
· الجيل الجديد من قادة "فتح" قد يتحالف مع الإسلاميين ويوقع اتفاق سلام مع إسرائيل
· الفصائل تحركت لتعزيز مواقعها استباقا للانسحاب الإسرائيلي فحدثت الفوضى في غزة
بقلم: خليل شقاقيü
ما يجري في غزة هذه الأيام ليس سوى ردة فعل على خطة شارون للانسحاب أحادي الجانب، فانسحاب إسرائيل الوشيك أثار موجة من الفوضى هناك في وقت يجري سباق بين أمراء الحرب الوطنيين والجيل الجديد من الشباب للسيطرة على الأوضاع هناك بعد الانسحاب الإسرائيلي·
فهم يعتقدون أنه حال مغادرة إسرائيل لقطاع غزة، فربما يفقدون مبرر حمل السلاح والإبقاء على ميليشيات مستقلة "مثل كتائب شهداء الأقصى"، وهي الوسائل الأكثر فاعلية التي يمتلكونها الآن لتأكيد سلطتهم وإضعاف قبضة خصومهم من الحرس القديم في الحركة الوطنية الفلسطينية، وإذا فشلت جهودهم، فسوف يكون من مصلحتهم استمرار الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، ولذلك فإن حل هذا الصراع على السلطة له انعكاساته على جميع أطراف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني·
التحدي الأخطر
فما أن بدأت إسرائيل الاستعداد للانسحاب من غزة، حتى استغل الزعماء الوطنيون الشباب حقيقة أن معظم أنصار ياسر عرفات هم فاسدون وعاجزون ومكروهون من الجمهور، ولأن إسرائيل تخطط للانسحاب بشكل أحادي الجانب، فلم تعد هناك حاجة للتفاوض مع الحرس القديم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ولذلك، أصبح الجيل الجديد يرى، أن الحرس القديم لم يعد ذي صلة، وقد عززت المطالبات الشعبية المتنامية لإجراء إصلاحات جذرية وحكم نظيف، موقف الزعماء من الحرس الجديد وتحدي عرفات بشكل مباشر، وتمثل حالة الفوضى الراهنة في غزة، التحدي الأخطر لقيادة عرفات منذ عام 1983·
لقد ظلت معظم الأسباب للفوضى الراهنة موجودة هناك دائما، حيث نظام سياسي فلسطيني عاجز قاد الى حالة خطيرة من الانقسام والتمزق داخل المعسكر الوطني وتقوية حركة حماس والإسلاميين الآخرين، وأثار شبح تفكك السلطة الفلسطينية وانعدام الشرعية·
لقد سمحت الانتفاضة المسلحة على مدى السنوات الأربع الماضية، للقيادات الوطنية الشابة تصعيد الكفاح ضد الكادر الوطني الذي ينظر إليه من قبل الجمهور على أنه مسؤول عن الإخفاقات في بناء الدولة وصنع السلام، لقد أدى افتقار عرفات للرؤية وعجزه عن رسم اتجاه واضح خلال هذه السنوات الصعبة من الانتفاضة والشلل السياسي في الساحة الفلسطينية نتيجة لذلك، بالكثير من الفلسطينيين لإثارة علامات الاستفهام حول حكمته وقيادته، وقد جعل التدقيق الدولي في الموارد المالية للسلطة الفلسطينية وما نتج عنه من فقدانه السيطرة على الجمهور، جعل من الصعب عليه الحفاظ على موقعه من خلال المال·
لقد أدى إدراك الرأي العام الفلسطيني لوجود فساد على نطاق واسع في السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية الى خلق حالة من الإحباط وخيبة الأمل أكثر من أي وقت مضى، لقد أظهرت دراسة أجراها "المركز الفلسطيني لبحوث السياسة والاستطلاع" الشهر الماضي أن 87 في المئة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يعتقدون أن الفساد موجود في السلطة، وقال ثلثا الفلسطينيين إن المسؤولين المتورطين أو المتهمين في الفساد لا يتعرضون للمساءلة·
أرضية خصبة
