كتب مظفر عبدالله:
حدد التقرير الاستراتيجي الخليجي للعام 2003-2004 ثلاثة مشاهد مستقبلية للوضع في العراق، الأول متفائل لكنه قد يتحقق بسبب متغيرات كثيرة وهو تشكيل حكومة عراقية وانتهاء الاحتلال، والثاني تدعمه شواهد على الأرض وهو تفكك العراق واندلاع حرب أهلية، أما المشهد الثالث فهو رهين بظروف الاحتلال الأمريكي، ويعني استمرار الوضع الراهن·
ولفت التقرير الى أنه قد لا يكون من السهل تصور مشاهد مستقبلية للوضع في العراق، لأنه يتسم بتعدد المتغيرات المؤثرة فيه، وسرعة إيقاع الأحداث التي لم تفتر حدتها بعد، فضلا عن أن اللاعبين الرئيسيين في المشهد العراقي ما زالوا لم يفصحوا بعد عن تصوراتهم ورؤيتهم لمستقبل العملية السياسية في العراق، وهذا لا يعود الى سرية برامجهم، بل لأنهم يحاولون حتى الآن التكيف مع المستجدات التي تتغير بين آن وآخر·
ومن أجل إعطاء تفسيرات أكثر دقة حول المشاهد الثلاثة، قال التقرير الاستراتيجي الذي تصدره وحدة الدراسات في صحيفة الخليج الإماراتية إن المشهد الأول "المتفائل" يتأثر بعدد من المتغيرات وفي مقدمتها المتغير الأمريكي ذاته، فالإدارة الأمريكية تدرك مدى الحرج الذي تسبب لها بعد تهاوي ذرائع الحرب على العراق، الأمر الذي سيعجل بتنامي حركة الاحتجاج الشعبي المنادية بعودة الأمريكيين لوطنهم·
وهنا لا يمكن أن تغفل إرادة القوى السياسية العراقية التي ترى وجوب أن تثبت أمريكا حسن نيتها في إنهاء الاحتلال، ولا شك في أن إصرار المرجعية الدينية الشيعية على الإسراع في إعادة السيادة وإنهاء الاحتلال وإجراء انتخابات قد أربك الخطط الأمريكية، وخيار كهذا سيظهر الأمريكان للعالم على أنهم أمينون على مبادئهم وأنهم أصحاب مصداقية·
لكن على الجانب الآخر فإن حدوث مثل هذا المشهد سيظهر الولايات المتحدة وكأنها تقهقرت أمام حالة الإرباك في الملف العراقي كما أن تردي الأوضاع الأمنية لا يسمح بإجراء انتخابات، فضلا عن أن الانصياع لمطالب القوى الدينية سيقوي شوكتها ما يجعل حصتها في السلطة أكبر، كما أن الخروج المبكر من العراق سيعد تنصلا عن فكرة إعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط وإعفاء النظم الإقليمية الديكتاتورية من ضغوط الوفود العسكرية·
أما المشهد الثاني، فإن أحدا لا ينكر أن العراق ومنذ بداية الاحتلال يشهد نزوعا نحو الانتماءات الفرعية العصبوية وهو أمر برز في تشكيلات مجلس الحكم الانتقالي، ويرى البعض أن هذا المشهد قد يكون مريحا لواشنطن التي وجدت صعوبة في إخضاع المثلث السني لسيطرتها، وقد تندفع صوب تقسيم واقعي لضمان أرواح جنودها وذلك بالانسحاب من هذه المواقع والاكتفاء بالأقاليم التي تتمتع بقدر من الاستقرار وبالكثير من البترول، وهو ما يمكن تلمسه من إعلان واشنطن إمكانية الانسحاب من الرمادي والفلوجة نهاية عام 2003، وهو إعلان يترافق مع مقترح إشراك عدد أكبر من السنة لتهدئة مخاوفهم·
إلا أن الرأي غير المؤيد لفكرة نشوب الحرب الأهلية بناء على تلك المتغيرات يرى أن الروح الطائفية يمكن التحكم بها من قبل قادة المجموعات الذين يحرصون على إبداء قدر من التماسك الاجتماعي وينادون بوحدة العراق، ثم إن المشهد الثاني يغفل دور قوى إقليمية مهمة لها حضورها، وأعلنت مرارا عدم قبولها بالتقسيم كتركيا وسورية ومصر والسعودية·
أما المشهد الثالث فيعتمد على أن ما يحدث في العراق هو رهن بالاحتلال الأمريكي وأن الإدارة الأمريكية أعلنت مرارا أنها ستبقى في العراق حتى تستكمل مهامها دون تحديد لطبيعة تلك المهام ومداها الزمني·
وسيزيد هذا السيناريو من تعزيز المقاومة لبنيتها مجتمعيا، كما سيؤدي الى إحراج المراجع الشيعية ويجعلها أقل قدرة على إقناع الأتباع بالالتحاق بالمقاومة بعد فتاواها بإعطاء مهلة للأمريكان لإثبات حسن النية في الخروج السريع من البلاد·
وعلى صعيد إدارة السلطة فلن يحدث هناك تطور بسبب بقاء قوات الاحتلال التي ستحاول الاستئثار بأهم الملفات وهي الأمنية والاقتصادية والعلاقات الخارجية·
كما أن جهود الإعمار ستتأثر بسبب عدم وجود بيئة أمنية مستقرة·
فإلى أي مشهد سيتجه العراق؟