رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 9 ربيع الأول 1425هـ - 28 أبريل 2004
العدد 1625

كتابة

من أيام الجحيم

 

                                                                  

 

إهداء:

إليك - في غيابك الطويل -

مقتطفات من أيام عشتها وإياك

في موقد الاحتلال···

معاناة مشتركة خرجنا منها سويا

لننعم بالحرية سنوات، قبل أن يأذن الله لك بالرحيل·

 

كانت السماء مفتوحة انفتاحها الأزلي، تلتقط دعوات الأرض لتطير بها الى الملك الأعلى، حيث العدالة المطلقة:

- أمٌّ انتظرت وحيدها، فجيء به جثة دامية·

- طفلٌ انتزع من ثدي أمه، قبل أن تغيب في الظلمات·

- شيخٌ اقتلع من بيت من بيوت الله، ولم يتم صلاته بعد·

- صبيةٌ اغتصبت على مرأى من أبويها وإخوتها الصغار·

- شبابٌ لا زالت أوصالهم تصلنا بتوابيت تأتي من الشمال محملة بفلذات أكباد الكويت، ولبنات مستقبلها·

و·· و··

جرائم·· وجرائم·· ودعوات·· وسموات مفتوحة تقترب من السائلين: "وإن سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان"· صدق الله العظيم·

 

***

 

"شدعي لك يا اللي حرقت قلبي

كون إبَّلْوتي يبليك ربي

سهران ليلك مهدوم حيلك

تتوسل وِلفك ما يجي لك" (1)

نغمات تحدرت من برجها البرزخي في غيهب الذاكرة··· حروف التقطتها ذاكرة طفلة تعشق تركيب الكلمات··· أغنية عراقية قديمة تمنيت لو أطلقتها من مكبرات الصوت، في أجواء الكويت صبيحة الخميس 2/8/90·

"بعيوني أشوفك مثل حالي

تتسلى بو نينك

مثلي بالسهر تقضي الليالي

لا واحد يعينك" (2)

كنت وإياهم على موعد في قاعة المحكمة، وكنت قد طرحت قضيتي على سلطان السموات والأرض، الذي قال لهما: "ائتيا طوعا أو كرها، قالتا: أتينا طائعين" صدق الله العظيم·

 

***

 

"لي شفت عذولك جايب أخبار

تتقلب ألوانك

هذا اللي يخللي ع الحطب نار

وتحير بزمانك" (3)

كان إبليس ينفث وساوسه الجهنمية في صدر المبتغي، ينفخ في النار شعارات عن الوطن البديل، عن الطريق الى القدس الذي يمر فوق جثة الكويت، وعن الغنائم التي ستؤول الى جيوب قيادات شريرة لن يسكت جشعها سوى حفنة تراب في يوم قريب·

 

***

 

"يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث"

دعاء هطلت حروفه صارخة من قلوب مكلومة·· عبارة نقشتها قلوب الكويتيين على الجدران والأبواب والصخور، بالفحم حيناً وبالطباشير حينا وبالدم أحيانا أخرى لجؤوا الى الحي القوم، وهم في أشد لحظات السواد·· فاستجاب لهم ربهم وأمدهم بجنود أتتهم من كل حدب وصوب "وما رميت إذ رميت·· ولكن الله رمى" صدق الله العظيم·

كانت أيام السواد طويلة حالكة نهارها أطول من ليلها وليلها يركن الفجر في أقاصي الظلمات·

 

***

 

"كيف يمشي في ثراها

غاصب يملأ الدنيا بكاء وأنينا

كيف من خيراتها يجني المنى

ونُرى في ظلها كالغرباء"

نقطة سيطرة تحذفنا الى أخرى·· تحية من عسكري عراقي لا تزل في ضميره العربي نقطة حياء، تسلمنا الى صفعة من عسكري آخر ينتمي الى بلد عربي تقمصنا قضيته وجعلناها قضيتنا الأولى، قبل أن تصبح لنا قضية أخطر، ولم تشغلنا القضية الأخطر - في أحلك أيامها - عن القضية الأم إلا بعد أن وجدنا أصحابها يقفون ضدنا مهللين فرحين·· يوزعون عصير الشماتة في صينية - مع الحلوى والمياه الغازية احتفاء بالمعتدي واحتفالا بموسم الدم·

 

***

 

كيف لي - يا صاحب القلب الذي رحل - أن أطمئن إليهم مرة أخرى، وأن أبيت في مضاربهم، آمنة على عرضي وأهلي وترابي·· وكيف أستمتع بالوسن اللذيذ بينهم، في بقعة من البحر الى البحر تبارك الموت وتقتل النبات والأطفال والنجوم·

يا صاحب الجفن الذي غفى

لقد فزعت اليوم من نومي إثر كابوس غريب·· وجدت - في المنام - أنني مطاردة·· وأنني مدانة من دولة عربية تدعي أنني قد تعرضت لسيادتها في واحدة من قصائدي!!

ولم أكن - في الحلم أو في الواقع - قد أشرت من قريب أو بعيد لهذه الدولة، التي كانت شرطتها - في المنام - تطاردني·· وأنا أركض·· أستنجد بالأبواب والأبواب مغلقة·· وقد أفقت من نومي وفي فمي سؤال:

ماذا لو كان الحلم قد استغرق وقتا أطول··؟ هل كانت تلك الأبواب ستفتح·· أم··؟!!

