كتب محرر الشؤون الخليجية:
جاء اجتماع وزراء داخلية دول مجلس التعاون الخليجي سريعاً وانتهى بتوقيع الإستراتيجية الأمنية لمكافحة الإرهاب، ورغم التكتم الشديد على تفاصيل هذه الإستراتيجية إلا أن ردود الفعل الشعبية الكويتية عكست نوعاً من الخشية والحذر من أن ما تم التوقيع عليه ليس سوى الاتفاقية الأمنية التي رفضتها الكويت منذ البداية لتعارضها مع الدستور الكويتي وأن ما تم أخيراً ليس سوى تغيير للمسمى من اتفاقية إلى إستراتيجية مُضَافٍ إليها عبارة مكافحة الإرهاب لتسويقها في حلة جديدة·
الخشية الكويتية التي عكستها تصريحات لبعض أعضاء مجلس الأمة ليست جديدة ولا تعبر عن رفض التنسيق الأمني بين دول المنطقة لمكافحة آفة الإرهاب الذي ساهمت دول المنطقة بخلقه وتنشئته ورعايته إلى أن أصبح مارداً يرهب العالم بما فيه دول الخليج نفسها، إنما يخشى كثير من السياسيين من احتمال ورود نصوص تعارض الدستور الكويتي فيما يخص الحريات التي منحها هذا الدستور لمواطني دولة الكويت وفيما يتعلق بسيادة كل دولة على حدودها الجغرافية والفصل بين حق مواطني وشعوب الخليج في مخاطبة السلطات والاعتراض على سياساتها وبين تلك الأعمال التي تشكل تهديداً للأمن الوطني·
فنصوص الاتفاقية الأمنية التي رفضتها الكويت مراراً أشارت وبشكل واضح إلى ما يسمى بتسليم المجرمين المطلوبين لأي دولة من قبل الدول الأخرى التي يلجؤون إليها وهو أمر لا غبار عليه لو أنه شمل المجرمين ضمن تعريف واضح لهذه العبارة، أي أن المجرم هو الذي صدر بحقه حكم قضائي نهائي يدينه بارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون، بينما التعريف الذي اعتمدته الاتفاقية الأمنية يشمل كل من يتعرض للأسر الحاكمة بالنقد ويسمي هؤلاء مجرمين ويطالب بتسليمهم إلى الدول التي نقدوا حكامها من دون أن يقدموا إلى محاكمة عادلة·
القضية الأخرى التي كانت تخشاها الكويت ذلك البند الذي ينص على حق أي دولة في دخول قواتها داخل الدول المجاورة لملاحقة الهاربين وهو أمر علاوة على اختراقه لسيادة الدول فإنه بالنسبة للدول صغيرة المساحة يعني أن كل أراضيها مباحة لملاحقة من تطلبهم الدول المجاورة·
لذلك يرى كثير من السياسيين والبرلمانيين أنه أَياً كان اسم ما اتفق عليه وزراء الداخلية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يجب أن يعرض على مجلس الأمة الكويتي ويحوز على الموافقة المطلوبة عليه فلا يجوز أن يلغى حق ممثلي الشعب في الموافقة أو الرفض على اتفاقيات تمس شؤون المجتمع بالكامل،سواء سميت اتفاقاً أو اتفاقية أو إستراتيجية أو أي تسمية جديدة·
أما مكافحة الإرهاب فلابد أن تبدأ في ترميم علاقة أنظمة الحكم في المنطقة مع شعوبها وفتح أبواب الحوار والتخاطب وإشراك هؤلاء الشعوب في إدارة أمور مجتمعاتها وإقرار حقوقها الإنسانية في التعبير عن الرأي وممارسة جميع الأنشطة المدنية والاعتراض على السلطات ومخاطبتها بكل الوسائل السلمية، فإن فعلت حكومات الخليج هذا ستكون قد خطت الخطوة الأولى على طريق طويل من أجل استقرارها ومكافحة الإرهاب فيها عن طريق تعديل المناهج الدراسية بشكل يربي الأجيال على التسامح واحترام الآخر بدلاً من الغلو الديني والتطرف وإلغاء الآخر تماماً، علاوة على حق هؤلاء الشعوب في الاستفادة من الثروة في توفير حياة كريمة وفرص عمل منتجة وغيرها من متطلبات الحياة الكريمة، عندها ستجد حكومات المنطقة أن لا حاجة لها في مكافحة الإرهاب إن نجحت هي في تجفيف منابعه التي تربى ولا يزال عليها·