وأظهرت الدراسة أن 92 في المئة منهم يؤيدون الدعوات الداخلية والخارجية لإجراء إصلاحات سياسية جوهرية في السلطة الفلسطينية، لكن 40 في المئة منهم فقط يعتقدون أن السلطة الفلسطينية تقوم فعلا بتنفيذ مثل هذه الإصلاحات، وأظهرت الدراسة أيضا أن 59 في المئة من الفلسطينيين يخشون وقوع اقتتال داخلي بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وأبدى 30 في المئة فقط ثقتهم بقدرة السلطة الفلسطينية على السيطرة على الوضع الداخلي بعد الانسحاب، وقال 31 في المئة أنهم يعتقدون أن الحياة سوف تستأنف كالمعتاد في غزة بعد الانسحاب·
وهذه الظروف هي التي خلقت الأرضية الخصبة لأولئك الذين يرغبون في تحدي عرفات وهو ما شجعهم على إعلان ذلك على الملأ، وهناك تحد سياسي مشابه في الضفة الغربية ولكن بوتيرة أبطأ·
وربما يكون زمن الحرس القديم في طريقه الى الأفول·
وربما تؤدي الأزمة الراهنة الى إضعاف سلطة عرفات وقد يتبعها المزيد من التطورات خلال الثمانية عشر شهرا المقبلة، وقد تصبح سلطة عرفات والسلطة الفلسطينية اسمية فقط في غزة، وقد تحل محلها سلطة الإسلاميين، ومن أجل تعزيز سلطة كل منهما، فإن الحرس القديم والجيل الجديد من الزعماء الوطنيين، يحتاج كل منهما لتعزيز تحالفهما مع الإسلاميين وعقد صفقة مع إسرائيل، التي ترفض التفاوض مع سلطة عرفات، توافق إسرائيل بموجبها على الانسحاب الكامل مقابل الوقف الكامل للعنف انطلاقا من قطاع غزة·
حرب أهلية
في المدى القصير قد تنعم إسرائيل ببعض السلام والهدوء ولكن ذلك لن يدوم في المدى الطويل فإسرائيل التي ستواصل السيطرة على الضفة الغربية والقدس الشرقية، ستجد نفسها في مواجهة مع خصم أكثر قوة على حدود غزة، وسوف يعود العنف كما كان·
وفي هذه الأثناء، سوف يصبح الإسلاميون أقوى وسيمثلون اختبارا للوطنيين في أقرب فرصة، وقد يشكل الاقتتال بين الإسلاميين والوطنيين بداية لنزاع داخلي طويل المدى وربما حرب أهلية، ولن يستفيد أحد من هذا التطور، وسيكون الجميع، من فلسطينيين وإسرائيليين والمجتمع الدولي، خاسرين·
ولن يساعد الفلسطينيون في تفادي هذا الاحتمال سوى إجراء الانتخابات الآن وقبل الانسحاب الإسرائيلي من غزة·
فالانتخابات ستساعدهم في التخلص من الحرس القديم، وبالتالي تزويد الجيل الجديد من الشباب الوسيلة لإلقاء السلاح دون أن يخسروا قوتهم السياسية، وفي الواقع، فإن الانتخابات ستتيح الفرصة لجيل الشباب الفرصة لترجمة قاعدتهم الشعبية الى قوة سياسية، وستؤدي الانتخابات أيضا، الى إضعاف سلطوية عرفات "إذا ما أعيد انتخابه"، ودمج الإسلاميين في النظام السياسي وقيام حكومة ائتلافية من الجيل الجديد والمستقلين، إن الانتخابات وحدها هي السبيل لإنهاء الفوضى السياسية الراهنة وحالة الانفلات وغياب القانون وحالة الشلل السياسي، فالانتخابات هي السبيل الوحيد الذي يضع النظام السياسي الفلسطيني أمام المساءلة·
وقدرة المجتمع الدولي على التأثير على الظروف الفوضوية الراهنة في المناطق الفلسطينية اليوم ليست كبيرة، ومن خلال تسهيل إجراء انتخابات وطنية فلسطينية فقط، يمكن لإسرائيل والولايات المتحدة الإسهام في إرساء الاستقرار وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية ذات قيادة مسؤولة وتقيم علاقات سلمية مع إسرائيل·
ü مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والاستطلاعات في رام الله
" عن وول ستريت جورنال "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com