رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 16 رجب 1425هـ - 1 سبتمبر 2004
العدد 1643

الأدب والتحديات الصعبة·· قراءة في الواقع الثقافي

بقلم: د· نجمة إدريس

رغم تمسكي بما عاهدتُ به نفسي سلفاً، وهو الترفع عن الخوض في كواليس موضوع الإرهاب الفكري أولا، وتجنّب دهاليزه المريبة على المستوى الشخصي ثانيا، إلا أنني أجد نفسي مدفوعة إلى إضاءة موضوع كتاب، "خليفة الوقيان في رحلة الحُلم والهمّ" من جوانب حيوية وضرورية، تعين القارئ - الذي يبحث عن الحقائق الموضوعية - على الفهم والمتابعة، واستيعاب رسالة الكتاب ضمن منظومة المقرر الجامعي خصوصا والمشهد الأدبي عامة·

والخوض في هذا الموضوع يتطلب "ولا شك" العكوف على كتابة مقالتين مهمتين: الأولى، حول غاية الأدب ورسالته، والثانية حول أهداف المقرر الدراسي وفلسفته· وعلى الرغم من ذلك فإنني لن أرهق القارئ العزيز بتنظير مملّ يُفقد متعة المطالعة والاسترخاء التي يرومها قارئ الصحيفة اليومية عادة، وسأجتهد أن أمسّ محاور هاتين المقالتين مسًّا هيّناً ورفيقًا·

يُستحسن أن أبدأ بالمحور الثاني، وهو الخاص بأهداف المقرر وفلسفته، والمقرر المعني في هذا المقام هو "الأدب العربي الحديث"، مجال تخصصي الدقيق، والمادة التي أقوم بتدريسها لطلاب وطالبات جامعة الكويت، ومن طبيعة هذه المقررات أن يكون لها مفرداتها التي تسمح بالتوسع والإحاطة في سياقات تاريخية وإنسانية وإبداعية تتحرى زخم المرحلة المدروسة، وهمومها، ورموزها، وتجديداتها الموضوعية والفنية، ومن هنا تأتي صفة التنوّع كإحدى خواص المقرر، والانتشار عبر خارطة الوطن العربي "مهد هذا الأدب" كصفة أخرى لازمة، شريطة أن يكون لأدبنا المحلي أيضا حضوره الفاعل والمؤثر، سواء تمثّل ذلك بظواهر موضوعية، أو أسماء بارزة، أو نماذج شعرية ونثرية فرضت وجودها وتميّزها على المشهد الأدبي·

وبناء على ما تقدم أتى الفصل الثاني من مؤلَّفي "خليفة الوقيان في رحلة الحُلم والهمّ" كمفردة واحدة من مفردات المقرر، تُدرّس لمدة لا تزيد عن ثلاث ساعات فقط، ضمن جدول زمني لفصل دراسي - يمتدّ على مدى ثلاثة أشهر، أي نحو أحد عشر أسبوعا - موزعا في ثلاث وثلاثين ساعة دراسية، وعلى القارئ الكريم أن يرى النسبة الضئىلة المخصصة لتدريس فصل من الكتاب المعني والتي لا تزيد عن %11 من الساعات التدريسية·

ولكن يبقى السؤال المطروح، لماذا خليفة الوقيان ضمن هذا المقرر؟ ولماذا الحديث عن السيرة الحياتية والأدبية لهذا الشاعر؟ ولماذا الوقوف عند إسهاماته الشعرية وتجديداته وقضاياه؟ والسؤال على الرغم من بديهية الإجابة عنه، إلا أنه لا بأس من التذكير بأن خليفة الوقيان ظاهرة شعرية لا يمكن تجاوزها في مقام تقييم أدب المرحلة محليا بل وعربيا· إنه شاعر تنعكس في شعره وأدبه ملامح المجتمع وقضاياه وهمومه، ومَوَرانه وقلقه ومتغيراته، بل حتى طموحات جيله في تجديد المشهد الشعري تقنية وفنا، وتأتي دراسة حياته بزخمها وتقلباتها لازمة ضرورية في هذا السياق، ذلك أن الإلمام بحياة المبدع وعصره وبيئته تبدو مقدمة ضرورية ومدخلا أوليا لفهم سياقات نصوصه الإبداعية وظلالها وإشاراتها ورموزها، ومن خلال هذا المزج المقنن للسيرة الأدبية والنصوص الإبداعية، يستطيع الطالب أن يُلمّ بصورة مقربة وصادقة للواقع الثقافي والاجتماعي والأدبي بل وحتى السياسي·

