزير العدل في 6 يونيو 2004 بأن عقوبة الإعدام معلقة الآن في العراق، لكن بعد عوة السيادة لن يكون هناك ما يجبرنا على الاستمرار في تعليقها، إننا نريد أن نعيد العمل بها في حالات محددة، بيد أن الوزير لم يوضح ماهية الجرائم التي سيعاقب عليها بالإعدام إن منظمة العفو الدولية تعارض عقوبة الإعدام، وتعتبرها انتهاكا للحق في الحياة وأقسى شكل من أشكال العقوبة، وتحث المنظمة الحكومة العراقية الموقتة على عدم إعادة عقوبة الإعدام وعلى النظر في إلغائها بشكل دائم·