 

***

 

روحي وروحك سوى

هايمين في دنيا الخيال

غنينا لحن الهوى

والشدو بينا وصال

طائران يمخران عباب السماء·· البحر يأتي مثقلا بالموج والسؤال·· عيناك تخترق الزمن، تحمل أزهار الصباح لقلبي المكبل بالحنين، صورتك المطلة من مكان بعيد تؤنس وحشة قلب أدمن الذكر·

 

***

 

ماذا تبقى من الزمن؟ سؤال يطرحه التلاميذ في قاعة توزع الأسئلة، وقلوب تتوق الى النجاح في يوم لا يشبه الأيام·· وقيتات عمري الغائبة تعود كقطيع هدّه الظمأ·

"كان النسيم غنوة النيل يغنيها

وميته الحلوة تفضل تعيد فيها

وموجه الهادي كان عوده

ونور البدر أوتاره

يناغي الورد وخدوده

يناجي الليل وأسراره

وأنغامه بتسكرنا

أنا وأنت ما فيش غيرنا"

لا زمن يشبه زمني، لا قلب يشبه قلبي، لا رأس يتوغل في الحلم كرأسي، فكيف أتواصل معهم وليس لي من بينهم شبيه·

الأرض تهتز تحتنا·· الباب يتفجر·· ضباط عراقيون يقتحمون البيت في ليلة حالكة·· المسدسات تشهر في وجوهنا·· وفي حناجرنا يغرغر السؤال: لماذا··؟!!

فيأتي الجواب على صيغة السؤال نفسه: "لماذا لم تستبدلوا اللوحات الكويتية بأخرى عراقية··" وذلك إثر مرسوم جائر يأمر بطمس الهوية الكويتية، بما فيها لوحات السيارات، وكأن الكويت قد تحولت الى عدم، وكأنها لم تكن شيئا مذكورا·

 

***

 

"أشوف بعيونك الدنيا

وغنى الحب بلسانك

حياتي معاك حياة تانية

أهيم وأسبح في أحضانك"·

لا صديق لي في هذا الصقيع الممتد من الموت الى الموت سوى هذه الترانيم التي أدمنتْها روحي منذ طفولتها المبكرة، قبل أن تفجع قلب الرمال نيران القنابل والمتفجرات·· ونشاز الفضائيات الآيلة الى العدم·

 

***

 

"أخي إن جرى في ثراها دمي

وأطبقت فوق حصاها اليدا

ففتش على جبهة حرة

أبت أن يمر عليها العدا

وقبّل شهيدا على أرضها

دعا باسمها الله واستشهدا"

كان الوقت الممتد من 2/8/90 الى 26/3/91، قد تحول الى تابوت كبير يحصد الشهداء في الكويت شهيدا إثر آخر·

ويحترق السؤال: من أين ابتدأ الكابوس·· هل ابتدأ من نقطة في أغسطس؟ أم من شوارع الضوضاء، تصيح بصوت نشاز: "بالكيماوي يا صدام·· من الكويت حتى الدمام"·

أم أنه قد انطلق من فضائيات تسن ألسنة القبح ضد الجمال والسلام·

ربما كانت البداية من هنا أو من هناك وربما تجمعت واتحدت ضد الطيور والأطفال والأسماك والزهور·

 

***

 

- هل أنت كويتي··؟

- نعم··

- إذن إلزم دارك! (أي لا تخرج من بيتك)·

لم تكن هذه الكلمات أوامر رسمية·· بل كانت نصيحة من ضابط عراقي وجهها إليك وأنت في طريقك الى البيت، وفي حوزتك رغيفان لا ثالث لهما، لقد خرجت هذه النصيحة من قلب عراقي أبيض، بعد أن تلقت القوات العراقية في الكويت أمرا بالتقاط الكويتيين من الشوارع والمساجد، بل من أسرة نومهم وترحيلهم الى السجون والمعتقلات في العراق·

 

***

 

لكل زمان رحيل·· وكم توجعت لمبضع الرحيل يجتز الحروف من دفاتر القمر·

"وطني حبيبي الوطن الأكبر

يوم ورا يوم أحلامه بتكبر"

أين هذا الوطن··؟!

وأين هاتيك الأحلام؟!

وطن صغير أنا·· يتلفت مذعورا

يهمّ بالهروب·· يخاف من سراديب يتوه في أحشائها·· يغيب· صغيرة أنا·· بل نقطة تخاف أن تضيع·· تخاف أن تفلتها خريطة المكان·· تخاف أن تبيت - خلسة - في اللامكان·· وكيف للأمان·· أن يعرف الطريق·· لقلب نجمة في غابة تبيت·

1، 2، 3 ثلاثة مقاطع من أغنية عراقية قديمة·

 

يناير 2004

غنيمة زيد الحرب

طباعة  

في نصه·· في حديثه·· في سيرته
زاهر الغافري يرمي أزهاره في بئر الصمت·· ويصغي

 
وتــد
 
"البابطين" تعلن نتائج "دورة ابن زيدون"
 
خبر ثقافي
 
إصدار