رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 9 ربيع الأول 1425هـ - 28 أبريل 2004
العدد 1625

العراق حرر الأمريكيين من ثلاثة أوهام
الديمقراطية ليست سلعة يمكن تصديرها للآخرين

·         القوة الأمريكية لها حدود ولا يمكنها فرض كل ما تشاء في العالم

 

بقلم توم سويتزر:

يبدو الآن أن جهود الولايات المتحدة لخلق عراق ديمقراطي مسالم سوف تنتهي الى الفشل· وإذا حدث ذلك فعلا، فسوف يكون أمرا مأساويا لأولئك العراقيين الذين يتوقون للسلام والنظام والحرية·

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن ذلك سوف ينطوي على قدر كبير من الإهانة، ولكن من المؤمل أن ينطوي كذلك على تدمير ثلاثة أوهام صبغت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في حقبة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر·

 

3 أوهام

 

الوهم الأول هو الاعتقاد بأن الضربات الاستباقية مطلوبة للتعامل مع الأنظمة المارقة في المرحلة الجديدة، فقد تنبأ البعض - بثقة - بعد 11 سبتمبر أن الاحتواء لم يعد يجدي مع الطغاة من أمثال صدام حسين·

ولكن بعد عام على تغيير النظام العراقي، يبدو واضحا أنه كان بالإمكان احتواء الخطر العراقي كما كان عليه الوضع منذ عام 1991، فصدام حسين لم يكن ذلك الرجل الذي يحمل فكرا أيديولوجيا متعصبا، بل كان صاحب حسابات عبثية، ولكن همه الأكبر كان البقاء في السلطة وممارسة القمع ضد أبناء شعبه المغلوب على أمرهم·

صحيح أن الاحتواء لا يجدي مع إرهابيين يوجهون ضرباتهم ويتوارون عن الأنظار، ولكن الدول المارقة شيء مختلف، حيث إن لها عنوانا ثابتا، ولا بد أنه كان من الواضح لصدام أنه إذا هرب أسلحة دمار شامل لتنظيم القاعدة أو استخدمها ضد المصالح الأمريكية، فسوف يواجه نظامه ردا انتقاميا من واشنطن وبالطبع، فنحن نعرف الآن، أنه لم يكن حتى يمتلك مثل هذه الأسلحة·

ومع ذلك، فإن الاحتواء في نظر دعاة الحرب هو سياسة تشوبها الكثير من العيوب، فهي تعني في حالة العراق - كما حذرت مجلة "ذا ويكلي ستاندارد" لسان حال المحافظين الجدد - التهاون مع طاغية انتحاري، بصرف النظر عن حقيقة أن هذا الاحتواء أبقى الطاغية في صندوقه طوال أكثر من عشر سنوات، وبصرف النظر عن حقيقة أن الاحتواء لم يكن له ذلك البريق السياسي لـ "التحرير"، إلا أنه كان ينم عن إدراك للانعكاسات غير المقصودة للعراق المحرر، التي نشهدها اليوم·

 

الديمقراطية ليست سلعة

 

الوهم الثاني الذي ألحق به العراق ضررا كبيرا هو الاعتقاد أن الديمقراطية هي سلعة يمكن تصديرها، هذه الفكرة النبيلة ظل يؤمن بها ليس فقط المحافظون الجدد داخل وخارج إدارة بوش، بل أيضا في أوساط بعض اليسار مثل الكاتب كريستوفر هيتسنز في مجلة "فاينتي فير" والكاتب في مجلة "ديسنت" بول بيرمان·

إذ يعتقد هؤلاء المفكرون أن الزمن لصالح الديمقراطية وأن الوقت قد حان لإحداث التغيير السياسي لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها، ويرى البعض بأنه ضرب من ضروب العنصرية أن يقال إن العراقيين لا يمكنهم التعايش مع الديمقراطية الليبرالية وحقوق الشواذ وحق الإجهاض، وما الى ذلك·

ولكن النقطة الرئيسية هنا ليست ما إذا كان بإمكان القيم الديمقراطية التعايش مع الشريعة الإسلامية أم لا، بل هي ما إذا كانت الظروف والأحوال في عراق ما بعد الحرب تساعد على إحداث مثل هذه التغيرات الاجتماعية والسياسية الواسعة، وهنا لا تصلح المقارنة بين ألمانيا واليابان في منتصف الى أواخر الأربعينيات وعراق اليوم·

فقبل كل شيء، كانت ألمانيا واليابان أمتين متجانستين ولدى كل منهما ثقافة متجانسة، ولكن لعراق دولة أنشئت بصورة عشوائية وتسودها انقسامات إثنية عميقة، وكانت كل من اليابان وألمانيا قد دخلتا عصر الحداثة بالفعل ولديهما تاريخ من الحكومات القائمة على نظام برلماني كان يمكن لقوات الاحتلال البناء عليه، أما العراق فلا يزال في طور التحديث وهو مفتوح على كل القوى الأيديولوجية المثيرة للقلق·

أما الوهم الثالث الذي تضرر كثيرا بسبب غزو العراق فهو أن قوة الولايات المتحدة لا حدود لها، وأن بوسعها فرض إرادتها وقيادتها في أي مكان من المعمورة، وفي الواقع، كانت هذه الفكرة سائدة عند المحافظين الجدد على نطاق واسع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينات، وقد اكتسبت المزيد من المصداقية في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، لدرجة أن كلمات مثل "الإمبريالية" و"الإمبراطورية" التي كانت مرتبطة بالإساءة في الجدل السياسي الأمريكي، أصبحت مقبولة لدى الكثير من المفكرين البارزين في معاهد البحث في واشنطن·

 

ديمقراطية استباقية

 

ولكن فكرة استخدام القوة لإعادة تشكيل العالم وفقا للرؤية الأمريكية كانت محكومة بخلق عداء واسع واستياء ومعارضة سياسية منسقة، وكان مثل هذا السيناريو واضحا في أثناء الاستعداد للحرب عام 2003 حين قادت فرنسا مجلس الأمن لإحباط مشروع قرار أمريكي يفوض الولايات المتحدة بغزو العراق، وأنه لمن الواضح الآن في توحد المجموعات العراقية المتنافسة ضد المحتل الأجنبي·

وقد قال المؤرخ البريطاني الشهير إيه· جي· بي تايلور ذات يوم إن الطريق الى الجحيم معبد بالنوايا الحسنة، وما من شك في أن الديمقراطية الاستباقية والسلام الأمريكي تعكسان تعهد بوش الذي ينبثق من نية حسنة، لتغيير العالم·

ولكن ليس من اختصاص الولايات المتحدة ولا من مصلحتها انتهاج سياسة مبنية على مثل هذه الأوهام، وربما يكون عزاؤنا الوحيد من تدهور الأوضاع في العراق، أن هذا التدهور يعصف بهذه الأوهام·

 

" عن صحيفة ذا أوستراليان الأسترالية "

" The Australian "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

يمكن للصدر تسليم نفسه الى المسؤولين العراقيين بدلا من القوات الأمريكية
قوات التحالف تسيطر على الوضع بالرغم من تمرد الفلوجة والصدر

 
الديمقراطية ليست حلا شافيا لكل المشكلات