
د. يوسف عبدالقادر الرشيد
بقلم د· يوسف الرشيد
إنني من منطلق حرصي الشديد لتوصيل آراء أولياء الأمور الذين تهمهم هذه الصفحة أبادر في عرض مقالي الأول لكم كي أساهم ولو بجزء يسير لصالح أبنائنا متلازمة الداون، وعلى هذا الأساس يهمني القول إن الوطن العربي بشكل عام مازال بخطواته الأولى في مجال موسيقى حالات متلازمة الداون كتخصص دقيق، وهذا لا يعني أن ننتظر استكمال تلك الخطوات كي نتمكن من التعامل مع هذه الفئة موسيقيا، بل لا بد من المحاولة وتكرار المحاولات كي نصل الى مبتغانا، خاصة أن البراءة المطلقة لهؤلاء الأطفال الذين لا يعرفون من الدنيا غير الحب والتسامح الذي أظهر طهارة القلب لديهم قد تقودنا للطريق الصحيح الذي من خلاله نستطيع الوصول للعملية أو الكيفية المناسبة للتعامل معهم موسيقيا، فمن الأهداف الأساسية لسماع النغم هو صفاء النفس والذهن بعد الاستماع، وهذا الهدف مطلوب لفئة متلازمة الداون، كما أن الاستماع المنتظم للموسيقى الهادئة وعلى فترات منتظمة تساعد على تنشيط وتجديد خلايا المخ التالفة أو الخاملة والذي بدوره يساعد طفل متلازمة الداون على تلقي التوجيه والتعليم، فلنستغل الموسيقى لتعليم أطفالنا، ولكن كيف؟ وما السبل لتحقيق ذلك؟ هذا لا بد أولا من تحديد المادة المهمة في التعليم، ثانيا تغليف تلك المادة بنغمات بسيطة على ألا تطغى تلك النغمات على نوعية المعلومة المعطاة للطفل، وهذا يتطلب حرفنة لا تتوافر للكثيرين من أولياء الأمور الذين لهم أطفال من ذوي الإعاقات الذهنية، إلا أن الأمر يتطلب محاولات وليس محاولة واحدة ونقف عند نتائجها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تغليف تلك المادة بنغمات لا يتطلب آلات موسيقية مرافقة، بل هي دندنة منتظمة إن جاز التعبير تطلقها الأم لطفلها، ولتكن كغنائها عند تنويم الطفل على سبيل المثال، فهذا الغناء وإن كان مخصصا لطفل المهد وما بعد تلك المرحلة بقليل، إلا أنه مؤثر جدا في حصيلة الطفل اللغوية حيث ينشأ متأثرا بمحيط البيئة التي ولد بها، وهنا لا أقصد بأداء مثل هذه النغمات أن تؤديها الأم عند نوم الطفل، بل تحاول تغليف المعلومة بمثل تلك النغمات الفطرية التي تظهر بشكل عفوي دون ترتيب لها، فأطفال متلازمة الداون ميالون بطبيعتهم للنغمات بشكل عام وسيساعدهم هذا الميل على تقبل المعلومة دون عناء يذكر، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم إجبار طفل الداون على تلقي المعلومة أو أن تلقى عليه بشكل جاف ويطلب منه حفظها عن ظهر قلب، بل لا بد من جعل الجلوس معه لتلقينه المعلومة كلعبة مشتركة تقوم بها الأم أو الأب معه، ولكي أكون واضحا فيما ذكرت سأسرد مثالا على ذلك:
لنفترض أننا سنلقن الطفل مبادئ وأساسيات اللغة العربية، فما الخطوات اللازمة لذلك؟ أولا التركيز على حاسة السمع من خلال تدريب مخارج الحروف: حيث يلقن الطفل الحروف المجردة ابتداء من حرف "الألف" وصولا الى حرف "الياء"، هنا لا بد من تقسيم الحروف الى مجموعات متشابهة بأشكالها قدر المستطاع، مثل حرف (ب - ت - ث) ثم تنغيم تلك الحروف بإضافة التشكيل الذي يغير صوت الحرف الى ثلاثة أصوات مثل (ب فتحة "با": ب كسرة "بي": ب ضمة "بو") هنا وعند أداء هذا الحرف بأشكاله المختلفة لا بدمن تغليف الحرف عند الأداء بنغمات مرتجلة بسيطة، ففي أداء حرف (ب بتشكيل الفتح با) على سبيل المثال لا بد من رفع الرأس وانحنائه للخلف عند لفظ الحرف، حيث تساعد هذه الحركة في استخراج بعض النغمات التي توحي بعلو النغمة، أما حرف (ب بتشكيل الكسر بي) فعند أدائه لا بد من انحناء الرأي الى الأمام أثناء لفظ الحرف حيث توحي بنزول النغمة الى الأسفل، أما حرف (ب بتشكيل الضم بو) فإن أداءه يكون بشكل استقامة الرأس في وضعه الطبيعي مع مد الشفتين للأمام، حيث توحي بنهاية المقطع النغمي لأصوات التشكيل المختلفة، تلك الحركات الثلاث بالرأس مع ترديد الحرف بأشكاله، ستخلق بشكل عفوي لحنا قابلا للاستماع من قبل الطفل وسيحفظه عن ظهر قلب عند ترديده بكثرة من قبل الأم أو الأب·
ثانيا حاسة النظر: حيث يرسم الحرف بلون مميز وبحجم كبير مع تمييز نوع التشكيل بلون مختلف عن لون الحرف، ففي التقاء حاستي السمع والنظر معا سيساعد الطفل كثيرا في الفهم والاستيعاب، ذلك مع الأخذ بعين الاعتبار أن البدايات ستكون صعبة على الأم أو الأب، خاصة أن أطفال متلازمة الداون يميلون للعب والمرح أكثر من ميلهم للجد، وعلينا استغلال هذه الميزة لصالح تدريبهم على النطق السليم للحرف تمهيدا لتعليمهم القراءة مستقبلا·
الموضوع يتطلب صبرا وإصرارا ومثابرة، وأنا واثق من الوصول الى نتيجة مرضية، فقط علينا التجريب وتكرار المحاولة، وللحديث بقية·