لا أدري لماذا نستنكر، وبصلف مصطنع، اندساس ظلال السياسة في النصوص الإبداعية؟ ونتحدث بجهل فاقع عن تسييس الأدب؟!! أليست غربة البارودي - رائد الشعر الحديث، وحنينه الشجيّ، وعذاباته المستكبرة - ذات جذور سياسية مرتبطة بتقلبات عصره ومتغيراته؟! أليست نصوص أحمد شوقي المغمّسة باللوعة وافتقاد الوطن ويُتْم الروح ذات صلة بعلاقته بالخديوي وأزمته مع الإنجليز وقرار نفيه خارج مصر؟! بل مالنا لا نمثّل بشعراء أكثر إيغالا في الزمن كأبي فراس الحمداني، الذي ما كانت رومياته في سجن الروم غير واقع سياسي صرف، يحمل ظلال العصر وظروفه!، وعلى ذلك فقس ما تشاء من تجارب الشعراء في شتى عصورهم وبيئاتهم· فلا أدري لماذا نستنكر إذن أن يحمل شعر خليفة الوقيان تأثيرات سياسية مثل الفكر القومي، ومتغيرات النقلة الحضارية، وصراعات المختلفين في الرأي، وفجيعة الغزو، والحسّ القلق إزاء تيارات الغلو والتعصب ومظاهر الإرهاب؟! وكلها بضاعة العصر وصوره ومفرداته!!

لعل الوصول إلى هذا المنحى في الحديث، سيقود بالضرورة إلى المحور الثاني الذي رغبتُ في طرحه، وهو الحديث عن غاية الأدب ورسالته، فعلى الرغم من الاجتهادات اللامتناهة في تحديد غاية الأدب، يبقى أن جُلّ تلك التعريفات تكاد تصب في غاية التحاور مع الحياة، ومناجزتها، ونقدها، وتحليل عناصرها، والتفاعل مع صراعاتها بمستوياتها المختلفة، واتخاذ موقف ما إزاء وجوهها وإحداثياتها· ثم يأتي اجتهاد الشاعر في "شعرنة" هذا الواقع ضمن إطار من الفن الرفيع والمؤثر·

إن التمثيل برموز الشعر والأدب كالوقيان أو أحمد مشاري العدواني أو فهد العسكر أو صقر الشبيب، ليس إلا معالجة لواقع "سياسي أو اجتماعي أو فني" مفروض إبداعيا، وليس لهذه المسألة علاقة بالمزاج الانتقائي وإلا فكيف سنعالج أسماء لها وزنها في التمهيد للنهضة الفكرية والتنوير، كالشيخ عبدالعزيز الرشيد والشيخ يوسف بن عيسى - اللذين لاقيا العنت والشدة والاضطهاد من الغلاة والمتعصبين - من دون أن نضع في الاعتبار كونهما من النماذج المفروضة ثقافيا وحضاريا، أي نماذج لا بدائل لها لتمثيل صورة العصر ومشاهده·

إن مشكلة عصرنا الثقافي محليا وعربيا تكاد تتمثل في فشل التيارات الفكرية الأخرى المختلفة أو المغايرة "دينية وسلفية في معظمها" في إيجاد نماذجها الإبداعية المقنعة، أو طروحاتها الفنية المؤثرة في الشعر والنثر الأدبي عامة، فتكرّست تبعا لذلك حالة خلو ساحاتها من المؤثرين في المشهد الأدبي، وتقلّصت مساحة مساهماتهم، وجفّت أنساغهم·

