رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 9 ربيع الأول 1425هـ - 28 أبريل 2004
العدد 1625

في نصه·· في حديثه·· في سيرته
زاهر الغافري يرمي أزهاره في بئر الصمت·· ويصغي

                                            

 

حينما يتحدث إليك زاهر فكأنما يفضح مشروع قصيدة جديدة، زاهدا - لغناه - بلمعانها وعذريتها وأسرار دهشتها الأولى، لذا فعلى طاولة مقهى، أو كرسي خشبي في حديقة منزوية، أو على بلاط الممرات، أو أينما اجتمعت به فتوقع أن تنفتح أمامك أبواب على جنات فضائحه الجميلة·

للشاعر العماني المغترب زاهر الغافري مشروع شعري مكتمل، وغني، له قاموسه الخاص من الصور والتراكيب والعوالم المتفردة، له هدوء الفكرة وانسيابها الى العمق، وله رؤاه وقلقه وتساؤلاته الوجودية، جميعها أخذت حيزها الذي تريده من اللغة، دون زيادة أو نقصان، وأشبعت - هذه الرؤى والأفكار - رغبتها من جسد اللغة بحكمة وصمت·

قارئ الغافري حتما سيوقن أنه أمام شاعر منتهٍ من أمر اللغة ولعب الكلمات، أو أطيافها وخياراتها المربكة·

مشروع شعري رؤيوي صاف لا يحمل إلا اسم زاهر، انقادت له مياه النهر وأسلمته سلاستها لكنه ظل مأخوذا بسحر الينابيع القصية ساعيا الى ليل دهشتها، لا لشيء إلا ليحيا الشعر بكامل حواسه، ويعيشه كحياة يومية أو كليل سري يتأمله كقصيدة·

 

خدعه حلمه

 

في آخر مجموعاته الشعرية "أزهار في بئر" الصادرة عن منشورات الجمل (عام 2000) يعرض الغافري في أول نصوصه بطاقة تعريفية له أو لسيرة غربته:

قذفتك شمس ثلجية في أغوار الغابات· الأغنية في فم الملاك دليل حياتك·· لن تصل الى مرآتها أبدا، فالطريق بحيرة من الأسرار ومن على ظهرك تكر السنوات الثقيلة·

يرتبط شاعرنا بالليل كتوأم، يمده بالخوف وبقدَر المغامرة التي تدني حياته من "نافذة مفتوحة على هاوية"·

في "البطاقة" أيضا نتلمس ملامحه من "أعشاب الماضي" التي ستعكس لنا ليل التائه في غابة، والمغترب دوما دون دليل، والقانع في يباس المزودة رغم بعد المسافات وقسوة شموسها، يحاول أن يقطع حنينه الدائم الى الهروب، معترفا بخديعة النداء:

الراعية التي أغوتك الى المغارة وبضربة واحدة كالبرق استلت لؤلؤة قلبك

في "أزهاره··" التي يرميها في بئر (غير معرّف)، يائسا، أو عابثا بنضارة الفرح والأمل الموسميين والطارئين، أو محاولا الاحتفاظ بكنوزه في المكان السري الذي يليق بها، حيث العمق، والظل، والسر، يسرد الغافري سيرته كإيماءات تضيء مرة على وجوه الأصدقاء، ومرات في أماكن، وأزمان، وعلى صفحات الماء، وأدوات الطبيعة وأحوالها·

في نص "أي ليل" يريد الغافري أن يختار ليله، يبحث عن حديث الأشياء من حوله، كائنات الليل والطبيعة، لا يحتمل الصمت الغامض الذي قد يعيده الى بدايات الخلق:

كل هذا الليل، بلا عاصفة واحدة

تجعلني أحلم

بلا نافذة لكي أكون أعمى

ليل بلا غصن يودع خطواتي

فأكاد أسمع صرختي الأولى

في غيابي

ولشاعرنا مرآة واحدة نقية، في سفره ومقامه، هو في نص "بريق مستعاد من قلب الآلام" هاربا من طرف الألم الى قلبه·· أو العكس، وطريقه لا يخلو من الطعنات الغادرة، فيوازن بين الألمين: الـ "هنا" في غربته والـ "هناك" في موطنه الأصلي:

لقد تجمعت حياتي كلها هناك، في لحظة الهرب الأخيرة تلك مثل ضربة مطرقة فوق قلب محطم·

يتذكر، ليروي، كيف انهمر وراءه الرصاص، وقبائل قطاع طريقه، الى أن:

في تلك اللحظة فقط، في اللحظة تلك أدركت

سر الطعنة خلف ظهري

مدية بريقها مستعاد من قلب الآلام

فقفزت، قفزاتي الأخيرة، مغمض العينين تماما في اتجاه المجهول وتلقفني الهواء بذراعيه

حتى وصلت الى هنا

يتلاعب الغافري في زمن النص، وروايته، فيتنقل بين زمانين ومكانين، لينسج في بعد إنساني بسيط وعميق عالما من صنع يديه، خال من الغدر والخيانات والجحيم الذي ينصبه له الآخرون·

خساراته بعد الإقامة

وفي نص قصير مكثف "بعد غياب" يقول:

بعد غياب طويل

تعود الى أرضك الأولى

وكل ما تملك جمرة في اليد

أحقا ستختفي المعرفة

ذات يوم

ولن تتذكر الأفق

وأرواحه الهاربة·

ينبه الغافري حالته التي استكانت للتو الى استقرار الإقامة والهدوء بتساؤل حاد حارق يحن الى الصعلكة والتشرد والسفر مع الذات وبها، بعد سنوات من التعود على الجلوس إليها، وعلى الحوارات الداخلية في صقيع الغربة·

فهل في الإقامة المطمئنة متعة تعادل متع الاستكشاف والسفر حيث "المعرفة" وطرد الأرواح الهاربة كالفراشات في الأفق؟!

ويستكمل:

ولا المنزل الذي ارتطم مرة

بريش الفجر

اسمع

الشجرة تقطع فأسك في الظلام

وليل الرب ينام على ركبتيك

وفعل الأمر هنا "اسمع" يكسر تتابع السرد والجمل الاسمية (الوصفية) فيضيف حركة حيوية وتنبيه لمشهد النص على قصره·

وفي مجموعته يوزّع الغافري أزهار طفولته - رغما عنه - الى أيدي قرائه، رغم إعلانه - منذ العنوان - أنها مخبأة أو مغمورة في بئر:

مثل سجين يدحرج صخرة

يقوده الكلام مع نفسه الى آبار الطفولة

وزهرة أخرى كانت خالدة، رآها القارئ والشاعر، في أنثى "دعوتها المفتوحة وليمة قدرية"·

وفي "مرثية الشمال البعيد" يتحول الشاعر الى صدى لرحلته المتعبة التي ترددها الوديان والصحارى والأنهار والجبال التي مر بها، وكنص ترويه الطبيعة (المكان) فقط دون أن يتسلل إليه انفعال نفسي طارئ ومنسي، فيصبح هذا النص - وبهذه الاختيار الروائي - كأحفورة في سيرة الشاعر وأيامه، والأكثر تميزا في المجموعة:

إلى أن يُسمع الصدى

تحت اللسان

أسير نائما، أسيرا، بين نهرين

معذبين

تحت سماء لم تعد تقول شيئا

هو هكذا، في نصوصه، وحديثه، كسيرته صادقا، إذا ما أشرنا الى أن زاهر الغافري أقام في أكثر من بلد كالعراق والمغرب والإمارات والولايات المتحدة والسويد حيث إقامته الآن، وما روايته الشعرية لبعض محطات الغربة المكانية إلا مرآة أخرى لحياة شاعر·

ولم تكن كتابتنا هنا إلا محاولة لالتقاط بعض إشارات "الغربة" ومراياها الصادقة في مجموعة الغافري الشعرية "أزهار في بئر" والتي أصدر قبلها (أظلاف بيضاء - باريس 84) و(الصمت يأتي للاعتراف - كولونيا 91) و(عزلة تفيض عن الليل - مسقط 93)·

 

نشمي م·

طباعة  

كتابة
 
وتــد
 
"البابطين" تعلن نتائج "دورة ابن زيدون"
 
خبر ثقافي
 
إصدار