رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 9 ربيع الأول 1425هـ - 28 أبريل 2004
العدد 1625

الديمقراطية ليست حلا شافيا لكل المشكلات

بقلم إقبال صدّيقي:

يمكن للمرء أن يفهم مشاعر الخيبة التي يبديها كارمان بخاري في مقالته بعنوان "هل الديمقراطية كُفْر؟" إزاء ما يصفه بالفهم التبسيطي للدين من قبل أولئك الذين يصفهم بـ "الإسلاميين الراديكاليين" ولكن يجب عدم المبالغة في أهمية مثل هذه المجموعات، فعلى الرغم من صوتهم العالي في بريطانيا، إلا أنهم لا يمثلون إلا قطاعا هامشيا من الفكر السياسي الإسلامي وليس له تأثير كبير·

ويتعين النظر إليهم - لا سيما في السياق البريطاني على الأقل - على أنهم يشكلون واحدة من المراحل التي يمر بها الكثير من المسلمين ومن ثم يصلون إلى درجة من النضج في فهمهم للإسلام والمجتمع الإنساني، ويدركون أن الإسلام لايقدم نظاما مفصلا ويصلح لكل زمان ومكان للحكم والسياسة، يكون العلاج الشافي لكل المشكلات السياسية والاجتماعية·

 

فهم تبسيطي

 

ولسوء الحظ أن جدليات البخاري وغيره من المبشرين بأن الديمقراطية هي الخيار الأفضل للمجتمعات الإسلامية، أي الديمقراطية، والأسوأ في ذلك أن محاولاتهم لدمج الديمقراطية في الفكر السياسي الإسلامي ربما تنطوي على أضرار لأن بعض القوى التي لايهمها التطبيق الصحيح لمبادئ الإسلام والرفاهية وخير المجتمعات الإسلامية، قد تستغل الديمقراطية، ومثل هذه القوى حققت بالفعل درجة غير مسبوقة من الهيمنة السياسية والاجتماعية والثقافية على المجتمعات الإسلامية ولا تحتاج إلى أي تشجيع منّا·

وقد استخدم البخاري فكرة "المفاهيم المتصارعة" لوولتر غالي لتسليط الضوء على الفهم السطحي للديمقراطية من قبل بعض الإسلاميين الراديكاليين· وقد كان البخاري محقا في أنه لا يوجد نموذج للديمقراطية يمكن اعتباره الأفضل" وبالتالي، فإن التعريف المفضل للديمقراطية لدى البخاري قد لا يكون أفضل من ذلك الذي يؤمن به الإسلاميون الذين ينتقدهم، ومن المؤكد أن بعض دعاة الديمقراطية قد يختلفون مع تأكيد البخاري بأن الديمقراطية "ليست سوى الوسيلة الأكثر فاعلية المتاحة للإدارة السياسية"·

ويعطي البخاري نفسه الحق في استخدام فهمه للديمقراطية كـ "إطار مؤسساتي" لكن معظم الناس قد يجدون أن تفسير الإسلاميين للديمقراطية قد يكون أقرب إلى الفهم العام للديمقراطية·

 

إمبريالية جديدة

 

وهذان بالطبع، تفسيران اثنان فقط من الكثير من التفسيرات للديمقراطية، فهناك تفسيرات أخرى كثيرة يستخدمها فلاسفة السياسة ومنظروها والأساتذة والنشطاء السياسيون، والمحللون والمعلقون والصحافيون وغيرهم، وبالإضافة إلى ذلك، فإن معظم استخدامات الناس لمصطلح "الديمقراطية" يكون مطاطا وذا دلالات تارخية وسياسية لا يمكن تجاهلها، وتشمل هذه الدلالات عادة افتراضات المؤرخين لنظرية التحديث، أي كلما اتجهت المجتمعات - كل المجتمعات - نحو الحداثة، ستصبح أقرب أكثر فأكثر من المجتمعات الغربية، وهو ما يدعم الافتراض الغربي بأن على الدول الغربية التزاما بجلب "الديمقراطية" و"الحرية" إلى المجتمعات الأخرى الأقل قدرة على اكتشافها بنفسها، ويعبّر ذلك عن نفسه عادة، بالطريقة التي يتحدث فيها السياسيون الغربيون، عن الحاجة لدمقرطة العالم الإسلامي وبطريقة فهم بياناتهم على الرغم من كونها محاولات لإضفاء الشرعية على نزعة الهيمنة الإمبريالية الجديدة·

