
· المسؤولون الأمريكيون فوتوا كل الفرص لخلق قيادات عراقية تتمتع بالمصداقية
· الأوضاع تغيرت نحو الأسوأ بعد 28 يونيو والنهج الأمريكي الراهن يقود الى الهاوية
بقلم بول كروغمان
حدث شيء مثير للسخرية بعد أن قامت الولايات المتحدة بنقل السيادة الى العراقيين، فلم تتغير الأوضاع إلا نحو الأسوأ·
لكن التغير التجميلي في الوضع العراقي - على حد وصف ماثيو يغلاسياس من "أميريكان بروسبكت" أدى الى "أفغنة" التغطية الإعلامية للأحداث في العراق·
وهو يشير بذلك الى التراجع الكبير في التغطيات الإعلامية لأفغانستان بعد الهزيمة العسكرية التي لحقت بحركة طالبان، فمرة أخرى، أصبحت أفغانستان، الدولة التي ذهبنا لتحريرها وقدمنا لها الوعود بحفظ الأمن وإعادة بنائها - وهي الوعود التي أخلينا بمعظمها - دولة صغيرة وبعيدة ولا نعرف عنها شيئا·
وقد حدث الشيء ذاته للعراق بعد الثامن والعشرين من يونيو الماضي، فقد انتقلت أخبار العراق الى الصفحات الداخلية من الصحف الأمريكية واختفت تقريبا عن شاشات التلفزة، وساد لدى الكثيرين الانطباع بأن الأمور قد تحسنت هناك، حتى أن هذا الانطباع انطلى حتى على الصحافيين، وقد أكدت بعض الصحف أن معدل القتلى من الجنود الأمريكيين انخفض بعد تسليم السلطة، بيد أن الأرقام الحقيقية للجنود الأمريكيين الذين سقطوا منذ ذلك الحين كان 42 جنديا في شهر يونيو و54 جنديا في شهر يوليو·
والمشكلة في هذا التحول في اهتمام الإعلام الأمريكي أنه إذا لم تكن لدينا صورة واضحة عما يحدث فعلا في العراق، فلا يمكننا إجراء نقاش جدي حول الخيارات المتبقية لدينا في مثل هذا الوضع البالغ السوء·
مناطق معادية
والحقيقة العسكرية في العراق هي أنه ليس هناك فتور في التمرد وأنه يبدو أن أجزاء واسعة من البلاد تخضع فعليا لسلطة مجموعات مناهضة للحكومة المدعومة من الولايات المتحدة·
لقد كسبت القوات الأمريكية في الربيع الماضي نصرا عسكريا مثيرا للإعجاب ضد قوات الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، لكن هذا الانتصار لم يكبح جماح هذه القوات، وتشير الكثير من التقارير الى أن قوات الصدر هي السلطة الفعلية في مدينة الصدر التي يصل عدد سكانها الى 2,5 مليون نسمة كما يبدو أن هذه القوات قد عززت مواقعها في مدينة النجف وغيرها من المدن العراقية·
وفي المناطق السنية، فإن مدينة الفلوجة هي مناطق معادية للأمريكيين، وفي المناطق الأخرى غرب العراق، فإن تقارير كلا من صحيفتي "نايت ريدر" Knight Ridder و"لوس انجلوس تايمز" Los Angles Times تشير الى أن القوات الأمريكية خففت من ظهورها حيث أقامت نقاط مراقبة لكنها لم تعد تقوم بأعمال الدورية، وهذا يعني في الواقع، التخلي عن السلطة لصالح المتمردين، وفي بقية مناطق العراق، ما تزال - بالطبع - تقع الهجمات بقذائف الهاون فضلا عن التفجيرات وأعمال الخطف والاغتيالات·
وفي هذه الأثناء، فإن عملية إعادة البناء متوقفة، وشهد هذا الصيف، كما الصيف الماضي، نقصا حادا في الطاقة الكهربائية، كما أن مياه الصرف الصحي تلوث مياه الشرب وبدأت تظهر بعض الأمراض كالتيفود والتهاب الكبد كذلك في ازدياد، وتظل معدلات البطالة في ارتفاع، وغني عن القول إن كل ذلك يضعف أي فرصة أمام الحكومة العراقية الجديدة لكسب تأييد واسع في الشارع العراقي·
وهدفي من وصف كل هذه الأنباء السيئة هو ليس نشر الروح الانهزامية بل لوضع إطار واقعي للجدل السياسي الأمريكي·
والآن، فإن شيئا واحداً واضحا وهو أن الدعوات الى "الحفاظ على النهج الراهن" ليست سوى حماقة، فالنهج الذي نسير عليه يقود الى الهاوية، فالجنود الأمريكيون يواصلون كسب المعارك، لكننا نخسر الحرب، فقواتنا تعيش تحت ظروف إجهاد شديدة، ونحن نخلق من الإرهابيين أكثر مما نقتل، وفي كل شهر يستمر مثل هذا الوضع، تضرر سمعة الولايات المتحدة، بما في ذلك سلطتها الأخلاقية·
كراهية مريرة
إذن، هل يعني ما أقوله أن علينا أن نهرب من العراق؟ هذا مصطلح محمَّل بالمعاني، فلا أحد يريد أن تقوم طائرات الهيلوكوبتر الأمريكية بإخلاء آخر الجنود الأمريكيين عن أسطح مباني المنطقة الخضراء·
لكننا بحاجة الى تحرك عاجل لإنهاء وضعنا "كقوة احتلال في أرض ينظر لنا أهلها بكراهية مريرة"، وهو الأمر الذي لم يحذر منه سوى الرئيس الأسبق جورج بوش "الأب"، وكان محقا حين حذر من عواقب غزو العراق، وهذا يعني ضرورة أن نبادر الى نقل حقيقي للسلطة الى العراقيين·
لقد فوت المسؤولون الأمريكيون الفرصة تلو الفرصة منذ سقوط بغداد، وحين ألغى بول بريمر الانتخابات المحلية من أجل إبقاء مقاعد السلطة للعراقيين العائدين من المنفى المفضلين لدينا، لخلق زعماء عراقيين يتمتعون بالمصداقية، وفي كل مرة نجد أن الخيارات المتبقية أمامنا تصبح أسوأ وأسوأ·
ومع ذلك، ما زلنا نصر على مثل هذه الممارسات صحيح أن رئيس الحكومة العراقية الموقتة أياد علاوي ليس أكثر من بلطجي، لكن ليس من مصلحتنا أن يفشل·
ولكن حين اقترح علاوي عفوا عاما عن المتمردين، وهي الخطوة التي استهدف منها الظهور بأنه ليس ألعوبة بيد الأمريكيين، تدخل المسؤولون الأمريكيون الذين ربما شعروا بالقلق من انعكاس ذلك داخل الولايات المتحدة، وأصروا على استثناء المتمردين المتورطين في قتل جنود أمريكيين، ومن المؤكد أن ذلك سيعطي إيحاء بأن حياة الأمريكيين أغلى من حياة العراقيين، الأمر الذي سيزيد من متاعب علاوي ويوسع الهوة بين الأمريكيين والعراقيين·
والآن، وإذا كان لا بد من طرح السؤال: هل علينا الهروب من العراق؟ فإن الجواب بالتأكيد هو: "لا"، لكن علينا أن نتحلى بالواقعية ونبحث بشكل جدي عن مخرج من الوضع الذي نحن فيه في العراق·
" عن نيويورك تايمز "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com