· على المسلمين ألا يسمحوا للآخرين باحتلال اللاشعور لديهم
· من الجهل تحميل كل المسلمين مسؤولية ما يفعله نفر منهم
بقلم ريمونا علي:
الانطباع الدائم الذي خلفته حقبة الحروب الصليبية يسير في الوريد ذاته الذي يغذي إعلام اليوم، فالدعاية الصليبية لعبت دور العنصر المساعد الفاعل وذلك باستخدام قوة الكلمة لحض الناس على التحرك من خلال عرض صورة بشعة للعدو، وتأخذ الدعاية هذه الأيام شكلين، أحدهما صريح والآخر ضمني، والثاني أكثر خطورة من الأول، لأنه يعمل بصورة ماكرة على تغيير آراء الناس ومواقفهم، ففي كل يوم تقريبا، تواجهنا كلمات وصور ما نلبث أن نقبل بها وكأنها مسلمات، فكلمة "إرهابي" تظهر بشكل متكرر الى جانب كلمة "إسلام" أو "مسلمين"، فالكلمات التي يجب أن تنقل الحقيقة والجمال والسلام، يتم تلطيخها بمثل هذه الإيحاءات، كما أن كلمات جديدة مثل "متأسلم" تضم كل التصورات السلبية في مصطلح واحد، وأن تعبير "إرهابي مسلم" يشكل لعنة للإسلام تماما كالقول "إرهابي مسيحي" للمسيحية، وإنه لمن السذاجة الزعم بأن كل المسلمين أبرياء، ولكن من الجهل أيضا تحميل كل المسلمين مسؤولية ما يفعله نفر منهم·
حرب صليبية
إن ربط الشر بالإسلام موضوع يعود الى المسيحية في العصور الوسطى، ففي أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، ذهب مؤرخ يدعي جوبرت دي نوجنت الى إلصاق صفات شيطانية على رسولنا الأعظم عليه السلام، وكذا فعل الكاتب الذي كان يتولى منصب أسقف صور في عام 1170، وينعكس الإرث الصليبي في اللهجة الخطابية للقس فرانكلين غراهام الذي اختاره جورج بوش الابن لإلقاء موعظة تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة، ويصف غراهام الإسلام بأنه "الدين الأكثر شرا وشيطانية"، ثم يستخدم هذا الخطاب أيضا من قبل الرئيس بوش نفسه حين وصف "حربه على الإرهاب" بأنها "حرب صليبية" وعبارات وشعارات مثل "نحن وهم" و"الخير ضد الشر" و"محور الشر"، الى غير ذلك من هذه المصطلحات التي لا تخلو من معان دينية·
لقد كان التلاعب بوسائل الإعلام واضحا في قصة جيسيكا لينش "المجندة الأمريكية التي وقعت في الأسر في الأيام الأولى للحرب على العراق ومن ثم قام الأمريكيون بإنقاذها من الأسر"، حيث استخدم الإعلام صيغة "الأبيض والأسود"، فالرجال الطيبون أنقذوا لينش من "الأشرار" العراقيين·
إن التصوير البغيض للمسلمين بأنهم عملاء للإرهاب يرقى لدرجة الأسطورة، كما يحدث، على سبيل المثال، في برامج "بي· بي· سي" وأفلام هوليود كفيلم "تحت الحصار" under siege· والتسلية لها نظيرها في الحملات الصليبية، ففي القصيدة الملحمية بعنوان: CHANSON DE ROLAND التي نظمت في القرن الحادي عشر تم تصوير المقاتلين المسلمين على أنهم "جبناء وفيهم خصال شيطانية" وأن "أرواحهم تحملها الشياطين، لقد صورت الدراما والسينما الغربية اليابانيون بعد "بيرل هاربر" والسوفييات بعد الحرب الباردة، والآن المسلمون (وتحديدا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001) تظهرهم بأنهم أعداء·
صور ملتبسة
وتمثل مقولة مقدم البرامج البريطاني روبرت كيلروي البغيضة بأن "الغرب لا يدين بشيء الى العرب، تعميما تعسفيا وانعكاسا للمشاعر السلبية التي تعود الى العصور الوسطى، وخذ - مثلا - إشارة كيلروي الى العالم العربي "الكرية" ثم قارنها بمقولة البابا ايربان الثاني عام 1095 حول "الأتراك القذرين"·
وليس المقصود هنا امتداح كيلروي بمقارنته بالبابا الذي يعود الى العصور الوسطى، ولكن لإظهار حجم إرث الكراهية الذي تركته الحروب الصليبية والذي يمكن أن نلحظه في إعلام اليوم·
وبالطبع، فإن هناك من يغامر بعرض وجهة نظر أقل إجحافا لـ "الآخر" مما يضفي نوعا من التوازن والعمق في إعداد التقارير الصحافية، وهو الأمر نادر الحدوث هذه الأيام، فالكراهية والغياب الكامل للأحكام الناضجة والمتوازنة، ربما يكون لهما ما يبررهما - الى حد ما - في العصور الوسطى، ولكن لا يمكن إيجاد مبرر لهما الآن، في وقت ينبغي أن يلعب فيه التفاهم المشترك والتسامح دورا رئيسيا في عالم اليوم·
لقد صنفت أدبيات الحملات الصليبية الأعداء تماما كما يفعل إعلام هذه الأيام، فالأصوات المعادية في الماضي تجد انعكاسات لها في وقتنا الحاضر، وتسهل التصنيفات عملية استيعابنا للمفاهيم وتنقل صورة أعقد بكثير مما قد توحي به العناوين، بل إن المسلمين بدأوا يصنفون أنفسهم باستخدام تعريفات الآخرين، وأخذوا يقسمون أنفسهم الى "معتدلين" و"متطرفين"، ولكن بمعايير من؟ فالماكينة الإعلامية الغربية مليئة بالكلمات الموضوعة في غير مواضعها وتحفل بالصور المكتسبة عنا والتي علينا أن نبتلعها، ويجب علينا أن نحذر من السماح لهم أن يندسوا في أعماق لا شعورنا·
إننا بحاجة الى معالجة عقلانية للمفاهيم السائدة عنا - نحن المسلمين - والتصدي لها بطريقة تشكل قاعدة لفكر وحوار ثقافي حقيقيين·
" عن كيونيوز Q- NEWS "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com