كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
تبحث دول "منظمة الدول المصدرة للبترول" في اجتماعها الذي ينعقد اليوم في بيروت أهم بند على جدول أعمالها ألا وهو مسألة رفع سقف إنتاج دول المنظمة استجابة للضغوط التي تواجهها من الدول المستهلكة الكبرى - الولايات المتحدة وأوروبا - لتحقيق خفض في أسعار النفط التي تجاوزت في الأيام الأخيرة أعلى مستوى لها منذ 14 عاما وقد وصل سعر برميل النفط إلى 41 دولارا لنفط خليج تكساس و37 دولارا لنفط بحر الشمال·
وأبدت الدول الصناعية - أمريكا وأوروبا - انزعاجها من أن ارتفاع أسعار النفط سيؤثر على معدلات نمو اقتصاداتها التي استأنفت انتعاشها بعد فترات الركود التي تعرضت لها منذ تراجع الأسعار في أسواقها المالية·
وكانت الدول المنتجة دول "الأوبك"، والدول المستهلكة قد التقت في ما سمي باجتماع الحوار الذي انعقد في أمستردام في 22 مايو في إطار "منتدى الطاقة العالمية" وكان موضوع رفع دول الأوبك سقف إنتاجها من أهم المواضيع التي تم بحثها·
وفي حين تعزو الولايات المتحدة والدول الأوروبية ارتفاع الأسعار إلى نقص الإمدادات مقارنة بمعدل الطلب على النفط وانخفاض الإنتاج ما دفعها إلى مطالبة دول المنظمة "الأوبك" برفع إنتاجها، ترى دول "الأوبك" كما جاء في تصريح رئيسها الحالي في اجتماع أمستردام بأن ارتفاع الأسعار يعزى لأسباب عديدة منها:
1 - الاختناقات التي تواجه توفر بنزين السيارات في الولايات المتحدة نتيجة للمواصفات المفروضة على البنزين تلبية لشروط بيئية تختلف من ولاية إلى أخرى، ومحدودية طاقة المصافي وتراجع الاستثمار في زيادة طاقتها الإنتاجية·
2 - أسباب سيكولوجية وسياسية نتيجة للتوتر الذي يسود بعض المناطق المنتجة كالعراق والسعودية والمضاربات في أسواق النفط الآجلة، التي يفوق حجم الكميات المتداولة فيها أضعاف الكميات الفعلية بمعنى أن برميل النفط الواحد يباع مرات كثيرة·
3 - زيادة في الطلب لم تكن متوقعة وخاصة في الصين·
وجاء في بيان دول "الأوبك" بأنها ستبحث في زيادة إنتاجها مراعاة لعدم تأثر معدلات النمو الاقتصادي على مستوى عالمي وعلى الأخص في الدول النامية·
وكان وزير النفط السعودي علي النعيمي قد صرح في أمستردام بأنه بعد مراجعة تقديرات العرض والطلب على النفط وارتفاع أسعار النفط عن المعدل الذي قررته "الأوبك" "22-28 دولارا" مما يستدعي النظر في زيادة إنتاج دول الأوبك بما يتراوح بين 2-2,5 مليون برميل يوميا ليرتفع إنتاج دول المنظمة من 27 مليون برميل يوميا إلى 29 مليون برميل بما في ذلك إنتاج العراق·
وتختلف الآراء في آثار زيادة إنتاج دول "الأوبك" إذا تحقق، فيرى الخبير الاقتصادي نور الدين آية الحسين أن هنالك مخاطر من أن تؤدي زيادة الإنتاج إلى انخفاض الأسعار كما حدث لها في عام 1998 بعد قرار دول "الأوبك" زيادة الإنتاج في اجتماعها في جاكارتا في نوفمبر عام 1997، حيث انهارت الأسعار إلى مستويات متدنية، معززا رأيه بتشابه أرقام الإنتاج والمخزون والزيادة في الطلب بين تلك الفترة والفترة الحالية·
فيما يرى آخرون أن ارتفاع الأسعار لا يعود إلى نقص الإنتاج وإنما لأسباب أخرى - أشرنا إليها - وأن رفع إنتاج "الأوبك" لحدود طاقتها القصوى سيزيد المخاوف بسبب التوترات السياسية واحتمالات تعرض المنشآت النفطية وخطوط الأنابيب إلى أحداث تؤدي إلى تعطيلها في العراق أو المملكة العربية السعودية وعدم توافر طاقة فائضة يمكن أن تسد النقص إذا ما تعطلت المنشآت النفطية، قد يؤدي إلى زيادة الطلب لتعزيز المخزون لمواجهة حالة الطوارىء·
ويعزز أصحاب هذا الرأي حججهم بأن الإنتاج الفعلي لدول الأوبك حاليا يفوق الحصص المتفق عليها، وأغلب الدول تنتج فعلا بطاقتها القصوى أو ما يقارب ذلك، ولا توجد طاقة إنتاج فائضة إلا لدى السعودية التي يمكنها أن ترفع إنتاجها بمقدار 2 مليون برميل يوميا من 8,5 مليون إلى 10,5 مليون برميل يوميا·
وربما تستطيع الإمارات زيادة إنتاجها بمقدار 200 ألف برميل يوميا·
أما تأثير ارتفاع الأسعار على معدلات النمو في الاقتصادات العالمية، والتي تقدر بجزء من %1 يشكك المراقبون في مدى تأثر اقتصادات الدول الكبرى، وربما يكون التأثير كبيرا على الدول النامية، أما الدول الصناعية المتقدمة فإن انخفاض نسبة مكون النفط في إنتاجها القومي قد انخفضت بمعدلات كبيرة مما يضعف تأثرها بتغير أسعار النفط، هذا إلى جانب أن بعض الدول كالدول الأوروبية واليابان قد استفادت من ارتفاع قيمة عملاتها مقابل انخفاض قيمة الدولار، فارتفاع عملاتها بمعدلات تقارب %25 مقابل الدولار يلغي ارتفاع أسعار النفط المقدر بـ %30·
وإذا ما قورنت أسعار النفط اليوم بما كانت عليه في السبعينات فإن السعر الحالي 36 دولارا لخام بحر الشمال يعادل 9 دولارات بأسعار عقد السبعينات آخذا بالاعتبار معدلات التضخم وتغير أسعار الدولار·
يبقى القول بأن رفع إنتاج دول "الأوبك" أصبح أمرا محتوما فالمملكة السعودية قد حزمت أمرها وستبدأ برفع الإنتاج مع بداية شهر يونيو الحالي أما ما هو غير مؤكد وغير معروف فهو آثار زيادة إنتاج دول "الأوبك" استجابة لضغط الدول الاقتصادية السبع الكبرى على الأسعار وأزمة ارتفاعها·