كتب محرر الشؤون السياسية:
ينتهي اليوم دور الانعقاد الثاني للفصل التشريعي العاشر بعد أن ضيّعته الحكومة في مناوراتها حول تعديل الدوائر التي قررت في البداية بأنها لا تحتاج إلى تعديل، بل وصل الأمر إلى التشكيك في نوايا من يطرح ضرورة التعديل وتوقيت ذلك التعديل كذلك، ثم انتقلت الحكومة إلى مناورة ثانية دعت فيها النواب إلى الاتفاق على تصور أولا ثم تقرر هي بعد ذلك موقفها، وعندما تزايدت الأصوات المطالبة بالتعديل كأول خطوة للإصلاح السياسي من قبل النواب وكتاب الصحف والدواوين، وأعلن كثير من الوزراء في مناسبات عدة عن إيمانهم بضرورة إجراء هذا التعديل، وعندما توصل النواب إلى صيغ عملية يمكن أن تصلح كحل ممكن وليست الحل الأمثل، بعد كل هذه التطورات أعلنت الحكومة بيانها الشهير الذي أكدت فيه فساد النظام الحالي لتوزيع الدوائر وبينت الأضرار السياسية والاجتماعية الناتجة عنه، بعد ذلك استبشر الناس خيراً وبخاصة عندما أعلنت أنها مع صيغة التوزيع العشري للدوائر·
حينها بادر النواب الذين كانوا قد توصلوا إلى اتفاق حول صيغتين إحداهما بخمس دوائر والأخرى بعشر واتبعوا فيهما المعايير ذاتها، بادروا إلى الإعلان عن استعدادهم للتخلي عن مشروع الدوائر الخمس كمثال للتعاون مع الحكومة، وبعد أن أحال مجلس الوزراء جميع التصورات المعروضة إلى لجنة وزارية خاصة، اختارت بعد دراسة كل التصورات المعروضة عليها خيارين يقتربان كثيراً من خيارات النواب، وأيضاً أحدهما يوزع الكويت إلى خمس والآخر إلى عشر دوائر، وهو تطور اعتبر في حينها إيجابياً للغاية وخصوصاً لأن الحكومة كانت قد أعلنت عن رغبتها باتفاق النواب وعن تأييدها للتوزيع العشري، عند ذاك كان المفترض أن تتقدم الحكومة بمرسوم بقانون باقتراح لجنتها الوزارية لمجلس الأمة، وتطلب الاستعجال ثم تعمل على ترويج مشروعها لدى النواب غير الموافقين على التعديل أو غير الموافقين على تلك الصيغة، وهو أمر لو فعلته الحكومة لما أخذ أكثر من جزء من جلسة، ولحصل على موافقة أغلبية كبيرة من النواب والوزراء أي 16 وزيراً مضافاً إليهم خمس وعشرون نائباً على الأقل·
الحكومة لم تفعل ذلك، لأنها لا تريد تغيير توزيع الدوائر، أو على الأقل هذا هو موقف الحكومة الفعلية التي كان يعبر عنها وزير الطاقة أحمد الفهد ووزير الدولة محمد شرار من داخل مجلس الوزراء ومحمد عبدالله المبارك من خارج المجلس، لذا أقدمت الحكومة على إحالة الأمر إلى جهاز الأمن الوطني للدراسة في محاولة واضحة للتخلص من ورطة موقف الوزراء المؤيدين للتعديل ولقرار اللجنة الوزارية·
في تلك الفترة سربت معلومات مقصودة عن كون قرار اللجنة الوزارية إنما كان قراراً فردياً لوزير العدل أحمد باقر، وكان المقصود بذلك التسريب إعطاء المبرر للإحالة إلى الجهاز، وهو ما تم على الرغم من محاصرة الوزير باقر لذلك التسريب، وتوضيح الأمر لرئيس الوزراء بوجود الوزراء أعضاء اللجنة الوزارية والوزراء المسربين·
ولم يقف الأمر عند ذلك فقد تبين أن "الجهاز" ليس سوى "تخريجة" وأن الطبخة كانت جاهزة يراد لها فقط اسم الطباخ فاستخدم "الجهاز"، هنا بدت الأمور واضحة تماماً بحيث ثبت أن مجلس الوزراء منقسم على نفسه بين مؤيد لاختيار اللجنة الوزارية وبين المجموعة الصغيرة التي تعلم مايريده رئيس الوزراء وتعمل على تحقيقه، وهو ما دعا رئيس الحكومة إلى قبول بدعة "التصورين" ليس من أجل إعطاء خيارات أكثر للنواب، كما يردد بعض كتّاب الحكومة هذه الأيام، فالنواب لديهم خياراتهم المتعددة أصلاً يضاف إلى ذلك أن هذا يتناقض مع الرأي الحكومي القائل بضرورة اتفاق النواب، فكيف يطلب اتفاقهم ويعرض عليهم خيارين متناقضين؟
ولم يقف الفريق الحكومي المكلف "بفركشة" هذه الفرصة باستخدام جميع الوسائل المتاحة للوصول إلى النتيجة المبتغاة، بدءاً بأهمية الترتيب الأبجدي لتصوري الحكومة، وصولاً إلى الموافقة على الإحالة إلى اللجنة لمزيد من الدراسة ولإجراء التعديلات على الرغم من الموقف المعلن للحكومة عن عدم القبول بإجراء أي تعديل على أي من مقترحيها، أي أنها ضد التعديل إلا إذا كان يؤدي إلى "فركشة" الفكرة·
واستمرت الحكومة في ترتيباتها حتى بعد نجاحها في تقويض الأمر سواء بالتصورين أو بالترتيب الأبجدي أو القبول بإعادة الأمر إلى لجنة الحكومة في المجلس (الداخلية والدفاع) وأخيراً وليس آخراً بحجة الوحدة الوطنية·
هذه التجربة المريرة التي عاشتها البلاد خلال العام المنصرم لم تؤد فقط إلى فقدان الثقة بإمكانية الإصلاح فحسب بل أحبطت الناس إلى درجة لم يعد أحد يكترث لما يحدث في البلد بعد هذا· إلا أن المراقب لا بد أن يرى الوجه الآخر لمسرحية الحكومة، فقد التقت القوى السياسية وأعلنت مواقفها بقوة ووضوح لم يحدث مثيل لهما إلا في أوقات تأزمت فيها العلاقة بين الشعب والسلطة كان أدق مثال عليها الموقف الشعبي الرافض للمجلس الوطني، وقبل ذلك لحل مجلس الأمة بشكل غير دستوري وتعطيل مواد الدستور· الموقف السياسي الآن يعكس مستوى عالياً من التنسيق السياسي بين هذه القوى رغم محاولات الحكومة دق أسافينها خلال فترة انتظار حسم موضوع الدوائر كقضية ستار أكاديمي والضوابط وغيرها·
المشهد الآن يعكس حالة من الانتظار خلال فترة الصيف وتوقف مجلس الأمة خلال العطلة الصيفية إلا أن هناك احتمالات لتصعيد سياسي من طرف واحد في حال أخذت الحكومة حجة الضرورة وتمرير قوانين بمراسيم خلال فترة العطلة البرلمانية، أو أن يبدأ الموسم السياسي القادم بمجموعة من الموضوعات المتفجرة التي لا تقل عن موضوع الدوائر أهمية لمن يريد الإبقاء على الوضع القائم مثل قانون الصحافة والنشر، وقانون جمعيات النفع العام، وقانون التجمعات، وإقرار الحق السياسي للمرأة وقانون الضريبة والبلدية·