· المملكة أقرب الى النموذج المصري منه الى الجزائري
· الأزمة السعودية الراهنة تختلف عن كل التحديات السابقة
بقلم ديفيد غاردنر
أحيت موجة الهجمات الأخيرة ضد الأجانب وقوات الأمن في المملكة العربية السعودية التكهنات المتكررة في الشرق الأوسط حول قدرة آل سعود على البقاء، ولكن الإجابة المختصرة عن هذه التساؤلات هي نعم، في المدى القصير·
ولكن الجواب الحقيقي هو أن هذه الأزمة التي تمر بها المملكة تختلف عن التحديات السابقة، وأن آل سعود بحاجة الى التغلب عليها وليس فقط البقاء إذا أرادوا ضمان مستقبلهم واستقرار منطقة الخليج·
فللعائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية سجل مثير للإعجاب في القدرة على التكيف مع الظروف والتطورات السياسية المتكررة والاضطرابات الاجتماعية الحادة على مدى أكثر من نصف قرن·
لقد تحصلت المملكة على ثروة هائلة فجأة جراء ملكية نحو ربع احتياطات النفط العالمية، وتأقلمت البلاد، بشكل أو بآخر، مع استيراد العمالة الأجنبية التي يصل تعدادها الى نحو ثلث سكانها في مجتمع مغلق، فضلا عن ملايين من الحجاج الذين يفدون الى مكة المكرمة كل عام، والذين يكون بعضهم منظما في طرح قضايا إسلامية عالمية·
وبالإضافة الى ذلك، تمكنت العائلة الملكية السعودية من الصمود أمام هجمات القوميين العرب في عهد جمال عبدالناصر والثورة الإسلامية في إيران في عهد آية الله الخميني، كما تغلبت على حادثة جهيمان العتيبي لدى سيطرته على الحرم المكي عام 1979، والتي شكلت ضربة كبيرة لشرعية الحاكم كخادم للحرمين الشريفين، وجازفت العائلة الملكية باستضافة أكثر من نصف مليون جندي أجنبي على أراضيها في حرب تحرير الكويت 1990-1991·
لقد راهن الكثيرون على عدم قدرة آل سعود على البقاء في عدد كبير من الكتب والمقالات والمراسلات الدبلوماسية منذ عقود، ومع ذلك، لم تصدق تلك النبوءات·
بالمنظور الأمني البسيط، يمكن القول إنه قتل في العراق خلال أسبوع واحد وفي غزة خلال شهر واحد ما يفوق عدد الذين قتلوا في المملكة منذ حادث التفجير الانتحاري المزدوج في الرياض في شهر مايو من العام الماضي، وإذا قارنا ما يحدث في المملكة بعمليات التمرد الإسلامي التي حدثت في التسعينات، فإن المملكة العربية السعودية هي أقرب الى مصر منها الى الجزائر، وقد مني التمرد بالهزيمة في كلتا الحالتين، ومع ذلك، أظهرت الحكومة السعودية حتى الآن، القليل من القدرة على ضبط الأمن وسط مخاوف واسعة من أن خلايا تنظيم القاعدة سوف تحاول اغتيال شخصية مهمة في العائلة الملكية من أجل تصعيد الصراع ضدها·
وفي الوقت الذي ترفع فيه المخاطر، فقد أعلنت "منظمة القاعدة في شبه الجزيرة العربية" عن أهدافها بوضوح على مدى الشهر الماضي والتي على رأسها إسقاط عائلة آل سعود من خلال إظهار عجزها عن ضبط الأمن (ولاسيما أمن الأجانب) أو توفير الرخاء للسكان، والهدف في النهاية هو شرعية العائلة الملكية التي لاتزال تمتلك مخزونا كبيرا منها، ولكن هذا المخزون بدأ ينضب·
وربما يكون جزء من السبب في ذلك هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي نفذها عدد من العرب معظمهم سعوديون وخطط لها أسامة بن لادن الذي كان أمير التجار السعوديين ذات يوم· لقد أضعف ذلك الدعم الأمريكي اللامشروط الذي كان يحظى به آل سعود حتى ذلك الحين، منذ اللقاء الشهير بين الملك عبدالعزيز آل سعود والرئيس فرانكلين روزفلت على متن إحدى السفن في قناة السويس عام 1945·
ولكن هذا التحالف هو السبب الرئيسي الذي جعل بن لادن وأنصاره يتهمون آل سعود بأنهم "مرتدون"، وفي الوقت ذاته، فإن السياسة الأمريكية ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 في العراق وأفغانستان وفلسطين تشكل الأساس الرئيسي لتجنيد الأنصار لتنظيم القاعدة في بلد كان يحظى فيه بن لادن أصلا بالآلاف من الأنصار من المجاهدين الذين كانت تدعمهم الولايات المتحدة في أفغانستان إبان الاحتلال السوفييتي لأفغانستان·
وفي وضع كهذا، ليست هناك خيارات سهلة، لقد أزاح التعثر الأمريكي في العراق بعض الضغوط عن كاهل السعوديين، إذ وجدت إدارة بوش نفسها مضطرة إلى إغماد مخالبها، أو مخالب المحافظين الجدد، ومع ذلك، فإذا انفجر الوضع العراقي فسوف تجد المملكة نفسها على مقربة من حاضنة للتمرد الإسلامي، ولم يعد لدى آل سعود أي شكوك في أن تنظيم القاعدة يمثل مشكلة لهم أيضا·
وبشكل عام، فإن المجتمع السعودي يشهد ظروفا تجعله مؤهلا لإنتاج الآلاف من أمثال بن لادن، إذ إن ثلثي السكان تقل أعمارهم عن 27 عاما في بلد يخضع للاقتصاد المركزي الذي لا يوفر الكثير من فرص العمل لهم، وتخضع المساجد والمدارس لسلطة المؤسسة الدينية التي تفرض المذهب الوهابي المتشدد مما أدى الى تنفير أجيال ممن تعلموا أن اليهود والنصارى أعداء وكفار·
ويبدو أن الأمير عبدالله ولي العهد السعودي قد أدرك أين تكمن المشكلة، وبناء على مناشدات الكثير من الإصلاحيين الإسلاميين والليبراليين الذين يطالبون بالتغيير، فقد أطلق حملة للحوار الوطني وتعهد بإجراء إصلاحات واسعة في المجالين السياسي والاقتصادي·
ومع ذلك، فإن الإجراء الملح أكثر من غيره والذي يتعين على آل سعود اتخاذه هو الحد من سلطة المؤسسة الدينية الوهابية بصورة جذرية·
وربما لا يكون ذلك ممكنا، لأن نظام الحكم في المملكة يقوم على عقد تاريخي بين آل سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر، ويعتبر آل سعود ذلك بمثابة خاتم شرعيتهم، ويصفون أنصار تنظيم القاعدة بأنهم "منحرفون عن جادة الصواب"، ويتبنون أفكارا متطرفة·
وهكذا، ما انفكت المؤسسة الدينية تبث سموم التعصب وكره الأجانب في أجيال من المواطنين السعوديين منذ عقود، فهذه المؤسسة تختلف في الممارسة والأهداف السياسية عن تنظيم القاعدة ولكن الأفكار واحدة، وإذا ظلت هذه الأفكار كما هي على المدى البعيد، فلن يتمكن آل سعود من إلحاق الهزيمة بتنظيم القاعدة·
" عن: فايننشال تايمز "