ومن الواضح أيضا، لمن يرغبون برؤية الأشياء على حقيقتها، العجز الفاضح في قدرة المعلقين الذين يُفترض أنهم يتعاطفون مع الإسلام والمسلمين، في الإقرار بهذه الحقيقة، وهكذا يمكن لنوح فيلدمان اعتبار سجل أمريكا الطويل في دعم أنظمة سلطوية ودكتاتورية ضد حركات سياسية شعبية على أنه انحراف عن الطريق القويم، دون أن يتساءل عما يعنيه هذا السجل بالنسبة للأجندة الحقيقية للولايات المتحدة، وفي حين من الواضح أن بعض المسلمين سعداء أن ينالوا بعض التعاطف الغربي مع الإسلام لدرجة تجعلهم يتجاهلون المشكلات الحقيقية لما يفعله فيلدمان وأمثاله، فمثلا يتجاهل نظيم بكش في مراجعته لكتاب فيلدمان بعنوان "ما بعد الجهاد: الولايات المتحدة وكفاحها من أجل ديمقراطية إسلامية" يتجاهل تماما افتراض فيلدمان بأن الولايات المتحدة تعمل من أجل صالح العالم الإسلامي وبأن ما هو جيد لمصالح الولايات المتحدة هو أيضا جيد لمصلحة المسلمين·

وكل ذلك يطرح تساؤلا مهما: لماذا يبذل المسلمون جهودا مضنية لإثباب أن مفهوم الديمقراطية الذي يسبب المشكلات للثقافة السياسية الغربية، صالح للإسلام؟

الجواب الوحيد الممكن هو أنه يُنظر إلى الديمقراطية باعتبارها العامل المركزي للنجاح الظاهر لمعظم دول الحضارات المتقدمة والقوية في العالم الحديث، لقد أقر المؤرخون منذ زمن بعيد بظاهرة الشعوب المقهورة التي تتبنى أدوات وثقافة القوة القاهرة لها في محاولة لنسخ نجاحها· ففي الحقبة الاستعمارية، تبنت النخبة المسلمة كل شيء غربي ابتداء بالملبس وانتهاء بالإيديولوجيات مرورا بالمؤسسات واللغات الغربية، من أجل أن تبدو "حديثة"، وكل ما أنجزته هو تعزيز الهيمنة الغربية على مجتمعاتنا، وقد ساعد في ذلك بالطبع، رعاية القوى الاستعمارية لأولئك الذين قلدوهم، والتهميش المتعمد - والقمع الوحشي إذا اقتضى الأمر - لأولئك الذين حاولوا التشبت بالقيم والتقاليد الإسلامية، وهي الاستراتيجة التي يستخدمها الغرب وحلفاؤه في حقبة ما بعد الاستعمار، اليوم·

 

فجوة هائلة

 

قد يبدو من القسوة أن نعتبر جهود بعض المثقفين المسلمين لإقناعنا بأن الديمقراطية هي خيارنا الأمثل، هي استكمال لهذه الظاهرة، فالكثيرون من هؤلاء - دون شك - مخلصون ويعنون ما يقولونه، ولكنهم ربما خُدِعوا بالترويج الغربي الدؤوب لصورته باعتباره القوة المحبة للخير في العالم "على الرغم من الكثير من الأدلة التي تشير إلى عكس ذلك"، وعلى أي حال، فإن من الصعب على المرء ألا يتشكك في أن المواقف والمكافآت المتاحة للمسلمين الذين يقولون الحق هي عامل آخر أيضا·

فقبل كل شيء ليس هناك إجماع على صلاحية الديمقراطية الغربية، حتى داخل الغرب، وقد كشفت كتابات لمثقفين غربيين من أمثال نعوم تشومسكي وهاوارد زين، منذ زمن طويل، على حقيقة أن الديمقراطية الغربية ليست سوى إدارة لإضفاء الصبغة الشرعية على هيمنة النخبة من الأقلية الثرية، ولمن يرون الغرب الراهن بعيون مفتوحة، حيث هيمنت الثروة على السياسة والاستغلال المستمر والمتصاعد للفقراء من قبل الأغنياء والتلاعب بالرأي العام من قبل أصحاب المصالح السياسية وما ينتج عن ذلك من تنفير للمواطنين العاديين من العملية السياسية والفجوة الهائلة بين الخطاب المثالي للديمقراطية وحقائق السياسات الديمقراطية·· فهذه كلها حقائق لا مفر من مواجهتها·

 

مظهر خادع

 

يقول كامران بخاري إن "الديمقراطية هي توفير إطار دستوري يضمن للحكومة الشرعية والمساءلة والشفافية وحكم القانون"، والحقيقة أن الديمقراطية توفر مظهرا خادعا من الشرعية التي تُخفي غياب المساءلة والشفافية وحكم القانون، فضلا عن قمع المعارضة فخذ على سبيل المثال، طريقة إضفاء الصبغة الشرعية على غزو العراق وتمرير قانون مكافحة الإرهاب المناهض للمسلمين "في بريطانيا" واحتجاز المعتقلين السياسيين في غوانتنامو وفي بريطانيا وأماكن أخرى، وزيادة الضغوط على المحجبات في الدول الأوروبية·