ذلك أن آلية الأدب المتأسسة على الإبداع والابتكار تغاير منظوماتهم الفكرية، المستريبة من "الابتداع" و "التجديد"، والمتدثّرة بسلفية أدبية دالت دولتها، ووهنت عظامها، وأغلقت أبوابها من دون رياح التثاقف العالمية والإنسانية، ومن دون التحاور الحضاري البنّاء مع طروحاتها الحداثية سريعة الإيقاع·

ومن هنا لم يبق لهذه التيارات السلفية غير تبنّي موقف المعارضة للآداب الحديثة، والاستهانة بجهود مبدعيها، وسوء الظن بتوجهاتهم الفكرية وتقنياتهم الفنية، التي غالبا ما تؤوّل خارج سياقاتها ومجازها ورموزها·

 ومن هنا لنا ألاّ نستغرب تلك الجفوة المعلنة التي يُواجه بها المبدع من قبل أولئك، كونه كائنا مغايرا ومختلفا في فهمه لماهية الأدب، وآلياته، وشروطه بيد أن استمرار موقف العدائية والنفي والصدام مع الرموز الشعرية والإبداعية الفارضة نفسها على الواقع الثقافي، والتعامل معها بشك مستريب، أو بمجانية مجافية للذوق والفهم، سوف يساهم في اجتثاث تاريخ المجتمع وأدبه وثقافته، ويقوّض أركانه، ويمزّق روحه المتطلّعة إلى النمو والتجدّد·

إن المبدع طاقة متطلّعة إلى الأمام، تكره الثبات والتكرار، وتنفر من الركود والرخاوة والاستكانة، وتمتلئ بالتحفز للتغيير وصنع المستقبل، لذلك فلا غرو أن تصطدم في نضالها المتوفّز وكدحها الجميل، مع ما يغاير طبائعها ويحدّ من تطلعاتها، ولعل هذا هو الثمن الذي يدفعه المبدع في صراعاته اللامتناهية مع واقعه الفقير المقفر، الذي يضطهده أو يسئ فهمه أو يغيّبه ويلغيه!!

والمبدع في أخص صفاته مغرم بالتقويض والتفكيك وإعادة البناء، وممتلئ بالدهشة والإدهاش، ومتحفّز لإحداث الفوضى الجميلة في المستنقعات الراكدة والبرك الموحلة، لا يهمه أن يكون حكيما أو واعظا أو مصلحا أو منظّرا اجتماعيا، فلكل هذه المناحي مختصّوها وجهابذتها، والمبدع قطعا ليس واحدا منهم· وعليه فلا يجوز أن نُحمّل الأدب أكثر مما يحتمل من الأثقال الوعظية، أو التعليمية، أو الخُلُقية، أو القيمية· فالموضوعات والمعاني كما يقول الجاحظ ملقاة على قارعة الطريق، يعرفها العربي والعجمي، والبدوي والحضري، وإنما العبرة في صياغة هذه المعاني في إطار من الفن الأصيل، المُبتكَر والمؤثر، والأثر الفني الرفيع كفيل أن يهذّب الذائقة، ويسمون بالروح، ويقرّبها من الفضائل والخلائق السامية، وتلك من غايات الأدب العليا·

لم يبق إلا أن نختم هذا المقال برجائين مشروعين لا مندوحة من التطرق لهما: الأول أن تُترك حرفة الأدب وتعليمه لجهات الاختصاص، وألا ينقضّ كل من هبّ ودبّ متدخلاً في أمور لا تقع في نطاق إدراكه وعلمه، والرجاء الثاني يتمثّل في ضرورة أن يُعطى الأستاذ الجامعي ما يستحق من ثقة وحرية، وأن يُحسَن الظن بعلمه، ونزاهته، وقدرته على اختيار الأنفع والأفضل·

طباعة  

حوار صريح مـع الشباب:
الهاتف النقال ·· هل أصبح ضرورة أم ترفا اجتماعيا؟!

 
المليفي: لجنة الدفاع عن حرية التعبير تعلن مساندتها للدكتورة نجمة إدريس