ويقول البخاري في موقع آخر إن الديمقراطية تمثل "وسيلة فعّالة للإدارة السياسية"، ولذلك فهي كذلك بالنسبة لإدارج العملية السياسية من قبل النخبة المصممة على تحقيق أهدافها وفي الوقت ذاته تعمل على خفض تأثير المعارضة إلى أدنى مستوى، فبهذا المعنى نعم، الديمقراطية ناجحة ولكن هل هذا هو النموذج الذي علينا محاولة دمجه بالإسلام؟

وفي الواقع، فإن ما يحتاج المسلمون عمله - بدلا من محاولة "أسلمة" الديمقراطية الغربية - هو تطوير نماذج من التنظيم الاجتماعي والسياسي تكون مبنية على القيم والمبادىء الإسلامية، وتلائم تعقيدات المجتمعات الحديثة، ويلقي بخاري باللائمة على المجتمعات الإسلامية لعدم قدرتها على اكتشاف الديمقراطية بسبب جمودها الثقافي، ولكنه يغفل التأثير المدمّر للاستعمار الغربي الذي لعب دورا في ذلك الجمود وأعاق التطور الطبيعي للمجتمعات العربية والإسلامية، الذي كان سيمكنها من إيجاد الوسائل الخاصة بها لتأكيد القيم الإسلامية في الحياة العامة، بدلا من الأنظمة السلطوية التي برزت من الخلافة الفاسدة·

 

محاولة غير مسبوقة

 

وربما كانت هناك عناصر مشتركة بين هذه النماذج والديمقراطية الغربية كالانتخابات لتحديد اتجاهات الرأي العام، ولكن إذا كانت تعكس حقا، الأهداف والأولويات الإسلامية، فإنها ستختلف تماما في كثير من جوانبها، وهذه النماذج ستكون - بالطبع - مختلفة تماما عن التعريفات المعروفة للخلافة من قبل بعض المجموعات المتأسلمة حاليا· فهي ستكون عامة وتجريبية وفقا للضرورة وتحتاج إلى اختبارها وتنقيحها عبر التجربة التاريخية عند التطبيق، ويجب أن تقام على أسس ذات معنى وليس نسخا لتجارب الغرب، إن بلورة مثل هذه النماذج، هي المهمة التي تصدى لها نشطاء الحركات الإسلامية والباحثون والقادة من أمثال أبو الأعلى المودودي وحسن البنا وحسن الترابي ومالك بن نبي وعلي شريعتي وراشد الغنوشي والإمام آية الله الخميني، وخاصة في اجتهاده بخصوص دور العلماء في السياسة ومحاولته غير المسبوقة لإقامة أول دولة إسلامية في العصر الحديث·

وبينما يناقش بعض هؤلاء الباحثين من أمثال الغنوشي المجتمع السياسي الإسلامي من زاوية مرجعية الديمقراطية والمفاهيم الغربية الأخرى، فإن لديهم جميعا فهما للديمقراطية أدق من ذلك الذي يبديه البخاري وآخرون مثله· فمثل هؤلاء "المسلمون الراديكاليون" الذين يحتاج الأكاديميون والمحللون الإسلاميون المعاصرون للعمل معهم، وليس المجموعات الإسلامية الهامشية التي يحاول البخاري دحضها على نحو غير حصيف·

وبهذه العملية، يمكنهم تقديم إسهامات بناءة للجدل السياسي الإسلامي أكثر من محاولة أسلمة النموذج الغربي للديمقراطية·

وإذا لم يجدوا الأدوات اللازمة لذلك أو عجزوا عنه، بالرغم من التدريب وتجربة العمل داخل المؤسسات الأكاديمية الغربية ومشاركتهم في الجدل السياسي هناك، فربما لا يكونون هم الأكاديميون الذين يجب أن يكونوا - بأفكارهم وأعمالهم - كقدوة في هذه المرحلة من تاريخنا·

 

" عن مجلة: كيونيوز Q-NEWS "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

يمكن للصدر تسليم نفسه الى المسؤولين العراقيين بدلا من القوات الأمريكية
قوات التحالف تسيطر على الوضع بالرغم من تمرد الفلوجة والصدر

 
العراق حرر الأمريكيين من ثلاثة أوهام
الديمقراطية ليست سلعة يمكن تصديرها للآخرين